مقال تحليلي

قدسُ الإسراءِ ومعراجُ السماءِ.. رسالةُ الحقِ وهويةُ الأرضِ

بقلم: د. مصطفى يوسف اللداوي كاتب وباحث فلسطيني

ليسَ أبلغ ولا أعمق من حادثةِ الإسراء والمعراجِ رسالةً من الله عزَّ وجلَّ إلى العالمين كافةً وإلى العبرانيين خاصةً، بأن القدس عربية الهوية والانتماء، وإسلامية الحضارة والتراث، يسكنها العربُ المسلمون والمسيحيون معاً، يشكلون هويتها، ويصبغون أرضها، ويصنعون تاريخها، ويحمون حدودها، ويحفظون مقدساتها، ويتحدون في مواجهة الخطوب معاً، ويمنعون اليهود من دخولها والعيش فيها، ويصدونهم إن اعتدوا عليها أوحاولوا الإفساد فيها، وقد نعموا بالعيش فيها قروناً لولا الطامعين اليهود والمعتدين الإسرائيليين، الذين أفسدوا عيشهم، وسمموا حياتهم، ودنسوا مقدساتهم، وتآمروا عليهم لتخريبها وهدمها.
في ذكرى الإسراء والمعراج تئنُ القدس بوجعٍ ويشكوأقصاها بألمٍ من ظلم الاحتلال وجور المعتدين، فقد بغى الإسرائيليون في أرضنا وتغولوا علينا، ودنسوا مسجدنا وانتهكوا كرامتنا، ويواصلون كل يومٍ اعتداءاتهم على مقدساتنا فيقتحمون الحرم، ويتوعدون بهدمه وتدميره، وبناء هيكلهم المزعوم مكانه، ويجدون من يعينهم ويقف معهم، ويؤيدهم في ظلمهم ويناصرهم.
وتشكوالقدس بحزنٍ وأسى إلى الله عز وجل تخاذل ولاة الأمر العرب وقادة المسلمين، إذ تقف أغلب أنظمتهم صامتةً وتتفرج، أوتتآمر مع العدووتشترك معه في المخطط، وتسكت عن جرائمه وتقبل بسياسته، وتعترف له بشرعية ما اغتصب أوادعى، وترى أن له في القدس حقاً وفي أرض الأقصى مكاناً، ممالأةً للإدارة الأمريكية أوخوفاً منها، وتطبيعاً مع الكيان الصهيوني حباً فيه وولاءً له، وشكراً له وأملاً فيه.
مدينة القدس التي تضم بين لابتيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وما يليهما من المقدسات الدينية، وفلسطين كلها بما حوت من مدنٍ وبلداتٍ عريقةٍ يسكنها مسلمون ومسيحيون، أرضٌ مقدسةٌ وديارٌ مباركةٌ، خلدها الله سبحانه وتعالى في كتابه، وعظمها في قرآنه بالإسراء إليها والمعراج منها، لا يملك قرارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولا غيره من القادة والزعماء، أياً كانت هويتهم وقوميتهم، وديانتهم وجنسيتهم، ولا يفاوض أويساوم عليها أحدٌ بنية التفريط والتنازل أوالبيع والمقايضة، إذ لا تشبهها أرضٌ ولا تماثلها بلادٌ، والتاريخ يشهد دوماً أنها كانت درة جبين العرب والمسلمين، وشامتهم الغراء وأم مدائنهم العصماء.
القدس ليست عقاراً أوداراً، أوحديقةً وبستاناً، أوباحةً وفناءً، أومبنىً وعمارة، أوأرضاً وفلاةً، أوغير ذلك مما يظن الرئيس الأمريكي ترامب أنه بما تملك بلاده من قوة، وبما تحوز عليه من أسلحةٍ فتاكةٍ، أوبما تتمتع به من نفوذٍ واسعٍ وتأثيرٍ كبيرٍ، يستطيع أن يهبها لمن يشاء، وأن ينزع ملكها عمن يشاء، ويدخل إليها من الغرباء من يريد، ويطرد منها أصحابها الشرعيين وملاكها الأصليين، وهورجل الأعمال التاجر، الذي يظن أن كل أرضٍ تباعُ، وكل عقارٍ له ثمن، وأن القدس من جنس العقارات يبيعها أهلها لمن يدفع أكثر، ويتخلى عنها أصحابها لمن هوأقوى وأقدر.
الإسرائيليون فرحون في هذه الأيام التي ينبغي أن تكون أيام عيدٍ وفرحٍ عندنا، إذ نحن من يحتفي ويحتفل بذكرى الإسراء والمعراج، ولكننا نراهم في حالٍ أفضل منا، إذ أنهم يرقصون ويضحكون، ويبتهجون ويلعبون، ويظهرون فرحهم ويبدون سعادتهم، فقد تحقق لهم في القدس الكثير ويتوقعون الأكثر، وباتوا يزاحمون المسلمين في أقصاهم، ويضيقون عليهم مصلاهم، وينتزعون منهم دروبهم وبواباتهم، وأخذوا يتهيأون ليوم عودتهم بحجارتهم الموعودة، ويستعدون بثيابهم الخاصة، ويبنون كُنُسَهم المبشرة بيوم استعادتهم لهيكلهم، ولا يظهر عليهم أنهم يخشون هبةَ العرب أوصحوة المسلمين، إذ لا يبدوفي الأفق القريب أوالبعيد ما يهدد حلمهم أويمزق ملكهم، فالزمان زمانهم والبشائر تزداد بين أيديهم، فلماذا لا يفرحون وبالعرب والمسلمين لا يشمتون.
أُسريَ برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القدس وهوضعيفٌ محاربٌ، محاصرٌ ومُضيق عليه، يُكَذبُ ويُعتدى على أصحابه، ويُساء إليه ويُعذب أتباعه، ويُتآمر عليه ويخططون ضده، ولكنه رغم الضعف وقلة الحيلة وهوانه على قريش، ورغم قلة الأتباع وكثرة الأعداء، حيث كان أعداؤه أقوياء متماسكين، وأشداء متحدين، إلا أنه صدح في وجه قريش ووجوههم، وفي حضرة زعمائهم وعلى مسامع كبرائهم بما لا يتوقعون، وقال ما لايستوعبون، وتحدث بما لا يتخيلون، إذ ربط بين الحرمين، وجمع بين المسجدين، وكأنه يقول أنه لا تفريط في المقدسات ولوكنا ضعافاً، ولا تخلي عن معتقداتنا ولوكنا مضهدين، فلا يعتذرن أحدٌ بالضعف أوالعجز، ولا بقلة الحيلة ونقص الذخيرة، ولا يبرر أحدٌ لنفسه الخور والخوف والاستخذاء والتخاذل بقوة العدووتفوقه، وإمكانياته وقدراته، وحلفائه وأعوانه، إذ لن يرحم التاريخ ضعيفاً ولن يغفر الله لأحدٍ عجزه وتقصيره.
لا يفرط في أرضِ الإسراءِ مؤمنٌ به، ولا يتخلى عن حائطِ البراقِ ومنطلقِ المعراجِ مسلمٌ، فهذه أرضٌ قد خَطَ اللهُ عزَّ وجلَّ حدودها، ورسم هويتها، وحدد انتماءها، وقدَّسَ ترابها، وطهر أهلها، وبارك حولها، وجعلها خيرَ أرضٍ وأعظم رباطٍ، ورفع قدرَ من دافع عنها، وأعز من رابط فيها وقاتل من أجلها، وخلد من طهرها وفتحها، وحفظ ذكر من حررها واستنقذها، ولعن من فرط فيها، وقاتل من فاوض عليها وتنازل عنها، وتوعد بالهلاك من خانها وتآمر عليها، وأذل في الدنيا والآخرة من تخلى عنها وقصر في حمايتها، وألبسه لباس البؤس والشقاء، وأذاقه المر والهوان جزاءً نكالاً بما كسبت يداه.
فهذه أرضنا العربية، وقدسنا المطهرة، ومدينتنا الخالصة، وعاصمة دولتنا العتيدة فلسطين، وعروس مدائننا العظيمة أجمعين، فطوبى لمن تمسك بها وحافظ عليها وضحى من أجلها، وهنيئاً لمن سكن فيها ورابط دفاعاً عنها وحمايةً لها، ولن تسقط بإذن الله مدينتنا، ولن نفقد مسجدنا، ولن نخسر وجودنا، إذ سيبقى الإسراء والمعراج شهادةً من الله عز وجل خالدة إلى يوم القيامة على هوية الأرض المباركة، وملكية القدس ومرجعية الأقصى.
بيروت في 7 / 4 / 2019

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18003

العدد 18003

السبت 20 جويلية 2019
العدد 18002

العدد 18002

السبت 20 جويلية 2019
العدد 18001

العدد 18001

الخميس 18 جويلية 2019
العدد 18000

العدد 18000

الثلاثاء 16 جويلية 2019