المتغيّر الحضاري والبعد الإنساني في سياسة الصين الدولية:

حالــة العلاقـــــات الجزائريـة الصّينيــة

أ.د. إسماعيل دبش، جامعة الجزائر 3 الحلقة 1

تزامنا مع احتفال الصينيين هذه الأيام وهذه السنة بالذكرى 70 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية (1949 - 1970)، يقدم في هذه الورقة قراءة بعنوان المتغير الحضاري والبعد الإنساني في سياسة الصين الدولية. من المنطلق الإنساني والتاريخي والحضاري (حضارة عمرها أكثر من 5000 سنة) لا يمكن تصنيف الصين إلا كقوة إنسانية  أمامية. مسيرة ومضمون حضاري بمنطلق فكري متميز يعتمد تمجيد العمل، الاحتكام للعقل، تثمين الإنسان ورفض القهر والهيمنة والاعتداء (الكونفوشيوسية)، وبمكاسب علمية سبّاقة في الابتكار والتطور الصناعي. الصينيون سباقون في صناعة الورق، وفي فن صهر البرونز وقبل أكثر من 3000 سنة استخدموا الأدوات الحديدية، وأدخلوا صناعة الفخار بما فيها الفخار الأبيض والملون، وأبدعوا في نسيج الحرير ودخلوا في صناعة الفولاذ، وكانوا سباقين في تطوير الرعاية الصحية والإنسانية خاصة في مجال الطب (الطب الصيني). وبالصين قامت نهضة ثقافية وحضارية إنسانية كبرى قادها فلاسفة ومفكرون، وفي مقدمتهم كونفوشيوس والإستراتيجي سون والمعروف بسون تسو الذين كانوا وراء المرجعية البنّاءة والثقافة الإنسانية المتميزة والحضارة العملية المنتجة لقيم وممارسات المجتمع الصيني المعاصر.حضارة وتاريخ كيفها مؤسسو جمهورية الصين الشعبية في معركتهم ضد الاستعمار الياباني قبل 1949 وفي مواجهات الحصار والتحديات الغربية للصين خلال السبع عقود الماضية.

الصينيّون يجسّدون السّهل الممتنع

 يمكن هنا تقديم البعض من معالم وقيم الحضارة الصينية،  والتي تبدو في مجملها سهلة الفهم والإدراك ولكن صعبة التطبيق. بمعنى أن الصينيون يجسدون السهل الممتنع بمرجعية حضارة بناءة وهادفة بما فيها حتى التكيف مع أفكار وصناعة وتكنولوجية الآخرين بما يتلاءم وواقع الصين والشعب الصيني. حتى الاشتراكية الصينية فهي تتماشى مع العمق الاجتماعي والحضاري للشعب الصيني:
1ـ العمل: من الصعب تصور صيني مهما كان سنه يخرج من بيته صباحا وليس له أو لها إرادة وعزيمة للإنتاج وفعل شيء ما، ليحس أولا أنه موجود وثانياً لإعالة نفسه بنفسه ومن خلال ذلك خدمة المجتمع وبلده. من مظاهر ارتباط الصيني بالعمل والإنتاج أني ذات مرة شاهدت تحقيقا تلفزيونيا قام به صحفي فرنسي من داخل الصين لقناة تلفزيونية فرنسية، ومن بين الأسئلة التي وجّهها الصحفي الفرنسي لأحد الصينيين الذي كان رفقة أفراد من عائلته وجيرانه منهمكين في فتح الطريق الذي انغمر بالثلوج، ماذا لو أنّكم قرّرتم ألاّ تفتحوا هذا الطريق المنغمر بالثلوج، أجابه الصيني أن هذه الفكرة لن تخطر في أذهاننا أصلاً. تصوّروا كيف أن الصيني يريد أن يعمل وينتج تحت أي ظرف أو شروط صعبة، ولا ينتظر الدولة أو يلقي باللوم عليها في أعمال هو قادر عليها. تمنيت أن يكون هذا نموذجا يُقتدى به في بلداننا على الأقل في النظافة وحماية البيئة، والتي هي مسؤولية فردية وأخلاقية قبل كل شيء، وعدم انتظار الدولة للقيام بها. تقديم الخدمة عند الصيني مهما كان نوعها هي إنتاج وشرف ويتباهى بها ويثمّنها ويعمل من أجل إنجاحها وإعطاء أحسن صورة لها، من خلال التنظيم والترتيب والكيفية، وإظهار حبه لها والتباهي بتأديتها، من سائق سيارة أجرة، أعوان بالفنادق، عمال بالحدائق والأماكن العمومية، بائعين، عمال بالمصانع والمؤسسات الاقتصادية والتجارية والمالية والخدماتية، عمال أرض، إطارات موظفين مسؤولين، مثقفين...الخ.
٢ـ الانضباط: يعرف الصيني موقعه وأين تبدأ وتنتهي صلاحياته، ولا يخرج عن هذا الإطار ويأخذ بالتوجيهات ويؤدي الواجبات ولا يتصرف إلا من خلالها، لا يبادر إلا بما هو مخول له ولا يتدخل في شؤون الغير أو صلاحيات الآخر، عندما يكلف بمهمة يؤديها ولا يخرج عن هذا الإطار، الصيني لا يتصرف كشريك لصاحب المعمل أو كطرف مواز للمسؤول عنه، فهو يعتبر نفسه منتجا بالمؤسسة أو المعمل ونجاحها هي مهمته. المطالبة بالحقوق تأتي بعد تأدية الواجب وعادة تأدية الواجب كاملاً يؤدي إلى الحصول على الحق. بالعالم العربي هناك المعمل والعامل، ولكن العمل هو الأضعف حلقة، خلافا للصين أين المعمل والعمل والعامل كل متكامل من أجل ضمان الإنتاج. محتوى وسلوك أخلاقي إنساني عالي المستوى سهل الفهم ولكن صعب التنفيذ بسبب غياب الإرادة.
٣ـ احترام الوقت: الصينيون يجسّدون السهل الممتنع، وهو احترام الوقت ويطبقون مقولة «أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك». الوقت بالنسبة للصيني هو عمل وإنتاج ومنفعة، تثمين وتقييم الوقت هي من أرقى القيم الأخلاقية والسلوكية. عدم احترام الوقت ليس فقط مساس بقيمته المعنوية والمادية بل مساس بالعلاقات الإنسانية والتزامات الطرف الآخر والآثار السلبية المترتبة عن ذلك لدى الجميع. من بين مظاهر التزام الصيني بالوقت إذا كان عندك مثلا موعد مع مسئول صيني كمدير شركة مثلاً، فإنك تجده في الوقت بالضبط، هو وطاقمه الإداري بمدخل المؤسسة عند الباب لاستقبالك بحفاوة وبروتوكول متميز. الهدف الآخر من ذلك هو أنهم يشعرونك بالانضباط بالوقت مسبقاً، حيث تأخرك يصبح غير مقبول لأنك تعرف مسبقاً بحكم التقاليد الصينية أن هناك أناساً واقفين خارج المؤسسة في انتظار استقبالك. من مظاهر احترام الوقت كذلك أن الصيني لا يضيع الكلام أو النشاط غير المنتج، فعندما تقابله أثناء العمل وتحاول الحديث معه خارج الموضوع لا يتجاوب معك لأن برنامجه محدد ومكثف ومرتب...الذي لا يتكلم ينتج كثيراً بسرعة وإتقان، والقائمة طويلة لمثل هذه المظاهر.
٤ ــ الثّقة في النّفس: ذهنية الصيني وثقافته مشحونة بمرجعيتهم الحضارية المتأصلة بما فيها اعتبار دولتهم مركز العالم وليسوا بحاجة للتوسع. حصانة ومحتوى الحضارة الصينية في القناعة بأن العالم يجب أن يكون أسرة واحدة، وضرورة الاعتماد على النفس، واستيعاب الحكمة المفيدة، خلقت في المجتمع الصيني ثقة بالنفس، واعتزاز بقوميتهم. يعتبرون حضارتهم مصدر إلهام وتجارب نموذجية للآخرين بما فيها الغرب. الصيني يتكلم أو يحاور أو يتصرف مع الغير بما فيها دول عالم الشمال (أوروبا وأمريكا الشمالية) دون عقدة، وينطلقون من مبدأ المعاملة بالمثل مع الوعي بخلفية الهيمنة التي مارسها الغرب ضد الصين بدءاً باحتلال البرتغاليين لمنطقة ماكاو (القرن 16)، حرب العفيون (1840) واحتلال هونغ كونغ من طرف بريطانيا (1842)، ودعم الغرب بقيادة الولايات المتحدة لفصل تايوان عن الأرض الأم بعد الحرب العالمية الثانية. يمكن هنا ذكر رد فعل صيني يعكس مدى ثقته بنفسه. بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية (1949) صرّح الناطق الرسمي بالبيت الأبيض قائلا أننا لا نعترف بهذه الدولة، فرد ماو تسي تونغ القائد الصيني قائلا: «نحن دولة تعترفون بها أو لا تعترفون فهذه مشكلتكم وليست مشكلتنا».
٥ ـ الاعتماد على النفس: الصيني من سن الطفولة إلى سن الشيخوخة، كفرد أو كعائلة أو كمجتمع أو كقيادة ينهض في الصباح وكله عزيمة لفرض وجوده كما هو، وتوظيف نفسه للمحيط الخارجي للاستفادة منه وليس انتظار الطرف الآخر لإعالته أو التضامن معه أو التوسل له. ثقافة الاعتماد على النفس كونت لدى الصيني روح الابتعاد على الاتكال وانتظار الغير لإيجاد الحلول للمشاكل التي قد تواجهه أثناء تأدية عمله أو واجبه أو التزاماته المهنية ودون تضييع الوقت بطلب التفاصيل، والتي كثيرا ما تستعمل من طرف العمال والموظفين بعالمنا العربي كحجة أو مبرر للتهرب من الواجب والمسؤولية والعمل المنتج.
٦ ـ الوطنية المتجذّرة: تتميز حضارة الصين العريقة بغرس وطنية قوية عميقة لدى الصيني لدرجة التضحية بالمصالح الخاصة من اجل حماية وطنه وإبراز أرقى صورة عن بلده. في الحدث العالمي الكبير الذي احتضنته الصين والمتمثل في تنظيم الألعاب الأولمبية (أوت 2008) ونجحت فيها الصين بامتياز لسبب أساسي هو مشاركة الجميع كمتطوعين في كل نشاط أو تنظيم للحدث. المتطوع يدفع من جيبه حتى تكاليف التنقل والاتصال الهاتفي من أجل إنجاح مهمته. الآباء والأمهات كانوا دعما ماديا ومعنويا لأبنائهم وبناتهم لإنجاح الحدث.
٧ ـ تجذّر الثقافة التجارية والليبرالية لدى الصيني: ليس صعبا أن نجد جوابا لماذا الصينيين تكيفوا بسرعة مع اقتصاد السوق والليبرالية رغم أن النظام السياسي نظريا اشتراكي المحتوى والهيكلة؟ إن الصيني بطبيعته عبر المراحل التاريخية للصين (قديما مع العرب ومن خلالهم مع الأفارقة كان طريق الحرير) كان دائما يمارس التجارة واقتصاد السوق وحتى أثناء أشد مراحل الاشتراكية (1949 تاريخ انتصار الثورة-1978 بداية الإصلاحات والتحديثات الأربعة)، كان الصيني يمارس النشاط التجاري.
سياسة الصين الحالية اختيار أمثل في توظيف المركزية الديمقراطية من الجانب السياسي حفاظا على الوحدة الوطنية، واستكمال استرجاع أراضيها من جهة وضمان الاستقرار الاجتماعي لأكثر من مليار و400 مليون صيني. مسؤولية يفترض أن يشاركها الجميع خاصة الدول الكبرى لأن ذلك ليس فقط لخدمة الشعب الصيني والوحدة الصينية بل خدمة لاستقرار العالم وخاصة العالم الغربي الذي يتحسس للهجرة. تصوروا فقط لو أن 10 مليون صيني هاجر للغرب كيف سيكون موقف وسلوك الدول الأوربية ودول أمريكا الشمالية. هم الآن رافضين الأعداد المحدودة من المهاجرين، ناهيك عن ملايين من الصينيين. على الغرب ترك الصين وشأنها فإنها كما هي الآن حل لربع سكان العالم. إمكانيات الصين تُعيل شعباً تعداده تقريبا أربع مرات سكان أوربا و تقريبا ضعف سكان الغرب(  أوربا وأمريكا الشمالية مجتمعة).
٨ ـ التوظيف البناء والإيجابي لتجارب الغير: الصينيون لا يضيعون وقتهم في تكوين لجان لدراسة المشاريع والتخطيط لها قبل الإطلاع على تجارب الآخرين ومحاولة الاستفادة منها. يعرف الصيني مسبقاً أن تشكيل لجان محلية وتنظيم اجتماعات مملة واستهلاكية لا تقود إلاّ للركود ومضاعفة البيروقراطية والنظرة الأحادية للأشياء.
استطاع الصينيون أن يستفيدوا وينتفعوا من تجارب الغير، ويستغلونها لدرجة أن شركات عالمية رائدة في مجال الصناعة والتكنولوجيا هي موجودة الآن في الصين وتصدر لدول مصادر نشأتها بأوربا وأمريكا الشمالية. المدن والقرى الصينية هي ورشة إنتاج صناعي واقتصادي وتكنولوجي بكيفية ونوعية استطاعت أن تتوسع وبكثافة في الأسواق الأوربية والأمريكية، لدرجة أن نائب الوزير الأول الصيني السيد وانغ كيشان (Wang Qichan) خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في منتدى اقتصادي صيني-أمريكي (27-29 جويلية 2009) وجّه نصائح للأمريكيين متضمنة ضرورة تحديث اقتصادهم مع سرعة الاقتصاد والصناعة التكنولوجية العالمية تفادياً لمضاعفة الأزمة المالية التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية.
٠٩ ـ الإدارة العلمية بتوظيف واستغلال الكفاءات في مختلف المجالات ورسكلتها دورياً لتساير أحدث التطورات العلمية والتكنولوجية، ما ينقص في العالم العربي وإفريقيا أن الإدارة موجودة والعلم أو الكفاءات موجودة، ولكن الجمع بين الاثنين لا يرقى لمستوى إعطاء دفعة قوية وسريعة للتطور الصناعي والتكنولوجي.
١٠ ـ البحث العلمي بالصين أولوية قصوى في سياسية وبرامج الصين الوطنية. تخصص الصين سنوياً تصل أحيانا إلى 4 % من الميزانية العامة الى  البحث العلمي خلافاً للدول العربية التي لا تتجاوز نسبة 0,25 % من الدخل القومي، مع التباين من دولة عربية إلى أخرى.
١١ ـ التعامل مع الحصار: لم يضيّع الصينيون الوقت كثيرا من أجل مواجهة الحصار الذي عاشه بلدهم لأكثر من 30 سنة (من 1949 إلى نهاية السبعينيات من القرن الماضي). دخول الصين إلى منظمة الأمم المتحدة (1971) واسترجاع مكانتها في مجلس الأمن كان مسارا دبلوماسياً لم يرافقه مسار سياسي واقتصادي إلا بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1978. عملت الصين على اختراق الحصار من خلال الاتصال بالشعوب ودعم حركات التحرير وتكثيف الاتصالات الدبلوماسية مع الدول التي أقامت معها علاقات دبلوماسية وتصرفت على أسس اقتصادية بناءة وإيجابية مع دول عالم الجنوب.
ومن جانب آخر، وهو الأهم أن الصينيين لم ينتظروا رفع الحصار ومساعدة الغرب لتطوير التكنولوجيا والصناعة والقيام بتنمية اقتصادية وصناعية متطورة. الصين أرسلت أقمارا صناعية وأنتجت القنبلة الهيدروجينية والنووية وطورت صناعاتها العسكرية والمدنية حتى أثناء أشد سنوات الحصار في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. الحصار رغم سلبياته فله إيجابيات وخاصة الدفع بالبلاد إلى الاعتماد على النفس في الاقتصاد و الصناعة والتكنولوجيا.
١٢ ـ الانفتاح والتكيف مع العالم: لم تكن الصين في يوم ما منذ انتصار الثورة الصينية منغلقة على نفسها. منذ اليوم الأول من تأسيس جمهورية الصين الشعبية أعلنت الصين استعداداها للتعاون مع كل الدول والصداقة مع كل الشعوب  بغض النظر عن التباين السياسي والإيديولوجي، ولكن العالم الغربي وحلفائه بقيادة الولايات المتحدة هم الذين حاصروها وغلقوا عليها.  
ولهذا من الخطأ اعتبار أن الصين انفتحت على العالم في السبعينيات من القرن الماضي عقب دخولها منظمة الأمم المتحدة واسترجاع مقعدها في مجلس الأمن، الأصح هو أن العالم انفتح على الصين واعتذر لها عن الحصار الذي مارسه ضدها.
أثناء الحصار، كما سبق ذكره، تكيفت الصين مع العالم وأقامت علاقات اقتصادية وتجارية ودبلوماسية مع العالم الاشتراكي وعالم الجنوب وامتد ذلك حتى إلى العالم الغربي بإقامة علاقات سياسية أو حتى دبلوماسية أو علاقات شعبية بما فيها علاقات شعبية مع الشعب الأمريكي قبل تأسيس علاقات دبلوماسية رسمية مع الدولة الأمريكية سنة 1978.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18072

العدد18072

الأحد 13 أكتوير 2019
العدد18071

العدد18071

السبت 12 أكتوير 2019
العدد18070

العدد18070

الجمعة 11 أكتوير 2019
العدد18069

العدد18069

الأربعاء 09 أكتوير 2019