المقال الأسبوعي

النكتة في زمن الأزمات و الكورونا ..

بقلم: محمد بوعزارة

من المعروف أن النكتة أو فن إضحاك الناس أو حتى ما يعرف لدى الكتاب بالأدب الساخر هي من أهم الوسائل التي يقاوم بها الإنسان الأزمات المتعددة التي تحدث في حياته .
و الغريب في الأمر أن فن إضحاك الناس ــ  وهو شيء فطري يحتاجه الإنسان ــ  تكون الحاجة شديدة له خصوصا في أوقات الأزمات من حروب و ظهور أمراض و أوبئة عكس ما يكون عليه الأمر وقت السلم .
 ويرى عالم النفس الشهير سيقموند فرويد أن أهم الوسائل التي يجابه بها الإنسان الأحزان والآلام و الأزمات عموما هي فن الفكاهة و الضحك لتكون بمثابة صمام أمان بل وعملية تحصين تقيه من الصدمات .

 

و قد بينت العديد من الدراسات أهمية الضحك في حياة الإنسان لإبعاد مختلف مظاهر التوتر و القلق عنه ، كما أن هذه الحاجة أي الضحك و النكتة تعمل تقوية النشاط لدى الإنسان، و بينت تلك الدراسات حاجة الكائن البشري للضحك وقت الأزمات خصوصا .
بل إن تلك الدراسات بينت أن هناك علاقة جدلية بين الحريات السياسية باعتبارها إحدى وسائل مقاومة الظلم و التسلط ، و بين النكتة السياسية التي هي واحدة من الأسلحة النفسية التي تستخدم في مقاومة قمع الأنظمة أو تنبيهها إلى بعض السلبيات .
و في تصوري أن النكتة مثلها مثل الكاريكاتور ليست مجرد تعبير سطحي لإضحاك الناس أو جعلهم يتناسون ما يلم بهم من أزمات و أحزان ، لكنها فن راق يختزل كثيرا من المواقف و الآراء السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية والنفسية و الفنية في شكل مختصر .
و قد عرفت في مساري المهني و علاقاتي الإنسانية اثنين من أدباء الجزائر تميزا بأنهما كان من أبرع الناس في إبراز فن الفكاهة و الأدب الساخر بالجزائر .
الأول هو الشاعر المرهف أبو القاسم خمار أطال الله عمره .
فقد اشتهر هذا الشاعر بإطلاق النكتة حتى على نفسه ، و من ذلك أنه كان يكتب صفحة متميزة أثناء توليه مجلة «ألوان»،  و هي واحدة من أرقى المجلات الثقافية التي عرفتها الساحة الثقافية بالجزائر خلال السبعينيات ، كان عنوان تلك الصفحة : «مذكراتُ نسَّاي» ، يصور فيها الكاتب نفسه على أنه نسَّاي ، في حين أن ذاكرة خمار كانت قوية تتذكر أبسط الأشياء التي وقعت منذ فترة.
و أما الأديب الثاني فهو الشاعر الكبير محمد الأخضر السائحي رحمه الله .
 كان هذا الأديب و الشاعر الملهم الذي توفي في 2005 يُقدِّم برنامجا ساخرا يوميا على أمواج القناة الأولى للإذاعة بعنوان «ألوان» .
 و قد ترك السائحي عددا من الدواوين الشعرية و الأعمال الأدبية من بينها ديوان « ألوان بلا تلوين « . .
كان السائحي الكبير كما يوصف بأنه يطلق النكتة حتى على اسمه عندما يقول : إن بعض الأسماء فيها إجحاف ، فكيف يكون اسمي الأخضر و أنا يابس مثل العود ، و كيف يسمى فلان الطاهر و هو لا ينتمي للطهر في شئ ، و كيف يسمى هذا عفيف و هو أبعد ما يكون عن العفاف ، و كيف يسمى الآخر جمال أو جميل و هو قبيح المنظر .
و قد رَوَى لي الصديق الراحل الشاعر المُرهف عمر البرناوي رحمه الله خلال سبعينيات القرن الماضي واحدة من مأثورات الشيخ السائحي رحمه الله .
فقد حدث أن تُوفيت صبيةٌ كانت ما تزال تَحْبُو بعد لأحد أصدقاء البرناوي و الشاعر الكبير الراحل محمد الأخضر السائحي رحمه الله، و الشاعر الكبير محمد أبو القاسم خمار أطال الله عمره .
و بمجرد أن سمع الثلاثة بالخبر حتى قرروا زيارةَ صديقهم لتعزيتهِ في وفاة ابنته الصغيرة.
و في الطريق طلب عمر البرناوي من الشاعر السائحي أن يمتنع عن ترديدِ أية نكتةٍ بحضور الرجلِ المَكْلوم بسبب موتِ ابنته الوحيدة ،و راح السائحي يُطمئنُهم ، و يقول لهم بأن المَقامَ لا يسمحُ بقول النُكت، خاصةً أن والد الصبية كان يحدثهم دوما بأنه يحبها كثيرا ، لأنها كانت تصنع لهم الفرح في البيت العائلي .
و خلال وجود الثلاثة ببيت والد الصبية، سأل الشاعر السائحي والد الصبية عن سبب الوفاة .
و راح الرجل يحكي و الدموع تنهمرُ من عينيه بأنَّ والدته ، أيْ جدةَ الصبية تركت سبحتها فوق مائدة الأكل،  فإذا بالبنت تأخذُ تلك السبحة لتلعب بها،  و بعد أن مزَقت خيط تلك السبحة ابتلعت حبةً منها ، و بقيت تلك الحبَّةُ عالقة ببلعوم الصبية ، مما أدى إلى وفاتها قبل وصولها للمستشفى.
و عندها راح السائحي يقول لوالد البنت :
هل بقيتْ لديكِ حبَّاتٍ من تلك السبحة ؟
فسأله الرجل مستغربا، لماذا ؟
فقال السائحي لوالد  البنت:
 أنا لدي دزينة أطفال أي 12 طفلا، و إنني أريد أن أقوم بنفس التجربة للتغلب على صَخَبهم !! 
و عندها انفجر والد البنت بالضحك من نكتة الشاعر السائحي .
 
 تصور خاطئ ..
 
كان من الشائع عنا نحن الجزائريين لدى بعض إخواننا في المشرق خصوصا أننا متزمتون و أننا نميل إلى العنف بدلا من المرح ،و أن الجزائري لا يعرف النكتة إطلاقا خاصة النكتة السياسية ، بحيث أن بعض المشارقة يعتقدون أن النكتة خاصية مصرية  .
صحيح أن الجزائري مسكون بالروح الثورية و مسكون بالصرامة و الجدية ، و لكنه  مسكون أيضا بالمرح و بالنكتة الجميلة و عدم التهور لما يتعلق الأمر بمستقبل الوطن، و إلا كيف يمكن للإنسان أن يتصور أن حَرَاكًا شعبيا حضاريا عرفته الجزائر طيلة ما يزيد عن عام لم تسل فيه قطرة دم واحدة ، بينما سالت دماء غزيرة و أُزهقت أرواح بشرية لمجرد مظاهرة سلمية في بلدان أخرى تزعم الدفاع عن الديمقراطية و حقوق الإنسان.
و أتذكر بالمناسبة أنه في عام 1983 دعونا مكتب اتحاد الصحفيين العرب إلى الانعقاد في الجزائر.
و خلال مأدبة عشاء أقمناها على شرف الوفد بفندق الأوراسي فتحتُ شخصيا النقاش مع الضيوف العرب صحبة أعضاء أمانة اتحاد الصحفيين الجزائريين التي كانت تضم عددا من الصحفيين من بينهم الصديق محمد عباس و الصديق عبد الحميد شايبي الذي توفي هذه الأيام رحمه الله حوارا حول موضوع النكتة السياسية في الوطن العربي.
و قد فوجئ الصحفيون العرب بمستوى النكتة السياسية في الجزائري التي لم يكن يسلم منها حتى الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله .
و كان من نتيجة ذلك أن أحد المسؤولين الصحفيين في مملكة عربية مشرقية راح يقول لنا بعد أن أبدى إعجابه بمستوى النكتة السياسية في بلادنا :
أنتم فعلا شعب عظيم ليس في الثورة فقط بل في ممارسة السياسة .
ثم توقف ذلك الصحفي ، و كان رئيس تحرير لإحدى أكبر الصحف في بلاده و راح يقول : أكيد أنكم ستبدعون في ميلاد ديمقراطية لا تشبه ديمقراطيات العالم العربي مثلما تبدعون الآن في النكتة السياسية التي كنا نظنكم أبعد الشعوب عنها .
كانت النكتة السياسية في ظل حكم الرئيسين  الراحلين أحمد بن بلة و هواري بومدين رحمهما الله تتحدث عن بعض المظاهر السلبية كندرة بعض المواد الغذائية و التسيير الذاتي ثم الثورة الزراعية ، إضافة إلى التوجه السياسي الاشتراكي الذي قابله أمثال الشيخ  محمد البشير الإبراهيمي بمعارضة شديدة ، إلى حد أن نَظَمَ في عهد الرئيس بن بلة رحمه الله ثلاثة أبيات شعرية يتهكم فيها بالاشتراكية بقوله :
باع أمنًا و هدوًا               و خلالاً أخوية
و غُدُوًا و رواحا             في فِجاجِ الوطنية
و اشترى لفظًا سخيفًا      ختْمُه في اللفظِ كِية
و من بين النكت التي تُروى عن الرئيس الراحل بومدين رحمه الله أنه كان يأمر سائقه الخاص كلما خرج به بواسطة السيارة أن يضع اتجاه غمازة السيارة «clignotant»نحو اليسار قصد إيهام الرأي العام بتوجهه اليساري الاشتراكي، باعتبار أن التوجه اليساري كان حينها يعد حالة ثورية  ، و لكن بمجرد تحرك السيارة فإن الرئيس يأمر سائقه بتحويل اتجاه السيارة نحو اليمين كتعبير عن التوجه الرأسمالي اليميني في السياسة !!
ورغم أن الرئيس بومدين لم يكن معروفا عنه أنه يستمع إلى النكتة كثيرا لجديته و صرامته، إلا أن بعض مَن عرفوه يقولون إنه كان يستمع للنكتة من أقرب أصدقائه خصوصا الشريف بلقاسم رحمه الله.
وفي مصر يقال إن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان يستمع يوميا إلى النكتة السياسية التي قيلت فيه أو في حق نظامه قبل أن يطلع على تقارير المخابرات بخصوص أوضاع بلاده وقبل قراءة ملخصات الصحف.
 وعلى ضوء ذلك فإنه يتخذ بعض القرارات الملائمة ، لأن النكتة ليست فنا للضحك فقط ، بل هي تعبير عما يفكر فيه المواطن .

ازدهار النكتة السياسية بالجزائر ..

و ازدهرت النكتة السياسية في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد خصوصا ، ويقال إن الرئيس رحمه الله كان يطلب حتى من أبنائه و من المقربين منه آخر النكت التي وصلت إليهم سواء عنه أو بخصوص الوضع السياسي و الاجتماعي للبلاد ككل .
و بالرغم من أن فترة تولي الرئيس اليمين زروال  لقيادة البلاد كانت قصيرة و صعبة بسبب الوضع السياسي و الأمني و الاقتصادي و المالي للبلاد،  إلا أن النكتة عموما بما فيها النكتة السياسية لم تغب عن أذهان الناس رغم تلك السنوات القاسية التي كان الشعب يعاني منها خصوصا بسبب الإرهاب.
و عرفت النكتة في عهد الرئيس السابق بوتفليقة ازدهارا كبيرا و تنوعت مضامينها .
ففي بداية عهده كان الرئيس يخطب باستمرار ، و كانت التلفزة العمومية تبث خطاباته و تصريحاته .
و قد تولد عن ذلك أن النكت كثرت عن الرئيس نتيجة ذلك .
و من ذلك أن سيدة قصدت الرئيس بوتفليقة طالبة منه مساعدتها في الحصول على سكن ، فإذا به يقول لها :
 اسمعي يا مخلوقة لو كان عندي أنا شخصيا سكن ما سكنتُ طول الوقت في التلفزيون !! 
و في ظل جائحة كورونا خرجت علينا عشرات،  إن لم أقل مئات النكت و الفديوهات الساخرة .
 من ذلك أن فديو تداولته مواقع التواصل الاجتماعي تحدث عن أن سيدة جاء أحد أحفادها لزيارتها من إحدى المدن التي كانت بؤرة للكورونا، فإذا بتلك العجوز الطاعنة في السن ترفض في بداية الأمر زيارة حفيدها ، ثم راحت عندما فاجأها بالدخول لغرفتها تصرخُ بأعلى صوتها في وجهه، مطالبة إياه بأن لا يقترب منها،  و أن لا يُقبِّلها حتى لا يُصيبها بالعَدْوَى رغم  أنه أفصح لها بأنه أجرى فحصا دقيقا قبل الزيارة !!
و مع ذلك ظلت تصرخ في وجهه ابتعد عني و لا تقترب مني !!
و المعروف كذلك أن معظم مناطق الجزائر تعني بعبارة «الجايْحة» المرأة البلهاء التي تتصف بالغباء و الحُمْق.
 و قد أرسل لي أحد الأصدقاء فديو صوتي ساخر لشخص يدعو فيه الناس إلى عدم التهكم على هذا الوباء و عدم وصفه بـ «الجايْحة» حتى لا تزداد  أحقاد هذه « الجايْحة « عنا و تأخذ منا المزيد من الأرواح والنفوس العزيزة علينا !!
و لذلك فإن النكتة ستبقى واحدة من عناصر المناعة و القوة التي يستخدمها الإنسان لمواجهة الأزمات و الأحزان كما هو الشأن مع هذه الكورونا التي لا يجب أن نعيرها بالجايحة ، بعد أن تغلبت على العقل البشري الموصوف بالذكاء و خطفت منا آلاف النفوس،  و اخترقت الحدود دون تأشيرة ، و عبَرتِ المسافات البعيدة دون أن نتمكن من رؤيتها أو قبض روحها مثلما يحاول الأطباء ذلك .

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18263

العدد18263

الأربعاء 27 ماي 2020
العدد18262

العدد18262

الثلاثاء 26 ماي 2020
العدد18261

العدد18261

الإثنين 25 ماي 2020
العدد18260

العدد18260

الجمعة 22 ماي 2020