مساهمات

الحراك الشعبـــي وملامـــح المستقبــــل

الدكتور محمد العربي ولد خليفة

 يغوص الباحث الدكتور محمد العربي ولد خليفة من خلال هذه الدراسة التحليلية القيمة في أعماق ما أسماه بـ«الحراك الشعبي وملامح المستقبل»، مخصصا في الحلقة الأولى التي تنشر اليوم إلى التوقيت والخصوصية.
ويصف الدكتور محمد العربي ولد خليفة «الحراك» بالصحوة الشعبية واسعة النطاق، وعنوان انطلاقة من صنع جزائري محض في سيرورته وأشكال تنظمه مع الإشارة إلى دور المؤسسة العسكرية الحارس الأمين لكيان الدولة ورموزها السيادية.

إنّ الأنظمة السياسية والتحولات الاجتماعية لا تقبل التصنيف في أنماط نظرية مغلقة تقوم على تأثير عامل واحد يمكن على أساسه وضع رزنامة تحدد البداية والنهاية وهي الخلاصة التي انتهى إليها عالم الرياضيات برتراند راسل (B.Russell) 1872-1970 الحائز على جائزة نوبل في دراسته بعنوان: «الأخلاق والسياسة» التي أنهى بها مساره الأكاديمي الطويل وخصصه للتوازن أو الخلل في مثلث النظام بين الأخلاق والدين والمال، وهي كلّها تدور حول الإنسان الذي يصنع العلاقة بينها ويكون موضوعا لها، ولذلك فليس هناك سوى الرياضيات التي يمكن البرهنة على نتائجها مهما اختلف الزمان والمكان.
وقد وجد الباحث في تاريخ الفكر السياسي ل. ألتوسير Louis Althusser في دراسته بعنوان: المستقبل يدوم طويلا (L’Avenir dure longtemps 2013) في نظرية ميكيافلي (N.Machiavel 1469-1527) التي قدّمها في كتابه الشهير الأمير المخصص لنصائح حول طرق الوصول إلى الحكم والبقاء فيه، وجد أن الارشادات الميكيافلية قد تنجح مؤقتا، ولكنها لا يمكن أن تستمر بدون عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم يحظى بقبول الأغلبية من مختلف الطبقات وتحقيق توازن المصالح بين فئات المجتمع واستقرار مؤسسات الدولة وليس عن طريق الغاية تبرّر الوسيلة.

 استعادة الدولة لمهامها ووظائفها بأخّف الأضرار

مهما كانت الدوافع والمرجعيات السياسية للمشاركين في الحراك والذين ينشطونه من داخله أو على أطرافه، فإن التغيير في هرم السلطة ومحيطها الفاسد والمفسد هو الحلّ الضروري والمستعجل، ولكن بأخف الأضرار على البنية العامة للدولة، وخاصة بعد تزايد الإجراءات العشوائية وغموض مصدرها الحقيقي الذي كانت تسند له كل صغيرة وكبيرة في ساحة سياسية تزداد تعقيدا وتتصارع فيها تنظيمات تطالب بوضع قواعد جديدة للّعبة تسمح بقياس الحضور الحقيقي في الشارع والتخلص من الإجماعية (Unanimisme) باسم واحد قبل 1988 أو بأسماء متعددة في الدفتر العائلي لأسرة واحدة بعد ذلك التاريخ.
لا تهمنا الأسماء والوظائف ودرجات المسؤولية، فذلك شأن القضاء وحكمه المنصف، ولكن من الواضح أنّ الجزائر كانت تتّجه إلى وضعية المومياء المحنطة (Momifiée) في متحف، وتشبه ما جاء في رائعة المرحوم إدير عن وحش «ن الغابة» الذي يُغنى للأطفال، ولم يره أحد في جبال جرجرة وما جاورها.
سمحت هذه الوضعية الشاذة بظهور وكلاء خلف الستار وأمامه وطابور من المتلهفين على الإثراء السريع وامتصاص موارد الدّولة سرّا وعلنا، في غفلة من الحسيب والرقيب، سوى أصوات قليلة كانت تقرع أجراس الإنذار، تمّ خنقها وإبعادها كما يقال عن مجال التغطية، لتكون عبرة لمن لا يغمض عينه أو لا يبيّض الفساد، فقد كانت الجزائر في تلك الفترة على وشك أن تتحول إلى إمارة الموز ومحطة لخزن وتسويق المخدرات.
لقد حامت حول القضاء شبهات كثيرة ندّد بها الحراك، كما كان لكثير من نساء ورجال العدالة صوت لا يخاف في الحق لومة لائم، ومواقف شجاعة سوف تكون موضوع ورشات إصلاح عميق يعيد للعدالة هيبتها ومكانتها في صميم هياكل الدولة، فهي جسر الثقة بين الدولة والشعب وتعطي لاسم الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية مدلولاته وتطبيقاته في الميدان، لدى شعب عرف الكثير من آبائه وأجداده ألاّ عدالة في قانون الاستبداد العنصري المخصّص للأنديجينا، وهم كل الجزائريين ضحايا الفقر والتهميش في المدن والأرياف وحتى في المهجر وراء البحر، خصّصنا له دراسة بعنوان المجتمع الجزائري في مخبر الإيديولوجية الكولونيالية 2004 ENAG و كذلك :
 

 L’empire des Hegienistes vivre aux colonies, fayard.2014 o.lecoux grande maison


تمكّن الحراك خلال سنة من التعبئة بوتيرة متواصلة مرتين في الأسبوع بتأطير من فعاليات مستقلّة وأخرى مهيكلة، ولكن بدون زعامات قيادية تنطق باسم المتظاهرين رسميا، أي بتفويض علني من طرفهم، ومن الممكن تفسير ذلك بالعوامل التالية:
ما بقي في الذاكرة الجماعية عن الزعامة الأحادية التي تتصرف وكأنها المهدي المنتظر، ولها القول الفصل، وما على الآخرين سوى الطاعة العمياء، وهي المآخذ التي أوصلت المرحوم مصالي الحاج إلى العزلة وخسارة ماضي طويل من النضال، يرى بعض المؤرخين أنه جعل من خلال حزب الشعب وحركة الانتصار منصّة للوطنيّة الجزائرية الحديثة ومشتلتها التي ولدت من رحمها جبهة التحرير الوطني والثورة الجزائرية.
إنّ الدافع المشترك الذي كان يجمع المشاركين في الحراك هو المطالبة بالتغيير بالطريقة السلمية، ولكن من المؤطرين أو المنشطين من كان يدعو حتى قبل انطلاق الحراك إلى تأسيس جديد للجمهورية ومنهم من يركّز في مطالبه على مسألة الهويّة اللّغوية والثقافية أو المرجعية الدينية والدعوة لنظام ديموقراطي أو العدالة الاجتماعية وهي تيارات أو تنظيمات متواجدة على الساحة الوطنية منذ عدّة عقود، تتحالف أو تتصارع أو تقترب أو تبتعد عن دوائر السلطة، بحسب هدف كل تيار أو تنظيم وحسب طبيعة المرحلة.
لعلّ هذا ما يفسّر الدعوة السائدة لمسح أو إخلاء الميدان من كل اللاعبين من رئيس الفريق إلى كلّ المتعاونين معه المتورطين في ما ينسب إليهم من أخطاء وخطايا، أما ما بعد ذلك فهو أقرب إلى حساب الاحتمالات إلى غاية نهاية ديسمبر من السنة الماضية التي بدأت في وضع علامات على طريق الغد القريب والبعيد تبشر بجزائر جديدة لا ثانية ولا ثالثة، بل الأقرب إلى مشروعها الأصلي والأصيل بيان الأول من نوفمبر 1954.
أما الأحزاب الأخرى فقد خفت صوتها وبعد مدّة وجيزة من المراهنة وجدت نفسها موضوع سخط من كثير من الأصوات في مختلف تظاهرات الحراك وفقدت قياداتها من الصف الأول ودفعت بسبب مرضها المزمن المتمثّل في عدم تجديد الخطاب والتعويل على رصيدها التاريخي ثمنا باهضا، كما هو حال حزب جبهة التحرير الوطني، بالإضافة إلى عدم الاستفادة من ذخيرته الهائلة من النساء والرجال الأنقياء والأوفياء الذين اكتسبوا التجربة والخبرة في مختلف مواقع المسؤولية، لقد بقي هذا الحزب العريق الذي وصل إلى درجة التقديس عند شرائح واسعة من الشعب، قوّة معنوية تنتظر عودة الروح النوفمبرية وتطهير صفوفه من الانتهازيين والديماغوجيين القشريين الذين ألحقوا به خسائر فادحة، على مرأى من مناضليه وأنصاره الأوفياء والأنقياء.
وأمّا التنظيمات الأخرى القريبة منه فهي تحمل الكثير من جينات الأب مصحوبة بتحيين بحسب مستجدّات الوضعية وبعضها جرفه السيل الحراكي والبعض الآخر يستعدّ للتوبة والغفران وترميم صفوفه، وفي انتظار ما سيسفر عنه المخاض، فإنّ لكل حال مقال، وقد أشّرنا إلى عدد من هذه القضايا في دراسة بعنوان: «رهانات التنمية والديموقراطية في عالم التحوّلات الكبرى 2015».

الديموقراطية لحماية الجمهورية

إن حماية الدولة يعني ترسيخ وحدة شعبها الذي لا يمكن أن يكون كلّ أفراده وجماعاته نسخا متطابقة، فالاختلاف والاعتراض على التدبير والتسيير ظاهرة صحّية، إذا كانت الاجتهادات أشبه بعلامات قانون المرور التي تنبه السائق إلى ما قد يعترض طريقه من منعطفات ومنحدرات خطيرة، وقد تكون أحيانا مثل جرعات الأكسجين المنعش لمن يعيشون في المرتفعات وهواة تسلّق قمم الجبال.
إنّ الديموقراطية مطلب لا مناص منه في أي منظومة سياسية، وهو تمرين على طريق طويل، ولكن ليس له وصفة طبيّة (Ordonnance) موحّدة لكلّ المجتمعات، وليس له نموذج كامل ونهائي يمكن استنساخه وتطبيقه جاهزا وصورة طبق الأصل.
ومهما اختلفت أشكال التعامل مع الاعتراض والانتقاد، فإن وجود معارضة شرعية داخل الوطن وتعبر عن الرأي والموقف داخل مؤسساته أفضل، بل صمامة أمان لأن نشاطها من الخارج يمكن أن يجعلها تحت رحمة «دار الضيافة» ويسهّل من طرف أجهزة في تلك البلدان لصالح أهدافها الخاصة، وحتى مطيّة للضغط والتدخل.
ليس من مهام أيّة مؤسسة وطنيّة أن تحمي الدولة من شعبها، إلا إذا كانت قوّة احتلال أجنبي تستخدم فريقا من العملاء أو المرتزقة الذين تستعملهم كقناع للسيطرة والاستغلال، وهو وضع لا يمكن أن يحدث في بلد حرّره شعبه بتضحيات جسيمة طيلة أجيال، وخاصة أثناء ثورة أول نوفمبر 1954 ويستطيع بفضل تجربته التاريخية وحسّه الوطني الدّائم كشف وعزل المتواطئين مع الأجنبي ضدّ بلادهم ومعاقبتهم إن عاجلا أو عاجلا.
لم تقبل الجزائر أن تكون بيدقا خاضعا لإملاءات قوى عظمى أو متوسطة تفرض عليها سياساتها الداخلية أو مواقفها وعلاقاتها الدولية، وحتى في حالات الأزمة وهي تعبر مضيف العواصف وتتعرض للحصار غير المعلن من المحيط الجهوي والدولي، كان الردّ قويّا وحاسما ورافضا للتدخّل، أو نصرة طرف ضدّ طرف آخر أو الوساطة أياّ كانت صفة أو مكانة الوسيط.
ومن بين شواهد الاعتزاز بكرامة الجزائر وسيادتها رفض الرئيس الأسبق لمين زروال اللّقاء مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك في الأمم المتّحدة بشرط أن يكون اللّقاء خفية، أي بعيدا عن وسائل الإعلام، ولكن مع الأسف في غمرة مضاعفات مأساة التسعينيات لم تحظ هذه الوقفة المشرفة بما تستحقه من تنويه لصالح الجزائر، وإنصافا مستحقا لممثلها في تلك الفترة.
ليس في قارتنا الإفريقية وخارجها من المحيط إلى الخليج أمثلة كثيرة للاعتزاز بالكرامة الوطنيّة واستقلالية القرار السيادي حيث تشرف القوّة الكولونيالية السابقة على مفاصل الدولة وتفرض في أعلا المناصب من يضمن نفوذها ومصالحها، وتكون المواعيد الانتخابية بداية لصراعات دموية غالبا ما يكون الحكم فيها هو من يختاره الأوصياء من وراء البحر والمحيط، وقد خصصت الباحثة أشيل مبومبي A.Mbembé دراسة بعنوان الخروج من الليل الطويل ... إفريقيا تتخلص من الكولونيالية Sortir de la grande nuit ; essai sur l’Afrique décolonisée 2013.
حيث لا يختلف وضع تلك البلدان الآن عما كانت عليه أثناء عهد الكولونيالية المباشرة، إلا في بعض الطقوس البروتوكولية، ولا تظهر في الأفق ملامح باتريس لومومبا آخر، وقد لا تتكرر في المستقبل المنظور.
قد لا يسمح القرب الزماني والمكاني من السّيل الجارف الذي عمّ الجزائر حتى نهاية 2019، بتشخيص موضوعي ونزيه، أي لا يبرئ ولا يتّهم لحسابات منفعيّة وشخصية، ولذلك فإنّ الشهادات وتقارير الإعلام بكلّ وسائطه هي مادّة خام لا غنى عنها، ولكنّها تبقى أحد المصادر المكمّلة للتعرف على الأحداث في صورتها المحيّنة، أحيانا بالصورة والصوت والمنشور فيها أو المسجّل من الآراء والعرائض، وما يصاحبها من نشاط في الفضاء الرقمي الذي تزايد بدرجة ملحوظة وخاصة في تلك الفترة.
من النّادر، بل من المستحيل على أيّ شخص يحمل صفة مواطن، وفي أي موقع كان أن يدعي اللاّمبالاة أو الحياد، غير أنّ هناك من يلجأ إلى التأجيل في انتظار اتجاه الريح، ولمن ترجّح الكفّة، الحقيقة أن مسيرة الحراك كانت تقترب من شوطها الأخير أو خط الوصول إلى هدفها الأول، وهو أن تكون العهدة الرابعة هي الأخيرة، ساعد على ذلك عوامل من داخل الحراك ومن خارجه نشير إلى بعضها في النقاط التالية:
سلميّة الحراك والتعاطف الشعبي الواسع مع مطلبه الأول وهو ضرورة التغيير والخروج من عنق الزجاجة في أقرب وقت ممكن.
رفض يقترب من الإجماع لشلّ الحياة اليومية للمواطنين الذي طالبت به أقليّة لم تجد صدى لدعوتها، فليس من الذكاء السياسي معاقبة عشرات الملايين من أبناء الشعب لإبعاد شخص أو جماعة، أو تعجيز الدولة وإضعافها لإلزامها بالتنازل والانسحاب الجماعي من كلّ المواقع.
اختيار المؤسسة العسكرية المرافقة عن بعد والاكتفاء بالحرص على حماية الدولة وبنائها الجمهوري الذي يتطلّب تدعيم قواعده، وليس هدم أركانه أو توزيعها على فرقاء، وكأنها تركة مجهولة بين ورثة يريد كل طرف أن يختطف جزءا منها أو كلّها، مما قد ينتهي بضياعها وخسارة الجميع.
وعلى الرغم ممـّا يوصف به خطاب المؤسّسة العسكريّة من حزم وعزم  فلم يظهر في شوارع العاصمة والمدن الأخرى قوافل من الدبابات والمصفحات والضباط والجنود المدجّجين بالسلاح وهو فرجة (Show) تتكرّر في قارتنا وفي أمريكا اللاّتينية في حالات الصراع السياسي والنزاعات الإثنيّة التي يحرّكها ويستفيد منها ما يسمّيه ن. فان دام  N.Van   دراسته بعنوان: تحطيم الأمّة 2017 Destroying Nation الانسان الأقوى (Big Men) في العالم الأوسع (Mac World) أي بلا حدود ولا قيود على ما يفعله في البرّ والبحر والجوّ.
عندما يصل الاحتجاج إلى درجة اللاعودة واستحالة بقاء الوضع على حالته السابقة، فإنّه لا فائدة من التأجيل ولا مفرّ من الحسم وقد حدث ذلك بطريقة حضارية وفق الإجراءات المعتمدة في صورة استقالة طوعية لا تتجاوز اللّياقة والعادات المرعيّة في ثقافتنا التقليدية.
هل كان بالإمكان تقصير مدّة الحراك؟ وهو على أي حال كما يقول منشّطوه في حالة كمون، بسبب التهديد الخطير من وباء فيروس كوفيد 19 لكلّ الجزائريين، يرجع الجواب على هذا السؤال إلى تقدير الموقف وترجيح الحلّ الأقلّ ضررا وهو الانسحاب بأقلّ قدر ممكن من الأضرار.
كلّما قصرت المدّة للاستجابة للاحتجاج الشعبي وخاصة إذا كانت أسبابه ومدى انتشاره غير قابلة للتحكّم والإفشال، وقد عبّر عن هذه الحالة السياسي الفرنسي ل.كامبطا 1877 L.Gambetta في تعليق على أحداث كومون باريس خلال الثورة الفرنسية بمقولته الشهيرة: «عندما يجهر «الشعب» بصوته فليس هناك سوى خياران: إمّا الخضوع وإمّا التنحي» Quand le peuple se prononcera il faudra se soumettre ou se démettre.
«يتبـع»

الحلقة الثانية

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18329

العدد18329

الجمعة 14 أوث 2020
العدد18328

العدد18328

الأربعاء 12 أوث 2020
العدد18327

العدد18327

الثلاثاء 11 أوث 2020
العدد18326

العدد18326

الإثنين 10 أوث 2020