تداعيات سقوط نظام معمر القذافي على الأمن القومي الجزائري

د : نور الهدى بن بتقة / الباحث : نورالدين لعراجي

 في نهاية سنة 2010 وبداية 2011 حدثت تغيرات سياسية مست المنطقة العربية في إطار ما يعرف (بثورات الربيع العربي)، التي أسقطت أنظمة عديدة بدءا بتونس، مصر وليبيا مع استمرار المخاض في سوريا لحد الآن... ليبقى التساؤل حول ما إذا كان سقوط الأنظمة قد حقق المنشود من هذه (الثورات).
   بتتبع مسار الأحداث في مختلف ربوع المنطقة العربية عامة، والمغاربية خاصة يظهر جليا أن سقوط الأنظمة كانت بداية لدخول هذه البلدان في موجة من العنف، الفوضى واللااستقرار، الأمر الذي أضعف دور مؤسسات الدولة وجعلت دولا أخرى تعرف نوع الدولة الفاشلة نظرا لغياب دولة المؤسسات في عهد النظام قبل سقوطه، وهذا حال ليبيا بعد انهيار نظام معمر القذافي بعد انتفاضة 17 فبراير 2011. 

 

    باعتبار أن ليبيا موضوع المداخلة، في إطار اليوم الدراسي “ الجزائر والتحولات الجيوسياسية في المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي بعد 2011”، سيتم التركيز على تداعيات سقوط نظام  معمر القذافي على الأمن القومي الجزائري. ومنه:
هل يمكن الحديث عن أمن قومي(دولاتي) في ظل بيئة اقليمية تتميز بالنزاعات الداخلية حول السلطة والتنافسية الدولية على الموقع والمورد؟
وتتفرع من المشكلة البحثية مجموعة من الأسئلة الفرعية بغية تفكيكها وتبسيطها، وهي كالتالي:
1/ ماهي أسس العقيدة الأمنية الجزائرية؟
2/ ماهي افرازات سقوط نظام القذافي على الأمن الاقليمي وعلى الأمن القومي الجزائري؟
3/ كيف أثرت الأوضاع الليبية المتدهورة أمنيا وسياسيا على الأمن القومي الجزائري؟
يمكن طرح الفرضيات التالية:
1/ الأمن القومي لكل دولة مرتبط ارتباطا وثيقا بالأمن الاقليمي والدولي.
2/ احتكام العلاقات الدولية لمنطق المصلحة والغاية تبرر الوسيلة كرس مفهوم التنافسية السلبية المفضية للنزاعات الاقليمية والدولية.
3/ غياب التنسيق الأمني والتوافق السياسي الاقليمي بين دول المغرب العربي عزز من التدخلات الأجنبية وتهافت القوى الغربية على المنطقة.
  للإجابة على المشكلة البحثية نتطرق للمحاور التالية:
1/ العقيدة الأمنية الجزائرية: العوامل والمبادئ
أولا: المرجعية النظرية لمفهوم الأمن: الأبعاد والمستويات
   قبل الحديث عن العقيدة الأمنية الجزائرية، نعرج على مفهوم الأمن وأبعاده المختلفة، لتوضيح أن الأمن القومي لبلد ما لا يتحقق إلا بتحقق أبعاد الأمن المختلفة.
  إن مفهوم الأمن كغيره من مفاهيم العلاقات الدولية،  تتميز بالخلاف ما بين المنظرين حول معناها نظرا لغياب الإجماع بينهم إلا أنه يمكن القول أن  تعريف باري بوزان للأمن هو أكثر التعاريف المتداولة في الأدبيات الأمنية باعتباره أحد أبرز المختصين في الدراسات الأمنية، حيث يعرفه على أنه: “العمل على التحرر من التهديد” وفي السياق الدولي،  هو:« قدرة الدول والمجتمعات في الحفاظ على كيانها المستقل وتماسكها الوظيفي ضد قوى التغيير التي تعتبرها معادية” ويضيف “أن الأمن في ظل الفوضوية يمكن أن يكون نسبيا فقط”.
     من جهته يعتبر ميكائيل ديلون، أن الأمن لا يعني فقط وسيلة للتحرر من الخطر، وإنما أيضا وسيلة لإرغامه وجعله محدودا، بمعنى أن الأمن يتحقق فقط لما نتحرر من الخوف من التهديد (عامل نفسي) ولما نحد منها فعلا (من خلال الاستعداد لاحتواء التهديدات المختلفة).
    ومن بين النظريات التي اهتمت بالأمن، النظرية الواقعية، التي ارتكزت أساسا في افتراضاتها على الدولة كفاعل أساسي في العلاقات الدولية، التي تستخدم القوة لتحقيق مصالحها المختلفة والمصلحة هي محرك أساسي لسلوكاتها الخارجية. وفي موضوع الأمن ارتكزت على مفهوم أمن الدولة أي الأمن القومي   (الحفاظ على المصالح العليا للدولة)، حيث تعتبر القوة العسكرية الوسيلة الفعالة في مواجهة التحديات الخارجية.
     نظرا للتطورات التي حدثت بعد الحرب الباردة، قدمت مدرسة كوبنهاغن للسلام، بزعامة باري بوزان، تعريفا موسعا للأمن، الذي يتضمن مستويات  تحليل عدة، بدءا بالفرد، الدولة فالنظام الدولي وتتضمن أيضا عدة قطاعات بدءا بالقطاع العسكري، السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي وحتى البيئي. نظرا لأن التهديدات الجديدة لم تعد تقتصر على الجانب العسكري الموجه من دولة وجيش نظامي إلى دولة وجيش نظامي آخر، بل هناك تهديدات غير عسكرية، مثل الفقر، الهجرة، التخلف... ومهددين غير الدولة كالجماعات الإرهابية.
   أبعاد الأمن:
1/ البعد السياسي: مرتبط بشقين: داخلي متعلق بتماسك الجبهة الداخلية والوحدة الوطنية، خارجي حماية سيادة وأرض الدولة ومواردها من التدخلات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة.
2/ البعد الاقتصادي: توفير حاجيات الشعب وتحقيق تنمية مستدامة تحقق له سبل التقدم والرفاهية، فالنمو الاقتصادي والتقدم التكنولوجي أحد السبل لتحقيق المصالح الامنية للدول.
3/ البعد الاجتماعي: متعلق بتوفير الأمن للمواطنين بما ينمي شعورهم بالانتماء والولاء، وهذا عبر الحرص على تطبيق العدالة الاجتماعية بما يزيد اللحمة ويعزز الوحدة الوطنية بالتفافهم حول قيادتهم السياسية.
4/ البعد العسكري: المرتبط أساس ببناء قوة عسكرية قادرة على حماية الدولة من العدوان في محيطها الاقليمي والدولي.
5/ البعد الثقافي: يقوم على تأمين الفكر والقيم والمعتقدات من الخروقات القيمية الخارجية، وهذا البعد يعزز مصادر قوة الدولة في كافة المجالات بما يسمح بمواجهة التهديدات الخارجية والرهانات الداخلية، فلا يكفي تحقيق الأبعاد السابقة لوحدها، فهي تمثل جزء لا يتجزأ من الكل،  فأمن الفرد مرتبط ببعده  السياسي، العسكري، الاقتصادي، الاجتماعي والثقافي.  
   دون اغفال الحديث عن الأمن السبراني باعتبار أن الفضاء التكنولوجي أصبح فضاءا يفرز بدوره مجموعة من التحديات الأمنية كالفضاءات الكلاسيكية من المجال – بر، بحر وجو- والمجال الفضائي في إطار التنافس الدؤوب بين القوى العالمية، وهذا ما يعني أن الأمن بمفهومه الجديد – الأمن الموسع- أصبح يعرف تطورات جديدة حيث تضاف إليه القطاع التكنولوجي بما يضم من وسائل اعلام واتصال، حيث يعتبر هذا القطاع أحد الرهانات السياسية التي تواجه الدول إلى جانب القطاعات الأمنية الأخرى، ومنه تحقيق الأمن كمفهوم شامل يضم كل هذه القطاعات يتطلب تبني استراتيجية شاملة للحد من الاثار السلبية التي تفرزها البيئتين الإقليمية والدولية.    
    إن بروز التهديدات العابرة للحدود سمحت بتراجع مفهوم الأمن الكلاسيكي، المرتكز على الدولة كمستوى تحليل، ليدخل مأمورية أدبيات العلوم السياسية مفهوم الأمن الإنساني، الذي سمح ببروز مستوى جديد من مستويات الأمن ممثلا في مستوى الفرد أو أمن الفرد وعموما للأمن مجموعة مستويات هي:
1/المستوى الوطني للأمن: تأمينها من الأخطار الخارجية أو الداخلية، وهو ما يعبـر عنه بالأمن الوطني     أو القومي ويعنى بالأساس تأمين السيادة الوطنية. بمعنى أن هذا المستوى يشير إلى قدرة  الدولة على حماية حدودها السياسية ومدى سيطرة السلطة السياسيـــــة على تفاعل الوحدات في البيئة الداخلية، وأيضا قدرة السلطة السياسية على التعامل مع مختلف العوامل الآتية من البيئة الخارجيـــة ذات الأثر على البيئة الداخلية سواء أثرت مباشرة على الأمن الوطني كالتهديد الصريح أو الاستعدادات العسكرية ذات النزعة الهجومية، أو أثرت بصفة غير مباشرة كقضايا الهجرة غير الشرعية وتلوث البيئة والاحتباس الحراري..
2/المستوى الإقليمي للأمن: وهو اتفاق بين مجموعة دول في إطار إقليم واحد على التخطيط لمواجهة التهديدات التي تواجهها داخليا أو خارجيا. حيث يرتبط هذا المستوى بالنظام الإقليمي الذي يعني مجموعة التفاعلات التي تتم في رقعة جغرافية محدودة، تشغلها مجموعة من الدول المتجانسة، تجمع بينها مجموعة من المصالح، ويفترض هذا المستوى وجـــــود اتفاق قومي على مصادر التهديد وإستراتيجية مواجهته. وهذا في إطــار تفاعلي أي افتراض وجود انسجام الأمن الوطني للدولــة مع أمن دول الجوار، ولذلك تدخل هاتـه الدول في اتفاقيات وتحالفات تضمن أمنها الوطني والإقليمي من مصادر التهديد المشتركة. كما يمكن هــــــــنا الإشارة إلى مفهوم مجتمعات الأمن* والتي وضعها كارل دويتش .
3/المستوى الدولي للأمن: وهو الذي تتولاه المنظمات الدولية سواء منها الجمعية العامة للأمم المتحدة       أو مجلس الأمن الدولي، ودورهما الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، أو ما يعرف بالأمن الجماعي Collective Security بالرغم من اختلافه النظري مع مفهوم الأمن الدولي. إلا انه يعتبر شكلا من أشكال الأمن الجماعي، حيث يعتبر كل منChales and Kupchan أن الانسجام بين الدول يشجع على الحفاظ على الاستقرار وكذا يشترط هـــــــذا الانسجام عمل الجميع  لوقف العدوان ، وهذا ما يعزز الأمن الدولي وإلغاء مبدأ حتمية الحرب ، وهذا ما جاء في ميثاق عصبة ثم هيئة الأمم.
4/ المستوى الفردي للأمن: تأمين الفرد من أية أخطار تهدد حياته، ممتلكاته، عائلته أو أسرتـــه  والعمل على تحقيق الرفاه له7 ويأتي في إطار مفهوم الأمن الإنساني، الذي طرح في فترة ما بعد الحرب الباردة في سياق الجدل الدائر حول طبيعة مفهوم الأمن ومدى صلاحيتــه بالمفهوم التقليدي على أرض الواقع . إن الأمن الإنساني يرتكز على الفرد لا الدولة كوحـــدة التحليل الأساسية، كونه يقوم على صون الكرامة البشرية، وتلبية احتياجات الإنسان المعنوية قبــــــل المادية من خلال سياسات تنموية رشيدة بعيدا عن اللجوء إلى القوة والعنف. بمعنى، على أي سياسة أمنية أن تجعل من الفرد أساس مقترحاتها مع جعلها تخدمه مما يكسبها رضاه. وعــــلى حد تعبير وزير الخارجية الكندي Lioyod Axworthy فإن معادلة الأمن الإنساني تقوم على:« أمن الإنسان فوق أمن الدولة “8. ولأول مرة من خلال برنامج الأمم المتحدة للتنمية في التقرير الصادر عام 1994 ، طرح المفهوم كأحد أولويات الأجندة الأمنية في القرن الواحد والعشرون. ولقد أثار الرئيس السابــــق للبرنامج الباكستاني  الدكتور محبوب الحق رفقة الهندي أمرتيان سان المفهوم، وحددا مكوناته في ما يلي:« الأمن من الخوف (درء شروط القهر والقمع والخوف، وكل الشروط الموضوعية التي تجعل حياة الإنسان مليئة بالمخاطر والتهديدات السياسية والاجتماعية، القانونية والماديـة) والأمن من الحاجة (خلق شروط كرامة الإنسان بتوفير العمل والتعلم، تمكن الإنسان من حرية المعتقد وحرية التعبير على المستويات الدينية، الثقافية والفكرية واللغوية . بالإضافة إلى توفير كل الشروط التي تمكن الإنسان من حياة الرفاه والاستقرار.
    منه فتحقيق الأمن يتم عبر مقاربة شاملة بأبعادها السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، العسكرية وكذا التكنولوجية، وأيضا بمستوياتها الثلاث المتمثلة في مستوى أمن الفرد والمجتمع، أمن الدولة، أمن النظام الدولي، باعتبار أن غياب أو تراجع مستوى أو بعد يخل بالأمن والسلام الدوليين.

للموضوع مراجع

        الحلـقــــة1

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018