الفايسبوك

تكنولوجيـا أفقدت الحكاية الشعبيـة دورها التربـوي

ف/كلـواز
 كيف يمكن للحكاية الشعبية أن تكون وسيلة تربوية وتوعوية يستعملها الآباء من أجل غرس القيم والأخلاق النبيلة في نفوس أبنائهم؟
سؤال لا ينتبه إليه الكثير من الأولياء، فبعدما تعوّدنا في الماضي على شخصيات خرافية كانت أبطال الحكايات التي كان الجد يرويها لنا أصبح اليوم القليل من أطفالنا يتعرف إلى كلمة ''حاجيني يا جدي حاجيني''. الحكاية الشعبية كانت بطلة السهرات الليلية التي كانت تجمع الأجداد بأحفادهم، ينقل من خلالها الجد إليهم كل ما تعلّمه في هذه الحياة، فتكون بذلك الحكاية خلاصة تجربة يمتزج حاضرها بماضيها وماضيها بمستقبلها.الحكاية الشعبية وصراع الخير والشر ''أحمد'' في العقد السابع من عمره، اقتربنا منه وسألناه عن الحكاية ومكانتها وسط الثقافة الشعبية التي يمدها إلى أحفاده، فقال: ''فيما مضى كانت الحكاية الشعبية أجمل تجربة يخوضها الواحد منا ونحن أطفال، فكانت مزيج من الخيال والحقيقة ولكن تصنع في أحداثها تفاصيل الحياة بل كان الأجداد يعطي الأطفال دروسا سهلة يتمكّن الطفل من خلالها مبادئ وأخلاق وهوية تعبر عن واقعه.
أما اليوم ورغم أنّني جدّ إلاّ أنّي لا أتمكّن من إيجاد الوقت لإعطاء أحفادي هذا الموروث الشعبي لأنّهم وببساطة هم جيل يختلف عنا كثيرا لأنّهم اليوم مرتبطون بتكنولوجيات جديدة جعلتهم يتناولون أكلهم أمام شاشة الكمبيوتر، الذي أصبح إلى جانب السجائر والمخدرات يعرف حالات إدمان من كل أفراد العائلة، فالكل ملتصق بحاسوبه يتحدث مع أصدقاء عبر الأنترنيت.
لذلك الحكاية الشعبية عندنا لم يعد لها وجود لأنّها فقدت معناها وسط التطورات المتسارعة التي غيّرت كل المعاني والمفاهيم في المجتمع والأسرة معا''.
''مروان''، شاب في عقده الثالث يقول عن الحكاية الشعبية: ''هي موروث شعبي يعبّر عن الجذور العميقة للتاريخ الذي يميز هذه الأمة، بل هو تمازج متجانس ومتناسق لأحداث تشكل في عمومها صراع للخير والشر، والذي يسعى من خلاله الراوي إلى تبيان الخصال والصفات الحميدة التي ينتصر من خلالها دائما الخير على الشر.
هذه الخيرية كان الأجداد فيما مضى يغرسها في أحفادهم أو الآباء في نفوس الأبناء باتباعهم منهج بسيط هي الحكاية الشعبية التي كانت وسيلة تربوية ممتازة لتصدير المعاني الأخلاق إلى الطفل.
ولكن اليوم أصبحت كوجود تقريبا تكاد تفقد معناها ودورها الذي كانت تلعبه من قبل، ولعل انتشار الفايسبرك و''الشات'' جعلتها تتأرجح إلى الوراء وأصبحت مجرد مورورث شعبي يسكن الكتب والمكتبات.
فالعلاقات عرفت الكثير من التغيرات التي أحدثت ثورة حقيقية في المفاهيم الاجتماعية والروابط الاجتماعية، وأصبح كل شيء مرتبط بالحاسوب والتكنولوجيا التي أفقدت كل العلاقات معناها الحقيقي، ليس فقط الحكاية الشعبية التي أصبحت ''ماركة جدي كما يقولون''. تواصل بين الأجيال ''كمال''، أربعون سنة، معلّم في إحدى المدارس الابتدائية في القبة، سألناه عن الحكاية الحكاية الشعبية فقال: ''هي وسيلة مجدية في التربية، بل نعتمد على صيغة السرد والقصة في بعض المناهج التربو ية، خاصة في الطور الأول لأن الطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى شد انتباهه بتلك الأحداث التي يتحكم بها أبطال يمثلون للطفل الخير والشر، بل يصبح البطل المثل الأول الذي يحتذى به.
ولكن الحكاية الشعبية التي تعد البعض من هويتنا لأنّها تلخص في أحداثها تاريخ أمة تمتد جذورها في أعماق التاريخ فقدت مكانتها وسط الأسر الجزائرية التي تسارعت أيامها وكثرت مشاغلها، وأصبح المنزل لكثير منا مجرد مرقد فقط.
حتى العائلة تقلّص حجمها وأصبحت عائلة تتكون غالبا من الأب والأم والأبناء، ونحن نعلم أنّ الحكاية غالبا ما كان الجد أو الجدة راويها الرئيسي، فكانت الحكاية بذلك تتعدى مجرد قصة يسرد أحداثها الجد على أحفاده، بل تعدّت إلى خلق علاقة تواصل وتحاور بين جيلين يتواصلان من خلال الحكاية الشعبية، حتى أنّنا كثيرا ما كنّا نردد عبارة ''حاجيني يا جدّي حاجيني''، ولكن فقد هذا الموروث الشعبي سحره وبريقه وعوض بتكنولوجيا الأرقام التي أسرت الكبير والصغير، وأصبح عالم كل واحد منا مرهون بشاشة صغيرة تكاد تجمع عائلتنا وأصدقاءنا ومعارفنا كلها، لذلك أصبح بما يشبه المستحيل وجود مكان للحكاية الشعبية وسط أبنائنا لأن الأسرة عندنا أصلا فقدت ألف ولام تعريفها''.
ولن يكون رأي ''مليكة'' مختلفا عنهم خاصة وأنها أم لأربعة أبناء، وكانت سابقا أستاذة في إحدى ثانويات العاصمة تقول: ''الحكاية الشعبية كانت وسيلة تعلم الطفل الأخلاق النبيلة من خلال شخصيات وهمية تستمد تعريفها من مجتمعنا وتاريخه، لذلك يمكن اعتبارها ذاكرة المجتمع التي تلخص التجارب الانسانية لأجدادنا عبر التاريخ.
وكانت مهمة الراوي في السابق ملقاة على الجد الذي كان يجمع أحفاده حوله ويروي لهم قصة تمزج الماضي بالحاضر، وكان الأحفاد يستمعون بانتباه كبير خاصة وأن الجد له طريقته العجيبة في سرد أحداث الخكاية لينتهي الأمر بنوم البعض وطلب لبعض الأخر من الأحفاد لقصة جديدة يكون فيها دائما الخير المنتصر الوحيد في صراعه مع الشر.
ولن يكون الأمر مقتصرا على الجزائر فقط، فكل الأمم تعبر عن ذاتها وتاريخها الشعبي بحكايات تعكس حقبا مهمة من تارخ الأمة وسواء كانت الدول مسلمة أو لا لن نستثني في ذلك أي دولة، فحتى الرسومات التي رسمها الرجل البدائي في الطاسيلي هي حكاية تروي الواقع المعاش في تلك الحقبة التاريخية من ماضي الانسان.
ولعل كتاب المقفع ''كليلة ودمنة'' يعكس أهمية الحكاية عبر التاريخ التي كانت دائما من أهم الوسائل التربوية لغرس مبادئ الخير في شخصية الطفل حتى يكون رجلا صالحا في المستقبل.
ومن المؤسف أن المجتمع بدأ في نسيان هذا الموروث الشعبي، وأصبح يمثل له مجرد عناوين ومقالات كتبت هنا وهناك، وأصبح ''الفايسبوك'' البديل الرقمي للحكاية الشعبية.
ويا ليت لو يستطيع المجتمع استعادة مكانة الحكاية لأنها كانت أكبر من مجرد قصة لأنّها كانت تصنع بكل ما يحيط بها من ظروف مجتمعا أجياله تعيش في تواصل كامل ينقل معارفه في سلاسة وقبول لم نستطع صنعه في أيامنا بل صرنا نتحدث عن صراع الأجيال''.''لونجة''...السحر الذي فقد رونقهالحكاية الشعبية إذا فقدت دورها التاريخي في تربية الجيل الأول للجيل الثالث، ولعل التطور التكنولوجي الذي عرفته الانسانية على المستوى العالمي جعلها تسكن رفوف الذاكرة سواء كانت حية أو منقولة.
ولكن تبقى أحد العوامل التي أنتجت هذا المجتمع عبر المراحل التاريخية التي مرّ بها في قصص امتزج فيها الواقع بالخيال من الخرافة إلى الأسطورة إلى تفاصيل دقيقة تختلف باختلاف راويها، ولعل أهم شخصية في كل الروايات الشعبية شخصية ڤلونجاڤ التي أسرت السامع بجمالها، الذي تصفه القصة بأنه فاق الخيال والتصور،
ولكن هذه الشخصية فقدت رونقها مع كل الأبطال الالكترونية التي تصنع في الحاسوب نوع آخر وجديد من الحروب العالمية، ما أدّى إلى تحول التواصل في المجتمع من الأفراد إلى فرد وجهاز موصول بالشبكة العنكبوتية، وإن كان الجد في السابق يحرص على سرد القصص التي توجّه وتربّي الأحفاد، فالجهار الساحر والأسر يترك لك حرية الاختيار ولن يجادل إن كان سيئا أو جيدا.
 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17754

العدد 17754

الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018