أماكن عمومية لتفريغ المكبوتات

«أسرار البيوت» تتداولها الألسنة بالحافلات والأسواق

فتيحة/ك

 

ركبت الترامواي كعادتي متوجهة إلى مقر عملي، جلست في القاطرة الأولى إلى جانبي سيدة مسنة الظاهر عليها أنها متعبة، وبعد مرور لحظات قليلة بدأت في الحديث مع أحد الركاب تشتكي حالها و كيف دار الزمان دورته وجعلها في حاجة إلى من يساعدها من الأقارب الذين تنكروا لجميل زوجها المتوفي معهم وأذاقوها الأمرين.... هذا الموقف جعلني أتساءل عن السبب الذي يجعل الشخص ينشر أسرار حياته وعائلته في الأماكن التي تعرف تجمعا للأفراد كوسائل النقل و قاعة الانتظار في العيادات و المصالح الخاصة....

سألت «الشعب» المواطنين عما يقف وراء هذه الظاهرة التي أصبحت منتشرة في الكثير من الأماكن العمومية والخاصة....
أسرار تكشف في العلن
كميليا سيد، 40 سنة موظفة في إحدى المؤسسات الخاصة قالت عن الموضوع:» في كثير من الأحيان يسمع الواحد منا تفاصيل قصة حقيقية يرويها شخص ما في الحافلة، تسمع تفاصيلها بدقة متناهية تجعلك تتساءل عن السبب الذي يقف وراء هذا الإفصاح غير المفهوم عن أسرار عائلة بأكملها، دون خوف من انتشارها أو أن يكون أحد أفرادها يركب نفس وسيلة النقل، فكلنا يعلم أن «البيوت أسرار» وهي كالصندوق الأسود لا يعرف ما يحتويه من معلومات في أي وقت كان، ولا يجوز كشفها دون سبب فقط من أجل كسب عطف المستمعين وتعاطفهم، رغم أن المتحدث يعلم جيدا أن الراكب بمجرد وصوله إلى المحطة المتوجه إليها سينسى كل ما سمعه أو على الأقل سيذكرها أو سيعيد سردها على أصدقائه».
و أضافت كميليا قائلة:» أتذكر في إحدى المرات رجلا مسنا ركب الحافلة التي كنت فيها من محطة «الكالفار» بالقبة، ترك له أحد الشباب مكانه فجلس بكل احترام شاكرا إياه على نبله وأخلاقه ولكن بعد أن أتم بضعة دعوات للشاب بدأ في مقارنته بأبنائه الذين رفضوا بقاءه معهم في المنزل بعد أن أسس كل واحد منهم أسرته وحياته الخاصة، اتهمهم بتزوير توقيعه على عقد الوكالة الذي استغلوه لبيع البيت المتواجد بنفس الحي، لم يترك أي خلق ذميم لم يصفهم به، اتهمهم بمحاولة إرغامه بكل ما أوتوا من قوة على دخول دار المسنين بباب الزوار.... في لحظة صرخ وقال إنهم ضربوه و تركوه جائعا و حرموه ماله فقط ليجبروه على الخروج طواعية من حياتهم».
و استدركت قائلة:» خلقت كلماته وتفاصيل حياته جوا من الحزن في الحافلة، بل وصل الحال ببعض الركاب بأن عرضوا عليه المساعدة، ولكن فجأة وفي لحظة فارقة انقلبت تقاسيم وجهه و طلب من الشخص الذي عرض عليه المساعدة عدم التدخل في حياته الخاصة وأنه غير معني بما قاله، وأنه أحسن تربية أبنائه وهم يحاولون إرضاءه بكل الطرق، هذا التناقض جعلني أعيش مشاعر مختلطة جعلتني أتأكد أنه مختل عقليا وأن أبناءه ظلموه عندما تركوه في الشارع بمفرده».
هروب من الواقع
جمال بوقاوس، 35 سنة عون استقبال بإحدى العيادات الخاصة بالجزائر العاصمة، سألناه عن الموضوع فأجاب:» بحكم عملي في الاستقبال أسمع الكثير من الحكايات التي يرويها أصحابها بألم و حرقة تجعل البعض يذرفون الدموع حزنا، هناك بعض الأشخاص يفضلون الإفصاح عن مكنونات قلوبهم وسط جمع من الناس، كنت في بداية عملي في العيادة أظنها حيلة يستعملها البعض لربح المال كما يفعل المتسولون في الشوارع، ولكن مع مرور الوقت والسنوات أدركت أنهم يبحثون عن شيئ  آخر هو معنوي بعيد تماما عن المادي، فكثيرا ما تراهم يكتفون بنظرات الحزن و الألم التي يرونها على وجه من يسمعهم، يغتبطون بكلمات المؤازرة التي يتفنن البعض في إلقائها للتخفيف عنهم».
و لاحظ جمال قائلا:» في بعض الأحيان تجد الشخص يروي كل تفاصيل حياته متهما أحد أفراد العائلة بالتقصير في واجباته نحوه، ولكن عندما يأتي ذلك الفرد تنقلب قصته و يصبح عكس ما صوره تماما، و تصبح دموع الحزن دموع فرح برؤيته، هذا التلاعب بمشاعر الناس جعلني لا أتاثر بتلك الحكايات التي يرويها البعض خاصة المسنون في الأماكن العمومية لأنها غالبا ما تكون منسوجة بكثير من الأكاذيب، لأنني لا أرى الجدوى من وراء فضح العائلة التي يعيش وسطها».
الثقة...الحلقة المفقودة
كريمة بن والي، 50 سنة:» أرى أن السبب الذي يقف وراء تفضيل هؤلاء كشف أسرار حياتهم العائلية في الأماكن العمومية هو غياب سند معنوي يثقون فيه في محيطهم الأسري فغياب الروابط القوية و التلاحم بين أفراد العائلة الواحدة، يجعل من مكنونات النفس عبئا ثقيلا لا يمكن التكلم داخل جدران المنزل رغم أنه السلوك السليم و الأصح، لذلك تجد هؤلاء الأشخاص يفضلون الذهاب إلى أماكن لا يعرفهم فيها أحد للحديث عن شعورهم اتجاه أسرتهم، و رفضهم لبعض السلوكيات التي يقومون بها اتجاهه، هذا الرفض المكبوت يصرح به لأشخاص يدرك جيدا أنهم حياديون لا يعرفون أحدا من أبطال القصة التي يرويها، ولكن ينسى أن وجود أحد معارفه بين الجموع المستمعة إليه سيضعه في موقف محرج، و باقي أفراد العائلة».
ولاحظت كريمة قائلة:» الملاحظ أن أغلب الحالات التي نلاحظها تفشي أسرارها تنتمي إلى فئة المسنين وربما نمط الحياة الذي يعيشونه هو السبب وراء هذا السلوك، فشعورهم بالفراغ وعدم الاهتمام من العائلة يجعلهم يبحثون عنه خارج جدران المنزل وأفضل وسيلة لبلوغ نتيجة جيدة هي استجداء و استعطاف مشاعر المستمعين،خاصة وأنهم مقتنعون بأن دورهم الاجتماعي انتهى ولم يبقى لهم سوى «الما يحمى» كما يقال في اللهجة الجزائرية، هذا الشعور بالدونية سيخلق داخلهم رفضا للواقع الذي يعيشون وسطه خاصة وأن نمط الحياة التي يعيشها أغلبنا متسارع لا وقت فيه لتقوية الروابط الأسرية بل انحصر اهتمامنا في توفير لقمة العيش، هذا الطغيان المادي على الجانب المعنوي والنفسي ليومياتنا أدخل الأسرة في هشاشة أتت  على الروابط و العلاقات الاجتماعية ولعل ما نراه اليوم من ظواهر دخيلة خير دليل على ذلك».
خلايا إصغاء للحد من تأثير الضغوط النفسية والاجتماعية
أرجعت فاطمة الزهراء فاسي الأخصائية الاجتماعية الظاهرة إلى عدة أسباب أولها أن أغلب المواطنين يفتقدون كمجتمع إلى مفاتيح التعامل الحقيقي لأننا لا نفرق بين مختلف العلاقات التي تربطنا بأفراد المجتمع كعلاقة الجوار، الزمالة في العمل والصداقة، هذا الخلط يجعل الفرد يكشف أسراره في المكان والوقت غير المناسبين، فكل علاقة لها تعاملها الخاص بها فعلاقة الجوار مرتبطة بالحاجة، الزمالة بالأمور المهنية أما الصداقة فهي أكثر حميمية ولكن يجب أن يكون الصديق الذي نفضفض له أسرارنا مختارا بدقة متناهية بعد غربلة متعددة، حتى لا ينشر تلك الاسرار في المحيط، فنرى مثلا زوجة تخبر جارتها بكل أسرارها العائلية زوجية ومهنية ثم عندما تسمعها من شخص آخر تغضب من الجارة التي لم تحافظ على السر.
أما السبب الثاني فمرتبط بفقدان الثقة في صلة الرحم، فالأقارب أصبحوا غرباء عن بعضهم البعض رغم أن الدم يجمعهم، حتى أصبح القريب في خانة الغريب و العجيب أن الشخص يفضل الغريب ليطلعه على مشاكله حتى يجد النصيحة أو المواساة لأنه لن يجد سوى اللامبالاة و الاستهزاء في بعض الأحيان من الأقرباء الذي أصبحوا ماديين ويغلبون المصلحة الخاصة على تعاملاتهم العائلية.
أما السبب الثالث فمرتبط بالضغوط النفسية التي يعيشوها الفرد بسبب المشاكل الكثيرة الملقاة على كتفه فنراه يعاني اجتماعيا، مهنيا وصحيا ما يؤدي إلى زعزعة شخصيته و إضعافها، فيجعلها مهزوزة لا تستطيع منع نفسها من البوح بأسرارها إلى من هبّ ودبّ .
واقترحت فاطمة الزهراء فاسي الأخصائية الاجتماعية فتح خلايا إصغاء في الأحياء تشرف عليها وزارتا الشؤون الدينية والأوقاف ووزارة التضامن والأسرة وقضايا المرأة، تتكون من مختص اجتماعي، نفسي وقانوني أين يقوم هؤلاء بتوجيه الشخص ليحل مشاكله بصفة نهائية كما هو موجود في كثير من بلدان العالم.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18074

العدد18074

الثلاثاء 15 أكتوير 2019
العدد18073

العدد18073

الإثنين 14 أكتوير 2019
العدد18072

العدد18072

الأحد 13 أكتوير 2019
العدد18071

العدد18071

السبت 12 أكتوير 2019