طقوس مرسّخة لدى العائلات البليدية في احتفالية «ليلة القدر»

طرد الجن بالقطران وإكرام الفقراء وعشيوة الصغيرة

البليدة: لينة ياسمين

تتميز يوميات البليديين وبالأخص ربات البيوت في الشهر الفضيل بنشاط مستمر ومنوع ومبهج، تتجمل فيه الليالي والسهرات الرمضانية، وتتحول كل سيدة  أحيانا إلى ما يشبه رئيس الطهاة أو ما يطلق عليه «الشاف»، وأحيانا أخرى إلى ما يشبه مهندس ديكور وإعمار، يعطي التعليمات ويرشد طاقم أفراد العائلة في ترتيب ونظام يشبه إلى حد كبير النظام العسكري.
 العجيب أنك ترى كل واحد وواحدة ينفذ مهامه في إتقان وهدوء ودون تداخل في الصلاحيات، ويظهر العمل المنظم أكثر مع آخر أيام الشهر الفضيل، وتحديدا ليلة استقبال أعظم ليلة في العمر، ليلة القدر أو كما يحلو للبعض من ناس زمان تسميتها بـ «القدري»، وهنا الأمور تبدأ في الاختلاف وتظهر مسؤوليات ومهام جديدة وتقليد جميل، يضفي روحانية وقيمة ذات خصوصية فائقة لها، وإن قلت بين ناس البليدة إلا أنها تظل على ألسن الناس وفي ذكريات أهل زمان راسخة خلود الروح والذكر الطيب.
« الشعب « رصدت بعض تلك الذكريات التي ما تزال تحيا وتقام بين عائلات مدينة الورد والرياحين، وعادت لتسردها على لسان مخضرمين عايشوها وما زالوا على الدرب سائرين.
...خير من كل الليالي
تشعر بأن فيه حدثا مهمّا يقترب، ربما ضيفا خاصا طال غيابه، او عادة تثقل في الميزان ولا بد من الترتيب لها والتهيؤ لها حسب المقام والقيمة.
العم عبد الكريم عبدادو يعترف في حديث جميل وممتع لـ «الشعب» قائلا إن من عادات أهل الوريدة كما يحلو للبعض تسميتها، أن تجتمع النساء من أقارب وجيران في بيت واحدة من العائلات في ليلة القدر، يتهيأن بأجود ما لديهن من لباس خاصة التقليدي، ويضعن زينتهن من مصوغات وحلي ويتجملن، ويتحولن الى وردات وقد تعطرن بأجود ما لديهن من طيب.
وأضاف عبدادو أن أهل البليدة يقمن أيضا بتهيئة  غرفة من الغرف ويعددن متكئا لطيفا، ويجلبن ادوات ومواد لتحضير «المقطفة»، وهي عبارة عن «شعيرات» لتحضير الشربة، ويحضرن أيضا ماء الورد تحسبا لحلوى العيد وهن يبتهلن في جو نوستالجي، وهنّ يحكين طرائف جحا وغيره وينظمن البوقلات والأحاجي، ويرددن مديحا في ذكر النبي المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم، وايديهن لا تتوقفن عن العمل والشغل وتحضير «المقطفة».
غير بعيد عن هذا تقوم صاحبة الدار بترتيب لهن مائدة شاي وقهوة، مزينة بحبات من حلوى «الصامصة» أو
«الغريبية» أو»المقروط» أو القطائف أو قلب اللوز أو المحنشة أو التمر والزلابية، وأحينا تجمع عدة انواع في صينية واحدة، وتسكب لهن في فناجين مزخرفة ومزركشة تبهج العين.
في غرفة اخرى تجتمع الصبايا والصغيرات البرعمات، تتجملن بحلل تقليدية وتغنين مدائح في الرسول الكريم، ويكون فرقا موسيقية يجهزن دمية وكأنها عروس  تتوسطهن وهن يفرحن بها وبمقدم ليلة خير من ألف ليلة .
 ويستمر الليل الصيفي خاصة إذا واكب شهر الصيام شهر الحرارة والجو الجميل، ويكملن سهرتهن حتى مطلع الفجر، يتسحرن ويصلين ثم تحمل كل سيدة بيت حصتها من «المقطفة» وتعدن إلى ديارهن وهن يودعن بعضهن البعض في أدب وحشمة، حس رهيب وكأنهن شخصيات من كتاب الف ليلة وليلة ولدن من حبر الكلام العطر.
   ليلة «الختمة» إكرام المساجد والفقراء
في مشهد حسن وجميل، يواصل العم عبد كريم حديثه قائلا «أن ليلة الـ 27 عظيمة بين الناس، يختم فيها المصلون مع إمامهم كتاب الله، ويتحول محيط المساجد والجوامع إلى فضاءات روحانية، ترتقي بالنفس وتصفوالى حد الراحة والهدوء النفسي العجيب، والناس كلهم تعلو محياهم ابتسامات عريضة، وكأنهم تقمصوا صور الملائكة على الأرض بكل فرح مسرور، وفي خضم المشهد الروحاني والمقدس، تجد أجفانا من طعام الكسكسي فوق الرؤوس تنقل على المساجد والأحياء الشعبية والمتاجر، والمشافي ودار العجزة بقلب المدينة العتيقة، في سلوك يوضع في خانة إكرام الناس والمصلين في تلك الليلة المفضلة والمختارة في السماء والارض، يأكل الفقير الجوعان ويشبع. يشاركه الناس في حلقات دائرية حول تلك الاجفان الشهية، وليس فقط الإكرام بالطعام بل يكرم الفقراء بصدقات، ويعطون من المال ما يبهجهم ويسعدهم.
ما إن يفرغ المصلون من صلاة التراويح وتكريم الحفظة والمقرئين لكتاب الله عزوجل في الختمة دون نسيان إمامهم، تتحول جوامع الى صوامع ومنابر مضيئة، يجتمع الناس فيها ليسمعوا تلاوات عطرة من الذكر الحكيم، تستمر الى مطلع الفجر ايضا، ثم يؤتى لهم بالسحور يتناولونه في المسجد، ثم يصلون الفجر ويعودون الى مساكنهم للنوم قليلا.
وفي طرف من المدينة يختن الأطفال في جو يضاف الى أجواء ليلة القدر، ويفرح الأولياء بصغارهم ويبادلونهم الهدايا والنقود حتى ينسى الصغار الألم، وتضع الأمهات الحناء للصغار أيضا والقليل من قطرات القطران  أسفل أرجلهم وعلى النوافذ ومداخل السكنات لاعتقادهن واعتقاد الجميع بأن الأرواح الشريرة من الشياطين يطلق سراحها في تلك الليلة المباركة، ولمنع أذيتهم عن صغارهم يلجأن إلى القطران، لأنهم يؤمنون بأنه ينفر برائحته الجن والأرواح الشريرة ويبعدها عن قرة أعينهم وأعينهن ويطردها، وبذلك ينجون من شرهم.
صيام البراءة والعشيوة لبعث الروح فيها
 يحمل صوم الصغار وخاصة البنات في الشهر الفضيل معنى روحيا مقدسا بين النساء البليديات.
بحسب «سعاد» بنت السلطان فإن البنت أو الولد يدرب وتدرب على تحمل مشقة الامتناع عن الأكل والشراب لنصف يوم فقط، ولتحقيق الهدف تقوم الوالدة بإلهاء ابنتها في لعبة تربوية تسمى «البويتة»، في اليوم الثاني تسمح الأم لابنتها التي اشترت لها قدرا طينيا بتحضير إفطارها ويعرف بـ «العشيوة»، تحضر الصغيرة حساء الشربة بمساعدة والدتها وطبق اللحم الحلو الذي يضاف إليه التفاح او البرقوق واللوز، وتكرر على مسامعها بأفضال الصوم والثواب لمن فعل ذلك، وحينما يقترب وقت الأذان يؤتى بسلم من خشب وتلبس البنت الصبية أو الولد لباسا تقليديا ويطلب أو تطلب منها مشرفتها بأن تصعد درجاته وتجلس على واحدة منها، ويطيع وتطيع الصغيرة الصائمة وتصعد ما استطاعت، وتحسب كل درجة صعدتها بيوم صيام تلزم الفتاة بصومها، ثم يؤتى لها بكأس من «الشربات» الذي تحضره الأم بمزج ماء الزهر المقطر والقرفة والسكر، ويوضع في قلب الكأس خاتم أوقطعة ذهبية « اللويزة».
 ومعاني السلم الارتقاء بإيمان البنت والذهب دليل على نفاسة الإسلام والمشروب حلاوة الدين، وفي السهرة يدعو الوالدان الجيران والأهل وتتصدر الصغيرة مائدة الشاي او القهوة وتزين بحلويات تقليدية مثل «المحنشة والصامصة والقطايف»، ويسهر الجميع مع «البوقلات» وتربط للصغيرة الحناء وصوت النسوة يردد في تهليل تقديمة «محمد محمد صلوا يا الأمة عليه سيدنا وحبيبنا ويربح من صلى عليه».
وهكذا كان الحال وبقي مع قلة من العائلات يحيون احتفالية صوم صغارهم في شهر كريم وليلة هي من أفضل ليالي العمر.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018