معلّم... وأفتخر

فتيحة. ك

وضع اللّـه بين يديه سر العلم والمعرفة، وجعله مشكاة خير ترقى به الأمم، وإن قال البعض عكس ذلك فهو كالشمعة يحترق ليضيء درب المتمدرسين، وراغبين في طلب العلم والانتهال من حقائقه التي لا تسمو الروح أو الوطن إلا بها. في عيد المعلّم العالمي نتذكّر صور أبطال ماتوا في الخفاء لا يذكر اسمهم أحد، ولكن ثمرة عملهم واضحة على أولئك الذين كانوا يجلسون في مناضد القسم متشوّقين لسماح شرح معلمين أتقنوا وأبدعوا في مهمّتهم التربوية والتعليمية رغم أنّ التكوين لم يكن بالجودة التي هو عليه اليوم.
يعلّمنا الآباء أولى خطوات الحياة في عالم لا نختار فيه مستقبلنا بل نصنعه بأيدينا، أما المعلم فيمنحنا السواعد القوية لبناء حاضر سيكون لبنة الغد الذي تكتبه أناملنا بحروف كشف الحجاب عنها ذاك الأستاذ الذي يرافقنا لسنوات طويلة في مختلف مراحل حياتنا ليكون السند والمساند في قرارات مصيرية تحوّلنا في لحظات إلى فاعل قوي في المجتمع.
وبينما نحن نكبر تحت أعينهم هم يحترقون من أجل إعطائنا أكبر قدر من أبجديات الحياة لنتمكّن من وضع سكّة حقيقية توصلنا إلى ما نصبو إليه من أحلام لعل أحدها أن نكون مثل ذاك المعلم، الذي كان وما زال المربّي الذي يتحمّل على عاتقه تكوين أجيال كاملة من الرجال والنساء يبنون ولا يهدمون، يعلون ولا ينزلون، تتسامى أهدافهم ليعلو معها وطن.
ولولاهم لما أدرك أجدادنا أن كينونة الجزائري لا تكون إلا بالهوية التي تميزه عن غيره أمازيغي مسلم عرّبه الإسلام، مارس مهنته في الزوايا ليكشف لأبناء شعب سلبت إرادته أن العلم نور وسلاح تتكشف معه الحقائق. وبالفعل تفجّرت الثورة على أيدي شباب كانوا ممّن أتقنوا الحرف العربي، وأدركوا أنهم جزائريون لا فرنسيون من المرتبة الثانية، ولولا مقاومة هؤلاء المعلمين في الزوايا وفي كل مكان استطاعوا فيه تلقين الأطفال لغتهم ووطنيتهم لما زلنا اليوم مجرد «فاتمة» و»محمد».
وبعد الاستقلال كان على المعلم أن يثبت أنه قادر على حمل رسالة التربية والتعليم، وبالفعل خلال سنوات قليلة تعلم الأطفال وأصبحوا اليوم كوادر وإطارات في مختلف مجالات الحياة،ورغم كل التغيرات الاجتماعية التي عرفها المجتمع الجزائري استطاع المعلم أن يحافظ على مسئولياته اتجاه المستقبل لأنه أول يغرس بذور العلم في نفوس أبنائنا، فيكونون كالقلم يمسكه بين يديه ليخط به حروف الحياة.
 في مسار حافل يكون فيه المعلم أبا لآلاف من الأطفال خلال سنوات العمل الطويلة حقق هذا المثال الكثير من المكاسب رغم كل التحديات التي وقفت حجر عثرة في طريق آداء مهني كامل،لذلك هو اليوم مطالب ببذل أكثر ما يستطيعه لمواجهة الأعاصير الثقافية التي تحاول سلب المجتمع هويته في كل مرة، فبعدما كان الطفل يتلقّى دروس الحياة الأولى في الأسرة والمدرسة أصبحت اليوم الفضاء الأزرق ومواقع التواصل الاجتماعي بابا مفتوحا على مصراعيه لكل بخس وثمين، لذلك يجب أن يدرك المعلم اليوم أنّه مطالب بغرس الوعي بالمخاطر المحدقة بالمجتمع في نفوس تلاميذه في مختلف المراحل العمرية، ولا يجب أن يحصر مهنته النبيلة في التلقين فقط لأنّنا ومنذ عرفنا القراءة والكتابة كان المعلم بالنسبة لنا مربيا قبل أي شيئ آخر.
ولن أدخل في سِجالاتٍ ونقاشاتٍ لأن المجتمع يحتاج إلى معلم كفء يعي جيدا المسئولية التربوية والتعليمية والحضارية والتاريخية الملقاة على عاتقه، لأن اليابان لم تنهض إلاّ بسمو المعلم فيها، بجعله أهم رقم في معادلة التطور.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17493

العدد 17493

الجمعة 17 نوفمبر 2017
العدد 17492

العدد 17492

الأربعاء 15 نوفمبر 2017
العدد 17491

العدد 17491

الثلاثاء 14 نوفمبر 2017
العدد 17490

العدد 17490

الإثنين 13 نوفمبر 2017