الشركــات الأجنبيــة

“عملية شدّ أعصاب”

احمد سلوى

في زمن ما غير بعيد، كان أجدادنا في الجزائر يؤرخون بعام »الرّوز« وعام »الجراد« وعام »الجدري«.. وها هي الشركات الأجنبية العاملة بقطاع المحروقات بالجزائر تحذو حذوهم، متخذة من حادثة »عين أمناس« نقطة ارتكاز  للتأريخ الاستثماري لديها، وأصبحت تتحدّث على أساس ما قبل وما بعد عين أمناس..

التلويح بالمغادرة مجرد مفرقعات

تسربت بعض الأخبار إلى وسائل الإعلام، مثل تلك التي نشرتها الوكالة البريطانية »رويتز« عن نية بعض الشركات الأجنبية العاملة بقطاع المحروقات بعدم رغبتها في تجديد رخصتها في البحث والتنقيب والاستغلال لآبار النفط والغاز، بعد حلول تاريخ نهايتها، نظرا للظروف الأمنية بعد حادثة تيڤنتورين والشروط القانونية للإستثمار في هذا الميدان والتي لا ترى فيها هذه الشركات آية جاذبية، وذلك رغم أن قانون المحروقات الجديد الصادر في يناير 2013 والمنقح لقانون المحروقات لسنة 2005 وللمرسوم الرئاسي لسنة 2006، والذي اعتبره التقرير الخاص بسنة 2013 الصادر عن مكتب الأعمال الاقتصادية والتجارية التابع لكتابة الدولة الأمريكية، متضمنا لتغييرات جاءت بتدابير تهدف إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي، خصوصا في مجال الطاقة غير التقليدية على غرار التنقيب عن الغاز الصّخري، واعتبر نفس التقرير أن قانون المالية لسنة 2013 قد جاء بإجراءات تسهل التدابير الجبائية والجمركية بالنسبة للمؤسسات، حيث يصبح احتساب الضريبة على أساس المردودية أي مستوى الأرباح، وليس على أساس رقم الأعمال كما هو الحال في السابق، باستثناء الآبار القديمة.. ولكن هذه الشركات مثل »بريتش بتروليوم” و”شال” و “هاس كورب” و “اكسون موبيل” ... وغيرها من عديد الشركات الأجنبية البريطانية والأمريكية والفرنسية والايطالية والكندية.. العاملة بالجزائر تتخذ من حادثة عين أميناس مبررا واهيا وذلك بغرض ربح حيز من الوقت لمراجعة استرايجياتها الاستثمارية. فمثلا شركة »بريتش بتروليوم ـ أموكو” أو شركة “شال” تضعان استراتيجتهما التوسعية والاستثمارية لثلاثين سنة مقبلة.
ويبدو أن انخفاض الانتاج بعدة حقول نفطية خاصة بالسنتين الأخيرتين، مثل حاسي بركين المستغل بالشراكة بين سوناطراك و”أناداركو” الأمريكية الذي هبط مستوى انتاجه إلى 50 ألف برميل يوميا، حيث أصبح ينتج 150 ألف برميل يوميا مقابل أكثر من 200 ألف برميل يوميا سابقا.
وشهد حقل “أورهود” الذي تستغله سوناطراك مع شركة “سييسا”الاسبانية انخفاظا ملحوظا، حيث يبلغ انتاجه حوالي 230 ألف برميل يوميا حاليا.
كما انخفض الانتاج بحقول أخرى متواجدة بحوض »بركين« أحد أهم المناطق المنتجة للنفط بالجزائر.
كما انخفض انتاج الغاز الطبيعي إلى 55 مليار متر مكعب بالسنة مقابل 62 أو 63 مليار متر مكعب سابقا.   
كل هذا في خضم تضارب الاحصائيات والأرقام حول احتياطي النفط بالجزائر التي تمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي بإفريقيا، حسب البعض، حيث تقدر الاحتياطات النفطية المؤكدة بنحو 2،12 مليار برميل بعد ليبيا 1،47 مليار برميل ونيجيريا 2،37 مليار برميل.
وتمتلك الجزائر حسب احصائيات »بريتش بتروليوم« لسنة 2012 احتياطات من الغاز الطبيعي تبلغ 4500 مليار متر مكعب أي ما يساوي 2،2 من الاحتياطات العالمية من الغاز الطبيعي، في حين أن الاحصائيات الرسمية لوزارة الطاقة والمناجم الجزائرية المصرح بها على لسان المسؤولين تقدم رقم 2000 إلى 2500 مليار متر مكعب من احتياطي الغاز الطبيعي.
كما أن بعض الخبراء الجزائريين يضعون سنة 2020 إلى سنة 2030 على أقصى تقدير كموعد يضربه القدر لنضوب النفط، بل أن بعضهم يجعل سنة 2020 السنة التي سيرتفع فيها استهلاك الجزائر للمحروقات لتصبح الجزائر من دولة مصدرة للبترول إلى دولة مستوردة، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية التي تصدر إليها الجزائر حاليا بما نسبته 30٪ من انتاجها، تستعد لرفع انتاجها سنة 2017 إلى حدود 1،7 مليون برميل يوميا.
وأمام شبح نضوب النفط والغاز الطبيعي في الأعوام العشرة القادمة، إذا صحت الأرقام الاستشرافية، فإن الجزائر ارتأت سد هذه الثغرة باستغلال احتياطي الجزائر من الغاز غير التقليدي أي الذي يتم استخراجه بوسائل غير تقليدية وهو ما يعرف بغاز »الشيست« أو الغاز الصّخري، وهذا يحتاج إلى نقاش وطني، حيث أن بعض الخبراء يعتبره خطرا على البيئة، إذ  سيتسبب في تلوث  المياه الجوفية بمناطق التنقيب، إضافة إلى احتياج استخراج مليار متر مكعب من الغاز الصخري إلى استهلاك مليون متر مكعب من المياه العذبة ...
بالإضافة إلى استعمال المواد الكيميائية السامة (حوالي 200 مادة) لإستخراج هذه الغازات، ولكن قد توجد حلول بديلة لإستخراج هذه الغازات الصخرية التي ستجعل من الجزائر لاعبا دوليا هاما مستقبلا في مجال الطاقة، وخاصة أن الإتحاد الأوروبي يبحث عن بديل للغاز الروسي الذي تقتنيه الدول الأوروبية بأضعاف ثمنه المحلي. (نتيجة ارتباط الغاز بسعر النفط).
 ولكن في ظل سعر برميل النفط الذي بلغ 95.97 دولارا و 3.91 دولارا الذي بلغ 95.97 دولارا، و 3.91 دولارا بالنسبة للغاز الطبيعي، فإنه يجب العمل على تنويع مصادر الإقتصاد الجزائري، والبحث عن توازن ولونسبي بين القطاعات الإقتصادية .
ويبدو أن الشركات الأجنبية العاملة تستغل الظروف الإقتصادية ومتّبعة مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وذلك بتلويحها بأخبار مفادها مغادرة البلاد وكذلك خفض استثماراتها إلى الحدود الدنيا، .. وهي لا تنوي سوى تحقيق مكاسب أكبر والجوانب الإجتماعية لعمالها لا تهمها فهي ترفض التمثيل النقابي، وتقفز على القوانين لتحقق أغراضها، ولا يهمها سوى الربح وهي تنوي على الأرجح المساومة.
كما أن هذه الشركات ترغب باستغلال الظروف الأمنية والإقتصادية في مراجعة شروط تعاقدها مع الجزائر، وأقصد بذلك الشروط القديمة التي تم الإتفاق حولها و صيغت في عقود ملزمة، متناسية قاعدة »الغنم بالغرم« وخاصّة فيما يتعلّق بمسألة الأسعار.
حرب شرسة حول “الأسعار”

إثر الإنهيار الذي شهدته أسعار الغاز الطبيعي في السوق الحرة »سبوت«، منذ سنة 2008 نتيجة الأزمة الإقتصادية العالمية، وتزويد السوق العالمية بشحنات عملاقة من الغاز الطبيعي الأسترالي والقطري، وارتفاع الإنتاج الأمريكي من  الغاز الصّخري، قامت الشركات الغربية المرتبطة بعقود طويلة المدى مع الدول المنتجة للغاز بالمطالبة بمراجعة أسعار الغاز المتفق عليها، وذلك بغرض فك الإرتباط مع أسعار النفط كمرجعية لتحديد أسعار الغاز بالنسبة للعقود ذات المدّة الطويلة، وهي القاعدة التي تتمسك بها مثلا شركة » غاز بروم« الرّوسية في معاملاتها.
وفي هذا الإطار، نجحت المجموعة الطاقوية الإيطالية »إيدسون« والتي تمتلكها مؤسسة »كهرباء فرنسا«، بالحصول على حكم قضائي لصالحها، في النزاع الذي جمعها مع شركة سوناطراك، أمام المحكمة التجارية الدولية سنة 2011، وبعد تعذر التوصل إلي اتفاق بالتراضي، وذلك فيما يتعلق بإعادة النظر  بما يتناسب مع مصلحة شركة »إيدسون« بشأن أسعار الغاز في إطار عقود التزويد التي جمعتها بسوناطراك.
وقد سبق لهذه المجموعة نفسها الفوز في قضايا تحكيم مماثلة ضد شركة »إيني« الإيطالية وضد روسيا وضد النرويج .. وفازت فيها بحق المراجعة .
وتشارك شركة » ايدسون« حاليا في مشروع استغلال ستة حقول للغاز بمنطقة »رقان« بالصحراء الجزائرية بنسبة 11.25 ٪ مع شركة سوناطراك بنسبة 40 ٪ وشركة ريسبول إسبانية 29.25 ٪ وشركة » أر . دبليو« الألمانية بنسبة 19.5 ٪
وكذلك فعلت شركة » أنا داركو« الأمريكية التي تحصلت على تعويض بنحو 4.5 مليار دولار إثر رفض المجموعة الأمريكية لقرار إدراج ضريبة استثنائية على أرباح الشركات النفطية العاملة بالجزائر بعد صدور المرسوم الرئاسي لسنة 2006 .
ومهما يكن، فإن استراتيجية عالمية لا تتطابق بالضرورة مع استراتيجيات التنمية في الدول النامية ... فمثلا قد يناسب هذه الشركات استنزاف احتياطي النفط أو الغاز للبلاد لتحقيق أرباح ضخمة في وقت قصير، ولكن هذا لايتناسب مع مصلحة الدولة صاحبة السيادة على مواردها الطبيعية من أجل هذا لابد من تحلي المسؤولين باليقظة في التعامل مع هذه الشركات وعدم الخضوع إلى شروطها المجحفة، فهي بحاجة للجزائر.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018