صون التراث المادي من مسؤوليات المجالس البلدية

صحوة المجتمع المدني في ظلّ وغياب اهتمام المسؤولين

ورقلة: إيمان كافي

 من المسؤول عن الحفاظ على القصور الصحراوية أبدت سعاد سلامي مهندسة معمارية متخصّصة في المحافظة على المعالم والمواقع التاريخية ورئيسية جمعية إحياء الموروث العمراني والمعالم التاريخية لمدينة تقرت أسفها للوضعية المتردية التي تعرفها القصور الصحراوية بتقرت والتي يقدّر عددها بـ7 قصور، معتبرة أن الاهتمام بهذا الإرث الثقافي يتطلّب توفّر النية للحفاظ عليه.

أكدت سعاد سلامي في سياق حديثها على ضرورة التزام المجالس الشعبية البلدية بالعمل من أجل تخصيص عمليات لترميم هذه القصور وإطلاق مشاريع كفيلة بإعادة بعثها قبل فوات الأوان، وذلك بالتفكير جديا في اعتماد آليات ذات فعالية للتدخل مع تبني رؤية اقتصادية لتحقيق مداخيل مادية منها، خاصة أن من شأن تحويل القصور إلى وجهات سياحية والاستثمار فيها المساهمة في تحقيق مداخيل وموارد اقتصادية مهمة، مشيرة إلى أن إحياء معارض للصناعات التقليدية من المهم أن يقام في المكان الطبيعي الأصلي الذي نشأت فيه وتطورت بين أحضانه سواء في أزقة القصور أو البيوت التقليدية.     
هذا وتجدر الإشارة إلى أن قصورا كثيرة تعدّ مخزونا ثقافيا هاما تعاني الإهمال والتهميش حسب سكان المنطقة على غرار قصر تماسين، قصر أنقوسة وقصر مستاوة بتقرت وقد أبدى بعض السكان في حديثهم لـ»الشعب» امتعاضهم للوضع الذي آلت إليه بعد أن أصبحت العديد منها في طريق الاندثار بسبب عدة عوامل يتحمل فيها المواطنون جزء من المسؤولية أيضا حسب المسؤولين المحليين، حيث ساهمت التدخلات البشرية بشكل كبير في تشويه هذه القصور الذي اختلف وجهها عن سابق عهده بفعل إقدام العديد من قاطنيها على استغلال سكناتهم وإعادة بنائها باستخدام مواد بناء حديثة كالإسمنت المسلح أثرت سلبا على بنية وتماسك سكنات القصر المعروفة بارتباطها وتداخلها. وبهذا الصدد ذكر مدير الثقافة لولاية ورقلة مختار قرميدة على هامش يوم دراسي حول آليات المحافظة على التراث الثقافي المحلي أن الإجراءات الإدارية مرافقة لترميم هذه المعالم وفق ما هو مطلوب، إلا أن وعي المواطن يجب أن يكون حاضرا بشكل أساسي ولعلّ العديد من المبادرات التي سجلت بقصر ورقلة  ستظل مرجعية، أين أقدم أحد الساكنة على ترميم مسكنه باعتماد كل الطرق التقليدية وترك أبوابه مفتوحة لكل زوار القصر من أجل التعريف بكل القيم التراثية الثقافية التي تميزه، ودعا أيضا إلى ضرورة تكاتف جهود الجمعيات المهتمة بالتراث وحتى الأساتذة الباحثين المختصين في الآثار وكذا المهندسين المعماريين سواء من أجل دعم مجهودات الحفاظ على التراث سواء بتشجيع التكوين في مجال البناء التراثي والحرف والصناعات التقليدية أو تنشيط الأيام الإعلامية التحسيسية وحتى الزيارات السياحية لهذه القصور.

النظرة الاقتصادية للاستثمار في القصور الصحراوية ركيزة مهمة للجذب السياحي

وفي سياق هذا الموضوع، ذكرت الدكتورة يمينة حضري بن الصغير المختصة في الآثار الإسلامية بجامعة غرداية أن القصور الصحراوية تعتبر مجموعة من المواقع التاريخية التي تمثل إرثا حضاريا يحوي مجموعة من القيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمعمارية التي تشهد على ما تمّ الوصول إليه في فنّ العمارة التقليدية التي ساعدت الإنسان على التكيف والوقوف في وجه الطبيعة الصحراوية القاسية ومكنته من الاستقرار في هذه المناطق.
واعتبرت المتحدثة، أن من بين أبرز الأسباب التي أدّت إلى تدهور وضعية القصور هجرة السكان بسبب تغيّر نمط الحياة من النمط العصري إلى الحديث، حيث أصبح يشعر الساكن في هذه القصور أنها لا تتجاوب مع ما يراه من تغيّرات في نمط العيش كما أن هجرة هذه القصور كان بسبب ما كانت تتعرض له بين الحين والآخر من انهيارات نتيجة الظروف الطبيعية وبفعل عامل الزمن وتدخلات البناء فيها بالطرق الحديثة من جهة أخرى، حيث جرت العادة أن الساكنة في كل خريف بعد جني التمور في الواحات يعملون على ترميم سكناتهم داخل هذه القصور بشكل دوري، مما ساهم في استمرارية بقائها والحفاظ عليها لعدة قرون لذلك بعد أن هُجرت تدهورت وضعيتها.
ورغم ما أبدته مؤسسات الدولة من نية لترميمها، إلا أن الشيء الذي يؤسف له أنه لا يمكنها أن تعمل على حد دون وعي من المجتمع المدني الذي يجب أن يكون له الدور الأول للمساهمة في صيانة وترميم هذه القصور بالاعتماد على أمور بسيطة لا تستدعي وسائل ضخمة، ولكن تتطلّب التمكّن من الطرق التقليدية في البناء ودراية بمخططات المنازل التقليدية من أجل إعادة بعثها من جديد.
وذكرت الدكتورة أمينة أن الاهتمام بالتراث المادي واللامادي والحفاظ عليه هو مهمة الجميع سواء من خلال التخطيط أو مواد البناء المستعملة أو من خلال تسليط الضوء على ما كانت تحويه هذه القصور من عادات وتقاليد واحتفاليات تقليدية اجتماعية ذات طابع خاص من أكل ولباس وأواني تقليدية وذلك انطلاقا من التركيز على المدخول الاقتصادي للتراث الذي لا يمكن أن يبقى مجرّد تراث يصنّف في المتاحف أو أطلال نبكي عليها بل من المهم أن تكون هذه المعالم جزءا من الاقتصاد وذلك بالاستثمار فيها كمواقع للجذب السياحي.
بحيث أن السائح عندما يزور القصور يجد ما يأكل، أين يستريح وأين يقيم وذلك باستغلال هذه القصور كفنادق تقليدية وأن تتوفّر على مطاعم تقليدية لأن الزائر لأي مدينة في العالم دائما يبحث عن المدينة العتيقة أو القديمة وهي فكرة إذا ما تمّ العمل بها وتشجيعها من شأنها دفع حتى ساكن القصر إلى التفكير في ترميم بيته واستغلاله استغلالا اقتصاديا، قد يحوله لمقهى أو مطعم تقليدي أو إلى استراحة أو دار للضيافة أو إلى فضاء للحرف والصناعات التقليدية المختلفة.
إن إعادة التراث اللامادي داخل هذه القصور وجعلها جزء من الحركية الاقتصادية لكل بلدية أو منطقة من شأنها دفع المواطن للانخراط فعليا في هذا المسار وتحفيزه على العودة من جديد لهذه القصور ليس من أجل تعميرها فقط، وإنما لاستغلالها كمورد اقتصادي وكأماكن للجذب السياحي.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019
العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019