في الذكرى 77 لاستشهاد «محمد بوراس»

عرف بإخلاصه وقناعته بأن الكفاح يكون بتربية النشء وتوعية الشعب

الشهيد محمد بوراس، أب الحركة الكشفية، ولد في شهر فبراير من عام 1908، بمدينة مليانة من عائلة فقيرة، تتلمذ بمدرسة الأهالي، وفي نفس الوقت، بمدرسة الفلاح لتلقي علوم العربية والفقه، التحق بمدرسة - موبورجي - عام 1915 لمزاولة تعليمه الابتدائي، وهناك بدأ يتعرف وهو صغير على الأساليب الاستعمارية المنتهجة في حق الشعب الجزائري.
لقد كانت المدرسة بمثابة التحوّل الأول الذي عرفه بوراس، فقد عاين عن قرب طريقة التهميش التي كان التلاميذ الجزائريون عرضة له والإقصاء الذي ذهبوا ضحيته، لا لشيء سوى لأنهم جزائريون.
لقد انتهج العدو الفرنسي، منذ أن وطئت قدماه أرض الجزائر، سياسة التجهيل حتى لا يثور السكان ويطالبون بحقهم المشروع، وهو استرجاع سيادة هذا البلد الذي دنّسته أقدام المستعمر، كل هذه الظروف لم تسمح للفتى محمد من مواصلة دراسته، بالرغم من ذكائه الكبير وسرعة بديهته.
 لكن كل هذه العراقيل لم تمنعه من مواصلة حلمه، فالتحق بالمدرسة الحرة - الشبيبة - حيث تلقى تعليمه باللغة العربية، كما كان كثير التردد على نادي الترقي، مقر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالجزائر العاصمة، حيث كان يحضر دروس الشيخ الطيب العقبي، ممثل جمعية العلماء المسلمين بالعاصمة، وهناك تعرف على عدد من الطلبة الذين أدّوا دورا حساسا في التوعية الوطنية فيما بعد، فكان من أصدقائه المقربين الشيخ عبد الرحمن الجيلالي والشيخ البدوي، اللذان كانا يصاحبانه، كلما خرج إلى البحر على متن زورقه.
عمل محمد بوراس في منجم زكار، في سن مبكرة قبل أن ينتقل إلى العاصمة مع عائلته عام 1926 بعدها عمل بمطحنة الحبوب بالحراش كمحاسب، حيث تعلم الضرب على الآلة الراقنة وبرز فيها، مما مكنه فيما بعد من النجاح في المسابقة التي خصصت لتوظيف سكرتير في البحرية عام 1930، وقد استطاع محمد بوراس التفوق على عدد من المشاركين بما فيهم الفرنسي، مما أهله للعمل في مصلحة بميناء الجزائر، إذ تمكن في ظرف قصير من فرض وجوده، فكان مثالا في الإخلاص لعمله وهذا ما أكسبه ثقة مسؤولية، واحتراما لشخصه.
عرف محمد بوراس بإخلاصه الكبير وإيمانه الراسخ ووطنيته، وقناعته بأن الكفاح من اجل الحرية لا يكون إلا عن طريق تربية النشء وتوعية الشعب، وكان شديد الحرص على التعلم، لأنه كان يدرك بأن المخرج الوحيد للمحنة التي كان يكابدها الشعب الجزائري سبيله العلم، فكان كثير التردد على «نادي الترقي» للأخذ عن مشايخ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وفي مقدمتهم الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس، كما عرف محمد بوراس بشدة عطفه وحنانه وبحبه لعمل الخير في سبيل إسعاد الآخرين.
 لقد تحمل مسؤولية تربية أبنائه وإخوانه على حد سواء، خاصة بعد وفاة والده عام 1936 وقد عمل على غرس روح الوطنية وقيم الدين الإسلامي في أبنائه الستة، كما كان شديد الحرص على تعليمهم وتربيتهم تربية صحيحة قوامها الأخلاق والتشبث بعادات وقيم وتقاليد هذا الوطن.
ساهم في تأسيس الجمعية الرياضية «الطليعة»
كان بوراس محبا للرياضة، فالتحق عام 1930 بصفوف فريق مولودية الجزائر لكرة القدم وقد كان لاعبا مميزا كجناح أيسر، كما ساهم في تأسيس الجمعية الرياضية - الطليعة - وساهم أيضا في انطلاق الكوكب التمثيلي في قاعة - لالبير - مع المرحوم الشاعر الجزائري مفدي زكريا والمناضل حسين لحول.
لقد كان لإنشاء الأفواج الكشفية وقعه الخاص على الإدارة الفرنسية، التي بادرت إلى وضع العراقيل أمام هؤلاء الشباب لصدهم عن غايتهم العليا المتمثلة، في الإصلاح وتربية النشء وربط الشباب الجزائري بماضيه الإسلامي المجيد، ومن ثم ظهرت فكرة توحيد الأفواج الكشفية تحت لواء واحد، لتتعزز أكثر ويكون صداها أوسع وأعمق، فدعا محمد بوراس قادة هذه الفروع إلى الالتحام فيما بينها وتوحيدها في اتجاه وطني واحد، فعمد إلى إعداد قانون أساسي وهو مشروع قانون جامعة الكشافة الإسلامية الجزائرية، وعرضه على السلطات الفرنسية المعينة.
 لكنه قوبل بالرفض في أول مرة، قبل أن يحظى بالموافقة عام 1936 في المرة الثانية، فتشكلت لجنة مديرة لفيدرالية الكشافة الإسلامية الجزائرية - مؤقتة - كانت متكونة من محمد بوراس، الصادق الفول، رابح بوبريط، مختار بوعزيز، محمد مادة، الطاهر تجيني، إبراهيم باي، بوعبد الله، دحماني،مزغنة، وحسن بلكريد .. وكانت الانطلاقة، وبدأت المضايقات من قبل الإدارة الفرنسية والجمعيات الكشفية التابعة لها، التي كانت ترى في الكشافة الإسلامية عدوها اللدود بحكم النهج الذي سلكته، والذي يتماشى مع خط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
كان هدف الشهيد توحيد الكشافة الإسلامية الجزائرية، وغرس مبادئ الجهاد في نفوس الشباب الذي كان متعطشا للثورة من اجل الاستقلال، هذه الأفكار والمبادئ السمحة وجدت صداها في الوسط الكشفي الذي لبى نداء محمد بوراس الداعي إلى عقد مؤتمر تأسيسي يجمع الأفواج الكشفية لتنطوي تحت تنظيم وطني واحد، فكان اللقاء بالحراش في جويلية عام 1939، حيث تم تنظيم المؤتمر التأسيسي الذي انبثق عنه ميلاد الكشافة الإسلامية الجزائرية كمنظمة وطنية وانتخب محمد بوارس رئيسا لها، كما تم انتخاب المكتب الاتحادي.
كان عمل محمد بوراس مثيرا لشكوك العدو، فاعتبره رجلا خطيرا، يجب التخلص منه فحيكت ضده الدسائس، فأصبح عرضة للتصفية من قبل المستعمر الفرنسي، لقد كان لهزيمة الجيش الفرنسي في جوان 1940، أمام القوات الألمانية أثرها البالغ في نفسية محمد بوارس الذي أراد استغلال هذه الفرصة لتحرير الجزائر، محاولا القيام بانتفاضة مسلحة.
 اتصل بجماعة من بنو مناصر سكان جبال زكار، واتفق معهم على إعلان الانتفاضة، فكان لزاما عليه البحث على الأسلحة والذخيرة لذلك، فانتقل إلى مدينة فيشي الفرنسية في 26 ديسمبر عام 1940، مغتنما طلب المكتب الكشفي الفرنسي، بإدماج كل فوج من الكشافة الإسلامية الجزائرية في إحدى الجمعيات الفرنسية المسيحية أو اللائكية، إلا أن الشهيد بوراس رفض هذا العرض، وطالب بالاعتراف بالكشافة الإسلامية الجزائرية كمنظمة قائمة بذاتها على غرار باقي المنظمات الكشفية التي تنشط في مختلف أرجاء المعمورة.
 اغتنم بوراس فرصة وجوده بفرنسا، فقام بالاتصال بالألمان للحصول على الأسلحة، إلا انه لم يجن شيئا من ذلك بل تحصل على وعود لا غير، كما تم توصيته بالتوجه إلى اللجنة الألمانية بالجزائر العاصمة، ومنذ عودته إلى أرض الوطن ظل بوراس تحت المراقبة والمتابعة المستمرة من طرف مصالح الاستخبارات الفرنسية التي شكّت في نشاطه، فلم تفارقه لحظة واحدة، مما دفعه إلى تقديم استقالته من رئاسة المنظمة الكشفية في 16 مارس 1941 حتى يبعد الشبهات عنها وتكون بمنأى عن الأيادي الاستعمارية.
 لكن القدر لم يمهل الشهيد لإتمام عمله، ففي الثالث من ماي تم إلقاء القبض عليه من طرف أعضاء المكتب الثاني الفرنسي لمكافحة التجسس بالقرب من نزل أليتي Aletti نزل السفير حاليا، فتم استنطاقه لأيام، تعرض خلالها لأبشع أنواع التعذيب، ليحال بعدها إلى المحكمة العسكرية - بكافينياك - في الرابع عشر من ماي عام 1941، ليصدر في حقه حكما بالإعدام هو وصديقه محمد شويرب، في يوم 15 ماي من نفس السنة تنفيذ حكم الإعدام كان يوم 27 ماي 1941 بساحة الخروبة -العسكرية سابقا.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018