الباحث المتخصّص في الدراسات الإفريقية.. العيد دحماني لـ”الشّعب”:

الجنـوب الجزائـري.. عمق استراتيجي لغذاء إفريقيا..

سفيان حشيفة

رؤيـة استشرافية دعمتهــا إرادة سياسيــة قويـة لرئيـس الجمهوريـــة

الأمن الغذائـي الجزائري جـزء لا يتجزأ مــن الأمن الغذائـي الإفريقـي

نجـاح الجزائـر يـدحـض السرديـة التــي تربــط إفريقيـا بالمجاعـات والجفــاف

 يؤكّد الباحث المتخصّص في الدراسات الإفريقية بجامعة عمار ثليجي بالأغواط، البروفيسور العيد دحماني، أنّ الجزائر تمتلك رؤية استشرافية ناجعة لمستقبل الأمن الغذائي، وكان على رأس أولويات الدولة منذ عام 2019، مدعومًا بإرادة سياسية قوية وحكيمة من لدن رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون.

 أوضح البروفيسور العيد دحماني، في تصريح خصّ به “الشّعب”، أنّ الأوضاع الجيو-اقتصادية وحالة عدم اليقين التي تسود العالم، عجّلت بفتح الباب أمام إعادة تقييم جذرية للإمكانات الزراعية في الجزائر، من أجل تحقيق الأمن الغذائي المستدام، وتفادي الوقوع في أزمات اقتصادية مستوردة من الخارج، إذ مكّنت الإصلاحات التي أجراها الرئيس تبون من تحقيق الإكتفاء الذاتي في القمح الصلب سنة 2025، وإنهاء مشكل استيراده من الأسواق الأجنبية.
وأبرز دحماني أنّ البُعد الإفريقي لم يكن مجرّد خلفية جغرافية لمشاركة الجزائر في قمة أديس أبابا الأخيرة حول الغذاء، بل كان جوهر رسالتها ومحور إستراتيجيتها كدولة رائدة تقدّم نموذجًا قابلًا للاستلهام، لمعالجة أحد أكبر التحديات التي تواجه القارة السّمراء، المتعلقة بالفقر الغذائي والتصحّر والجفاف وندرة المياه، وبهذا، تكون الجزائر قد تبوّأت مقام شريك موثوق قادر على المساهمة بخبرته في تحقيق السيادة الغذائية للأفارقة، انطلاقًا من مبدأ “حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية”.
وأفاد دحماني أنّ العمق الاستراتيجي والإنتماء القاري للجزائر، جعلها تركّز على تنمية جنوبها الكبير الزاخر بكل مقوّمات تحقيق الأمن الزراعي والغذائي، ليس كمشروع داخلي منعزل عن الجغرافيا، وإنما باعتباره عمقا طبيعيا لمنطقة الساحل وغرب إفريقيا.
تحويل هذه المنطقة الشاسعة جدًا من الجزائر، إلى قطب زراعي استراتيجي، يعني تأمين ظهر القارة غذائيًا، ويمكن في المستقبل توجيه فوائض للإنتاج الفلاحي الجزائري بسهولة إلى الأسواق الإفريقية المجاورة، ما يقلّل من اعتماد الأفارقة على الواردات، ويدعم بشكل عملي أهداف منطقة التجارة الحرة القارية، ويعزّز من رؤية بلد الشهداء في أنّ أمنه الغذائي جزء لا يتجزأ من الأمن الغذائي الإفريقي، بحسب قوله.
إنّ موقع الجزائر كدولة ناجحة في مجال الأمن الغذائي واحتلالها المرتبة الأولى إفريقيًا في هذا الجانب، باعتراف المؤسّسات المالية الإقليمية والدولية، يدحض السردية النمطية التي غالبًا ما تربط القارة السّمراء بالمجاعات والجوع والجفاف والحاجة للمساعدات الأممية، ويوفّر قصة نجاح ملهمة للأفارقة تبرز القدرة على الصمود والابتكار، وتمنحهم ثقة تدفع نحو تعزيز التعاون جنوب-جنوب، في ظل الاستعداد لتبادل الخبرات والمعارف بين الدول الإفريقية لتحقيق تنمية مستدامة، بدلاً من الاعتماد الكلي على الحلول والنماذج المستوردة من الخارج.

إمكانـات زراعيـة كـــبرى..

 قال البروفيسور دحماني، إنّ تحقيق الأمن الغذائي الوطني، لا يعني تغطية الاحتياجات الوطنية من الحبوب، التي تتراوح بين 90 و110 مليون قنطار سنويًا، بل يعني توفير فائض يقارب 200 مليون قنطار، وهذا الفائض ينقل الجزائر نظريًا من خانة أحد أكبر مستوردي الحبوب في العالم قبل 2020، إلى خانة مُصدِّر إقليمي رئيسي، وأضاف أنّ المشكلة الجوهرية تاريخيًا لم تكن في نقص الأراضي، وإنما في ضعف المردودية والاستثمارات الزراعية، وتسعى الإستراتيجية الرئاسية الجديدة إلى معالجتها بشكل تدريجي.
يرى دحماني أنّ الوصول إلى الأرقام الطموحة سيكون قفزة نوعية، ضمن مسار استراتيجي يمرّ عبر مراحل متكاملة، لكل منها أهدافها وأدواتها، مبرزا أنّ المرحلة الأولى يجري فيها بناء الأساس وترسيخ النموذج (2025 – 2030)، وهي مرحلة “إثبات الجدوى” التي تركّز فيها الجزائر على ردم فجوة المردودية ونقص الاستثمارات في القطاع الأخضر، ومنه تحقيق الإكتفاء الذاتي من الحبوب.
أما المرحلة الثانية، فترتكز على التوسّع والتحوّل إلى لاعب إقليمي (2030 – 2040)، بعد أن أثبتت الدولة قدرتها على التحكّم في التقنيات الفلاحية ورفع الإنتاجية الزراعية، لتنتقل إلى مرحلة تحول الجزائر إلى قوة غذائية إقليمية، وتحقيق إيرادات كبيرة من صادرات المنتجات الزراعية والمساهمة في تنويع الاقتصاد الوطني.
وفي المرحلة الثالثة، الاتجاه نحو الرّيادة العالمية في التكنولوجيا الزراعية، خاصة ضمن الفلاحة الصّحراوية (ما بعد 2040)، وتتمثل في عصر السيادة المعرفية والإنتاجية، وتكون الجزائر فيه دولة منتجة للغذاء ومصدّرة، وصانعة للحلول في أحد أكبر تحديات القرن الحادي والعشرين، ألا وهو الأمن الغذائي، في ضوء تفاقم الجفاف والتغيرات المناخية السلبية، يختم الباحث المتخصّص في الدراسات الإفريقية بجامعة عمار ثليجي في ولاية الأغواط، البروفيسور العيد دحماني.
جدير بالذكر، أنّ رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أكّد في لقائه الأخير الدوري مع وسائل الإعلام الوطنية، أنّ القيمة التقديرية للإنتاج الفلاحي الكلي لسنة 2025 بلغت حوالي 38 مليار دولار، مع بلوغ الإكتفاء الذاتي في محصول القمح الصلب لأول مرة منذ استقلال البلاد.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 19862

العدد 19862

السبت 30 أوث 2025
العدد 19861

العدد 19861

الخميس 28 أوث 2025
العدد 19860

العدد 19860

الأربعاء 27 أوث 2025
العدد 19859

العدد 19859

الثلاثاء 26 أوث 2025