نجا المواطن الجزائري، مطلع شهر رمضان الجاري، من لهيب الأسعار خلافا لما اعتاد عليه في السنوات الماضية، وسجل ارتياحه لوفرة المواد الغذائية من خضر وفواكه وغياب مظاهر الاحتكار والمضاربة. في وقت رأت وزارة التجارة في كثرة العرض عاملا أساسيا لاستقرار الأسواق.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم يرتفع سعر الخضر والفواكه في الأسواق الجزائرية، عشية شهر رمضان، بل عرفت بعض المنتجات انخفاضا غير متوقعا، الأمر الذي اعتبر استثناء ومفاجأة غير متوقعة من قبل المواطنين، ليكسر بذلك تقليد «الأسعار الجنونية مطلع رمضان»، ويغيب التحليل الروتيني لأهل الاختصاص القائل «بارتفاع السعر بداية الشهر الفضيل وانخفاضه في منتصفه ليعاود الصعود في نهايته».
وزارة التجارة باعتبارها الوصاية الأولى على القطاع، قدمت عاملين أساسيين حالا دون ارتفاع الأسعار، وقالت «أن كثرة العرض على الطلب أثر بشكل إيجابي على القدرة الشرائية للمواطنين «، وأوضحت على لسان الوزير عمارة بن يونس «أن الحملة الوطنية لنستهلك جزائري التي انطلقت قبل رمضان بأسابيع ساهمت في الوضعية الحالية للأسواق الوطنية».
لكن التجارب الماضية أفادت، بأن وفرة العرض وحدها لا تكفي لمواجهة لهيب الأسعار، في ظل الممارسات التي دأب عليها السماسرة والبارونات ممن يشترون المنتجات الفلاحية وهي في الحقول والبساتين، ليمارسوا سياسة الاحتكار والتحكم في العرض بالتقطير وفرض أسعار التجزئة على الباعة.
فعديد الولايات، خاصة الساحلية منها، تستطيع تحقيق اكتفاءها الذاتي المحلي من الخضر والفواكه، غير أن الأسعار التي تباع بها في أسواقها تساوي أو تزيد عن القيمة المقدرة في ولايات ليست مصدر انتاج. بسبب كثرة الوسطاء والمضاربين وما ينتهي إليه سماسرة أسواق الجملة من قرارات فوضوية تحدد السعر في ساعات باكرة من الصباح.
الاستثناء الحاصل هذه المرة، كان له عوامل أخرى على ما يبدو، فعديد الفلاحين، رفضوا الاكتفاء بتجميع منتجاتهم على أبواب المزرعة في انتظار تاجر الجملة وبيع بأثمان بخسة لتصل إلى المواطن بأسعار مضاعفة كما جرت عليه العادة.
فقد كشف الأمين العام للاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين، عن اتفاق مع الفلاحين لدخول الأسواق بأنفسهم وطرح منتجاتهم وفرض التنافسية اللازمة، هذه «المبادرة» التي تقتصر على شهر رمضان فقط، أتت بالنجاعة المطلوبة لكبح تقلب الأسعار بين عشية وضحاها.
سبب آخر، ساهم في تلطيف مناخ السوق وراحة بال المواطن، تمثل في كثرة الباعة المتجولين، وطاولات الخضر والفواكه المعروضة في الطرق الثانوية والسريعة، فهؤلاء الذين يدخلون ضمن «صنف التجارة الفوضوية»، رافقوا وفرة العرض بتقريب السلعة من المواطن، وخلق تنافسية السعر، ما يبرر حرية النشاط المؤقتة الممنوحة لهم.
وبغض النظر عن الأسعار، تسود لدى كافة الجزائريين، قناعة راسخة بوجود الإمكانيات المعتبرة والوسائل التي تجعل من الموارد الفلاحية في متناول الجميع، مع إمكانية التصدير إلى الخارج. ويبقى الأمر مرهونا بالتنظيم وتسقيف الأسعار، ودعم ومرافقة الفلاحين.


