لا تزال ظاهرة الإرهاب تثير الجدل والنقاش وسط الأكاديميين، المحللين والمختصين في الشؤون الأمنية والعسكرية في محاولة تفسير هذه الظاهرة العالمية المعقدة التي تحصد الآلاف من الأرواح ومن مقدرات الدول والحكومات، بل تحولت الظاهرة الإرهابية إلى ميكانيزم تفكيك تهدد كيان ووجود هذه الأخيرة نفسها، كما تبث الذعر والرعب في كل أنحاء العالم من خلال عمليات إرهابية استعراضية، كتلك التي ضربت تونس،الكويت، فرنسا والصومال الجمعة الماضية، وهي استمرارية لمسلسل رعب لا ينتهي ولا أحد أصبح يعرف الزمان والمكان الذي يضرب هذه التنظيمات، وعلى رأسها “داعش” الذي تبنى عمليات تونس والكويت.
الجدير بالذكر، أن هذه التنظيمات الإرهابية اعتمدت دائما على توظيف مصطلحات معينة لشرعنة أعمالها الإجرامية، التي لا تمت بصلة إلى الإسلام، للحصول على المزيد من المؤيدين والمريدين لفكرها المتطرف، حيث إن كل التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وغيرها حاولت أن تدرج نشاطها الإجرامي في خانة الحرب المقدسة “الجهاد” من أجل إقامة ما يسمونه بـ«دولة الإسلام” التي تحكم بشرع الله وتقيم حدوده ولقد رأينا في محاولات محدودة كيف باشرت هذه الجماعات التكفيرية الإجرامية بقطع الأيادي وجلد الناس وتهديم المعالم التاريخية وحتى المساجد التاريخية منها، بحجة القضاء على الشرك والوثنية، وذلك بمجرد سيطرتها على شمال مالي عام 2012 وهذا مثال ضمن نماذج أخرى شهدت نفس الممارسات المبررة بتطبيق “الشريعة الإسلامية” البريئة منهم ومن تصرفاتهم براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام.
اليوم وبالعودة إلى تنظيم «داعش» الإرهابي نلاحظ أن هذا الأخير يؤسس لإيديولوجية إقامة دولة “خلافة” تكون لديها سلطة مركزية مقرها بلاد العراق والشام، وهذا حسب التسمية التي يحملها هذا التنظيم الاجرامي، وقد لاحظنا وشهدنا أن هذا التنظيم دخل في مواجهات دامية مع تنظيم “النصرة” في سوريا من أجل دفعه إلى إعلان ولائه لأبوبكر البغدادي، الذي أعلن نفسه خليفة للمسلمين والذي لا يقبل بوجود تنظيم آخر ينشط في المناطق التي يتواجد فيها، وقد تكون العمليات الإرهابية التي يقوم بها هذا التنظيم الناشئ هو تسجيل حضور، لهذا فهو لا يهمه الهدف بقدر ما يهمه الحضور لهذا نجده يستهدف الحلقة الأضعف وهم المدنيين الآمنين مثلما حدث في الجزائر مع اختطاف السائح الفرنسي «ايرفي غورديل»، ليعلن بعد ذلك مباشرة تنظيم «جند الخلافة» عن تبنيه لعملية اختطاف الرعية الفرنسي وإعلان الولاء “المبايعة” لتنظيم أبوبكر البغدادي زعيم “داعش”، الذي يتبنى في كل مرة هذه العمليات التي يقوم بها في الغالب أفراد وليس تنظيمات فرعية تابعة لـ«داعش» على غرار المعمول به في تنظيم “القاعدة” وفروعها على شاكلة “القاعدة في المغرب الإسلامي”، وهنا يبرز بوضوح التغيير في إستراتيجية تنظيم «داعش» للتحول من مجرد تنظيم محلي ينشط في العراق والشام إلى تنظيم يبحث عن الانتشار في كل الأقطار العربية والإسلامية، بهدف إقامة دولة الخلافة المزعومة التي يكون مركزها الشام، وقد لاحظنا أن هذا التنظيم الإرهابي عندما أعلن تواجده في ليبيا وسيطر على مدينة سيرت فيها لم يطلق اسما آخر على هذا الفرع الليبي الذي سيطر على المدينة لأنه مرتبط بالمركز في العراق والشام بقيادة أبوبكر البغدادي الذي أعلن نفسه خليفة للمؤمنين.
هذه النقطة ضمن أخرى شكلت محور نقاش ندوة «منتدى الشعب»، الذي استضاف الضابطين الساميين السابقين في الجيش الوطني الشعبي، والخبيرين في الشؤون الأمنية، محمد خلفاوي وبن عمر بن جانة، أين اعتبر هذا الأخير أن الجماعات الإرهابية ذات طبيعة انشطارية تنقسم إلى مجموعات صغيرة كثيرا ما تقوم بالنشاط والعمليات الإرهابية بمبادرة مستقلة عن التنظيم الأم الذي تنتمي إليه بل ذهب إلى حد اعتبار أن “داعش” استغل عمليتي تونس والكويت بحثا عن خبطة إعلامية، حيث وجد فيهما فرصة من ذهب وخاصة عملية سوسة بتونس لإثبات وجوده وتسجيل حضوره، لهذا سارع إلى تبني تلك العملية رغم أن الذي قام بها هو فرد قد لا تربطه أي صلة بهذا التنظيم.
إن هذا المنطق وإن كان فيه الكثير من الصحة من الجانب العملياتي، لأن الجماعات الإرهابية تعتمد على التنظيم الانشطاري والانقسام إلى جماعات مسلحة صغيرة في حرب العصابات التي تعتمدها كاستراتيجية قتالية لتصعب من مهمة الجيوش النظامية التقليدية في إطار هذه الحرب “اللاتناظرية”، إلا أنه وعلى صعيد الولاء والتنظيم الهرمي فإن الجماعات الإرهابية تعتمد كثيرا على ذلك، وقد تكون هذه السمة من أبرز خصوصيات “داعش” مقارنة مع تنظيم القاعدة.
الأكيد أن الكثير من التساؤلات تبقى دون أجوبة عن التطرق إلى ظاهرة الإرهاب، الذي أصبح من أكبر الآفات التي تواجه البشرية ولعل من أهم هذه الأسئلة من أين جاء الإرهاب؟ كيف أصبح بهذا الحجم؟ والتناقض الأكبر هو كيف نكافح الإرهاب من جهة ونزوده بالسلاح والمقاتلين في الوقت نفسه كما حصل في الحالة السورية والليبية. وفي الأخير من هو المسؤول عن هذه الحلقة المفرغة ومن يقوم بتوظيف الظاهرة لأغراض سياسية وجيواستراتيجية؟


