شكل دور النخبة الغائب أو المغيّب في مجتمعاتنا العربية نقطة مشتركة لم يختلف حولها المشاركون في ندوة نقاش منتدى «الشعب»، مؤكدين على أهمية دورها البارز في الساحة السياسية والنظام المجتمعي ككل، بالرغم من كونها الركيزة الحقيقية لأي مجتمع وأصل أيّ تنمية مستدامة، والأقدر لتكون الوعاء المؤطر والمساير لمختلف التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية والإقليمية منها والدولية، وذلك بهدف تحقيق تنمية شاملة ومتوازنة.
هذا الطرح لم يكن وليد اليوم، بل هو مطلب حثيث فرضته مختلف الأزمات التي مرت بها المجتمعات الدولية، انطلاقا من كون أن التنمية المستدامة لا تضمن عدالتها إلا بأبعادها الوطنية والعالمية والزمنية ولا تتحقق على أرض الواقع إلا بتوافق منظوم سياسي اقتصادي اجتماعي وإنتاجي تكنولوجي ودولي وإداري وتعليمي.
وأكدت التدخلات، التي عكست التوجه الاجتماعي والجمعوي والديني للمتدخلين، أن النخبة هي عنوان للكفاءة والفاعلية في إدارة المؤسسات العامة ومؤسسات المجتمع المدني، وهي التي تضمن الاستمرار في تحقيق التقدّم الدائم إلى تعزيز مفهوم التنمية والتنمية المستدامة، وهي التي تعمل على الالتزام بتوظيف الموارد الوطنية بالصورة السليمة والواضحة لكل أفراد المجتمع في أيام الرخاء والأزمات.
ويبدو أن التحديات الحالية، لاسيما الأمنية منها والاقتصادية، هي التي تحتم على مجتمعاتنا العربية العودة إلى النخبة بتمكينها من دورها الريادي في تسيير أمورنا ورسم رؤية تتحدد بمفهوم التنمية بالشراكة بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وتتجدد من خلال خطط بعيدة المدى لتطوير العمل المجتمعي من جهة وأفراده من جهة أخرى لتحقيق النتائج الإيجابية في رسم الخطط، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الداخلية والخارجية ودراسة المخاطر ومحاولة وضع وإيجاد الحلول المستقاة من واقعنا لا بإملاءات غربية.
ولعل مفهوم النخبة اليوم، لم يعد يرتكز أو ينحصر فقط على الطبقة السياسية باعتبارها النخبة المركزية ذات النفوذ والقوة المتحكمة في دواليب وسلطات الدولة، بل تعدد واتسع ليشمل فئات أخرى ثقافية واجتماعية لا تهتم بالوصول إلى سدة الحكم، لكن بإمكانها أن تكون بديلا حقيقيا في ظل اهتراء المنظومات الحزبية في العالم وسدا منيعا في مواجهة أي خروقات، لاسيما على الصعيد الفكري وتكوين رأي عام واع.
ويتعين على هذه الفئة من النخبة، أن تعمل على تضافر جهودها مع جهود النخب الاستراتيجية في المجال الاقتصادي والسياسي للعمل في نسق مجتمعي وفاعلية محصنة بذلك مجتمعاتها مما يحاك ضدها من مؤامرات وأجندات تستهدف تدمير الدول في كيانها ومؤسساتها المركزية الوطنية والنظامية.


