اعتبر محمد طيبي، أستاذ في علم الاجتماع، موضوع «المجتمع المدني والسلم الوطني» بالهام، كون موازين القوة وحل المشاكل الكبرى في الوقت الراهن، لا تكمن في كثرة الأسلحة وإنما ميزان القوة الحقيقي في بنية المجتمع المتماسك وكيفية بناء المدنية، وكذا تجنّب الاختراقات للمجتمعات، مشيرا إلى أن الأسئلة المغلوطة التي نطرحها هي التي تبعد المفكر والقائد والمؤسسات عن فهم ما يجب أن توفره لتنتج ما يسمى بعوامل القوة المضطردة، داعيا إلى إعادة النظر في النظرية الأمنية وتطوير مفهوم الدولة الوطنية.
أوضح طيبي لدى تدخله، أمس، في منتدى «الشعب»، حول موضوع «المجتمع المدني والأمن الوطني»، بمبادرة من المنظمة الوطنية للتضامن الجمعوي، أن الجزائر تعيش مرحلة انتقال بنيوي من حيث التجديد الجيلي، وتشكيل الذهنيات الجديدة التي تحمل رؤية جديدة عن الوطنية، بحيث أصبحنا نتخبط في تأصيل النموذج الاقتصادي ولم نستطع الانتقال من الاقتصاد الجماعي إلى اقتصاد ليبرالي، لأننا لم نستطع التحكم في آلياته، بحكم عدم امتلاكنا لقاعدة إنتاجية. وبحسبه، أن الرهان الظاهر على المشهد السياسي، هو من يدفع نحو اللبيرالية المتوحشة، والتي أحدثت خللا في الانسجام بين المكونات والأجساد الاجتماعية، على حد تعبيره.
وأضاف أستاذ علم الاجتماع، أن هذه الوضعية دفعت الشباب ومختلف أطياف المجتمع، للمطالبة بحقها في الدولة، باعتبارها منظومة مؤسسات تسيّر الشأن العام، تفاوض بسلاسة وحذر يترك فضاءات جديدة، وأن الأمر ليس ببعيد عن الحكمة الاستراتيجية، وإنما نهايته ينبغي أن تكون مضمونة من خلال احتواء المد الاجتماعي المتنامي الآن في الجزائر، لاسيما مع أزمة انخفاض أسعار البترول.
ويرى المحاضر، أن الخلل الاجتماعي، يؤدي بالمنظرين والنخب للتدخل كطرف مساهم في تأصيل المفاهيم التي تصاحب التحول المؤسسي قائلا: «حاليا هناك حكاية غرام مصالح بين الدولة والمجتمع، وكأن الدولة وظفت لتخدم المجتمع»، مشيرا إلى أن الدولة ليست موظفة لخدمة المجتمع، بل على هذا الأخير أن يهيكل لإنتاج الخيرات الضرورية لقوته ومناعته، كما أن المجتمعات التي نخرت فيها الشرعية التمثيلية للمؤسسات كالعراق وسوريا، دمّرت لأن المؤسسات المؤطرة لبلد الحضارة فشلت وكان الاختراق سهلا والخيانات كانت واضحة، كما أن القيم التي أرجعت العرب للتاريخ انهارت.
وأبرز في هذا السياق، أن صناعة السياسة هي فن يقوم على فهم دقيق وحقيقي للمشهد المجتمعي والسياسي والأزمات وعلى علم اتخاذ القرار، حيث أن غياب هذه العوامل لا تمكننا من خلق قوة البلد – المجتمع. انهارت هذه الأمم لأنّ شخصنة المجتمع تفرق، عكس الدول الأوروبية التي عرفت كيف تتعامل مع أزماتها وكمثال على ذلك اليونان، التي كان سلوك سكانها سلوك مجتمع وليس سلوكا عشائريا، وفهموا الأولويات واختاروا الممكن.
وبحسب طيبي، فإنه يجب أن تواكب النخب الوطنية طبيعة الرباط الاجتماعي والسياسي ورابط الهوية فهما علميا، وأن المجتمعات التي لا تفهم ما يهددها تدخل في وهم القوة، مؤكدا أن أساس الرابطة الهويتية هي المدرسة، هذه الأخيرة لابد أن تكون جمهورية قائمة على رؤية التأصيل والانفتاح وهي ملك المجتمع. كما أن الدولة التي لا تحرص على الرابط الاجتماعي والسياسي سوف تنهار، مشيرا إلى أن قوة إسرائيل في الرابط الهوياتي، وبحسبه أن هناك أمم معطلة ذكائيا أي التي لا تنتج المعاني لمواجهة الأزمات التي تمر بها.
إعادة النظر في المنظومة الأمنية للتصدي للإرهاب
وقال طيبي أيضا، إنه كان أول الدعاة إلى إعادة النظر في النظرية الأمنية في فترة التسعينيات من القرن الماضي، بحكم أن الإرهاب كان عملا تدميريا وضع الوباء الرمزي للدين، لكن لم تؤخذ نظريته بعين الاعتبار، موضحا أن مخاطر الإرهاب تكمن في نهايته ونتائجه، وهذا ما يحاول الغرب إعطاءه إلى «داعش» ليخترق المجتمعات العربية، قائلا: «لو عرفوا تطوير فكر داعش في الجزائر، لكنّا أول المستهدفين قبل العراق وسوريا، لأن الجزائر لا يُراد لها أن تكون ذات قوة محورية».
وأضاف، أن الإرهاب اليوم ليس ظاهرة، بل مؤسسات مهيكلة بمخابر تخدم أجندة الغرب، وأن المشهد الحالي بالجزائر هو محاولة الاختراق عن طريق بؤر الإرهاب المختلفة، مشددا على أهمية المجتمع المدني في تأطير المجتمعات، كونه أداة جديدة وبديلة عن اهتراء المنظومات الحزبية في العالم، لاسيما العاملين في حقل المجتمع المدني والأهلي، مشيرا إلى أن المجتمع المدني هو الفضاء العام للتعبير ويجب أن يكون متنوعا ومستقلا.
ويرى أستاذ علم الاجتماع، أنه ينبغي على الجزائر أن تقوم بمجهود بتأصيل المجتمع المدني بمصداقية قائلا: «نحتاج لصناعة قادة الرأي، كي لا يقوم بصناعته الغرب مثلما فعلوا في غرداية لضرب استقرار الجزائر، بصناعة أبطال جدد لملء الفراغ»، مضيفا أن الأمن الوجداني والأخلاقي واستقرار المنظومة العمرانية والمدنية مهم جدا، داعيا إلى تأصيل الخطاب الديني الجزائري وإعادة النظر في مفهوم الدولة الوطنية بقيم الحرية والإنسانية وبإخلاص لهذه الأمة التي لها جذور تاريخية عريقة.


