الجرعة الثانية للوئام المدني.. كانت المصالحة الوطنية. منذ أن تولى رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة مقاليد السلطة في الجزائر في نهاية التسعينيات كان الشغل الشاغل لبداية عهدته هو « إطفاء نار الفتنة» مهما كان الأمر» واعادة السلم واستتباب الاستقرار في كامل ربوع هذا الوطن.
لم تكن المهمة سهلة وقد يخطئ من يعتقد ذلك نظرا للظروف الصعبة والقاسية التي كان الوطن يعيشها على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، داخليا الجميع كان شاهدا على مايحدث في البلد.. وبلوغ الارهاب الهمجي حدا لا يطاق من الهمجية وخارجيا حصار غير معلن في كل طلبات الجزائر الحيوية وتقييد تحركات رعاياها في المطارات، للتاريخ هناك من عزل الجزائريين في مطاراته بمجرد وصول الطائرة المقلة لهم يوجهون الى مكان خاص بعيدا عن المسافرين الآخرين يتعرضون لشتى الاهانات والمضايقات، كل ذلك زال في عهد الرئيس بوتفليقة الذي أقسم على أن يعيد الجزائر الى المحافل الدولية عزيزة مكرمة وهذا ما حدث..
هذا هو السياق الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي جاء فيه الرئيس بوتفليقة والذي يحق لنا أن نصفه بـ» المعقد والمتداخل» يستحيل العثور على رأس الخيط» وبمجرد أن منح الجزائريون الثقة للرئيس بوتفليقة وضع ضمن أولوياته.
^ استرجاع السلم الى كافة التراب الوطني
^ النهوض بالاقتصاد الجزائري
^ إعادة الجزائر الى المحافل الدولية.
هذه الالتزامات الـ ٣ المعلنة نلمسها اليوم «ونجنى ثمارها وماكان فعلا يريد الرئيس بوتفليقة انجازه في هذا الشأن هو الاسراع في طي هذا الملف إن آجلا أوعاجلا حتى يسمح الأمر باقتحام مجال التنمية الشاملة ودون تسوية هذا الاشكال الأمني لا يمكن أو يستحيل الانتقال الى مرحلة المأمول فيها.
هكذا كان هذا الترابط والعروة الوثقى بين التوجهين الأمني والتنموي ولابد من الذهاب الى الخيار الذي يخدم الشعب الجزائري بالتخلص من صفحة الدم» والدخول في مرحلة جديدة وأول جرعة كان بالوئام المدني الذي استقى فيه الجزائريون وفصلوا فيه لصالح هذا المسعى التاريخي مبدين تعلقهم بالسلم وهكذا نزل أكثر من ٦٠٠٠ شخص من الجبال وتم استرجاع ١٨ ألف قطعة سلاح كل هذه المؤشرات المشجعة أدت الى سقف أعلى ألا وهو المصالحة الوطنية.
ولابد هنا من الاشادة بالدور الحاسم الذي قام به رئيس الجمهورية من أجل تحسيس الجزائريين بضرورة الخروج من هذه الحالة نحو وضع آخر لائق بالجميع يقلل من تفشي ظاهرة «اللاأمن».
هكذا تبلور لدى الجزائريين حب السلم، من خلال توافدهم المذهل على صناديق الاقتراع وتنامت هذه الذهنية باتجاه البحث على فعل أكثر عمقا وفعالية من حيث اقامة تلك الآليات العملية القادرة على تحمل ثقل المأساة الوطنية من خلال نصوص واضحة وحتى جريئة تسمى الأشياء بمسمياتها ولا تتراجع الى الخلف أو تتردد لتكون في مستوى الأزمة الأمنية القائمة.
وارتقى هذا المسار الى المصالحة الوطنية ليدخل الملف الأمني في قناة أكثر تحكما من ناحية التأطير القانوني وهذا بالتفكير في حلول واقعية تتكفل تكفلا حقيقيا بكل من كان تحت وقع هذه الأحداث.
هذا ما فتح أفق أخرى تتجه نحو خيار لطالما حزّ في نفوس كل من لمس ثمار الوئام المدني مرة أخرى يجد الشعب الجزائري نفسه وجها لوجه مع تحدي آخر ألا وهو المصالحة الوطنية.. التي كشفت عن مدى تعلق الجزائريين بالسلم وحبهم الشديد للاستقرار تأكدت في حضورهم المكثف والقوي لكل التجمعات الذي كان يشرف عليها رئيس الجمهورية شخصيا في العديد من الولايات.
متابعة شخصية للتجمعات
والايمان العميق لرئيس الجمهورية بالمصالحة الوطنية جعلته أن يكون حاضرا في كل الحملات التحسيسية لابراز قيمها السامية المدعومة بنص قانوني.. وفي تجمع تيزي وزو بملعب أول نوفمبر الذي عشناه عن قرب، ألقى رئيس الجمهورية كلمة مؤثرة حملت دلالات عميقة تجاه أبعاد هذا المسعى.
وخلال هذه الأثناء قال رئيس الجمهورية أعطوني البديل غير المصالحة.. فإنني مستعد للتخلي عنها»، مؤكدا بأنه لا يمكننا الاقتتال بين أبناء الشعب الواحد الى يوم الدين» و» هذه المأساة كلفتنا ٢٠٠ ألف قتيل و٢٠ مليار دولار.. كل هذه التصريحات كان صداها يتردد في كامل مدرجات هذا الملعب وتفاعل معها الجمهور بشكل ملحوظ ادراكا منه بحجم ما خلفته الأعمال الهمجية من تدمير لقدرات البلد في كل القطاعات وأرجعتها الى الوراء بسنوات عديدة.
وتعزز هذا الخيار بنص عنوان: «ميثاق السلم والمصالحة الوطنية» الذي جاء متوازنا ومتوافقا لم يظلم أحد بل أعطى لكل ذي حق حقه وضع صيغ كيفية الصفح الجميل وبالتوازي مع ذلك أدرج بكل إخلاص ووفاء وولاء كل الذين قاوموا الارهاب كل هذا من أجل وضع حل لنزيف الدم.
وهذا النص الذي وافق عليه الشعب الجزئري، بالأغلبية الساحقة لم يكرس ما ادعاه البعض بـ» اللاعقاب» بل ان رافعي هذا الشعار كانوا يأملون في أن يتواصل هذا المسلسل لسنوات أخرى حتى يتركوا البلد نار ودخان، هذه النظرة الضيقة التي لم تتعد أنوفهم أرادت تعطيل هذه الحيوية الجيدة وعرقلتها حتى لاتصل الى مبتغاها.. لكن الارادة الشعبية كانت الأقوى عندما قالت كلمتها وفصلت في القضية بشكل نهائي وكامل.
وعليه فإن السلم والمصالحة هو مشروع مجتمع أعاد الأمور الى نصابها وطريقها الصحيح قرر أن يتخلص من الحقد والانتقام وكره الآخر واقصائه، هذه الآفات أراد البعض أن يفرضها كسلوك يومي في حياتنا للأسف هؤلاء كانوا غير متواصلين مع الواقع حاملين لأفكار خطيرة جدا على الجزائر.
ولا نستغرب أبدا من اصرار الكثير من أحرار هذا الوطن على ادراج قيم المصالحة في الدستور، كمادة من المواد أوفي الديباجة. لماذا؟ لأن الوثيقة الأعلى مرتبطة ارتباطا وثيقا بمسيرة تاريخ هذه الأمة والمحطات الحساسة التي مرت بها على أن لن نعود ثانية الى مثل تلك الأساليب غير حضارية في حل الأزمات الطارئة التي تمر بها كل بلد..
لأن ميثاق السلم والمصالحة لم يقترن أبدا بسياق أو آجال أوتوقيت معين بل هو ممتد في الزمان والمكان ومرجعية بالنسبة لكل من غرر بهم وهذا كله من أجل انهاء هذه المأساة ولا يمكن بأي حال من الأحوال غلق هذا الباب لأن القضية عميقة جدا تجاوزت عشرية كاملة من المشاكل الأمنية ولا يعقل أن توقف مثل هذه العملية ذات الأبعاد العميقة والحساسة في آن واحد.
والمصالحة الوطنية في حد ذاتها ليست أمور وقضايا تقنية كالتعويضات أو الافراج وإنما هي برنامج واسع يحمل في طياته المؤشرات السياسية المبنية على النظرة السديدة في اصلاح ذات البين بين الجزائريين وهذا لم يفهمه الكثير ممن اجتهدوا في تشويه هذا المسعى بادعاءات لاأساس لها من الصحة وهؤلاء همّشهم التاريخ لأنهم أرادوا الابقاء على حالة الاقتتال الى الأبد.. وضرْب أو نسْفْ هذا العمل الهام.
وعندما قال الشعب الجزائري كلمته فهم هؤلاء الرسالة فهما مستفيضا وانسحبوا من «الجبهات» التي كانوا متحدين فيها لأداء دور لا يليق بمقام الظرف الخطير الذي كان الجزائريون يمرون به.
وتوسع هذا المفهوم الى نطاقات أخرى كالدعوة الى المصالحة مع الذات ومع التاريخ وهذا التوجه كان زاخرا بالقيم النبيلة الرامية الى التخلي عن الحقد والانتقام الذي وجد للأسف مساحات له عشعش فيها وسكن عقول الكثير..
بدليل أن هناك تحولا في هذا المجال هي تلك اللقاءات المتواصلة ما بين السياسيين والتاريخيين في مناسبات عديدة تخلصوا من قيود الماضي واضعين نصب أعينهم مستقبل هذا الوطن وخدمته وهذا كله بفضل المصالحة الوطنية.
ونحن نحيي هذه الذكرى العزيزة على قلوب الجزائريين كونها أعادت السلم والأمن الى البلد نتذكر كل الذين آمنوا إيمانا عميقا بهذا المسعى وعملوا على ترقيته وانجاحه بالرغم من تلك الظروف.




