عزز تدخل روسيا عسكريا في سوريا مواقف الجزائر، التي حذرت في الكثير من المرات من استعمال الإرهاب مطية للتدخل العسكري في مختلف الدول، حيث أكدت في عديد المرات أن وضع تعريف جامع للإرهاب ومصادقة جميع الدول عليه حتمية، لتكييف الواقع مع القانون ومنه الفصل فيما إذا كان العنف إرهابا أو حقا مشروعا للدفاع عن النفس.
لقد بادرت الجزائر في الكثير من المرات بتشريعات ومقترحات تم تبنّيها دوليا، على غرار تجريم الفدية وتضييق الخناق على مصادر تمويل الجماعات الدموية، لكن تبقى مقترحات تسبيق الحلول السلمية والدبلوماسية ومساعدة الدول على تجسيد التنمية المستدامة ووضع تعريف شامل للإرهاب غير محبّذة لدى الكثير من الدول، خاصة الغربية منها، لما لها من مصالح وأهداف غير معلنة في إثارة الأزمات وتكييف ما يحدث داخل الدول لتبرير ما تقوم به من تدخلات عسكرية، مثلما حدث في العراق وليبيا وسوريا.
لقد دعت الجزائر من منابر الجامعة العربية والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، إلى اعتماد الحوار وتحقيق المصالحة بين مختلف أطراف النزاع في الكثير من الدول، تفاديا لإراقة الدماء وتدمير الدول وتجنيب الشعوب التشرد والخراب، لكن ميول تجار الحروب والسلاح والدم لجني صفقات جديدة، لم يأخذ مطالب الجزائر كما ينبغي وتم التعتيم عليها إعلاميا.
الغريب، أن الدول التي فضلت دخول المستنقع المالي لم تجد إلا الجزائر للخروج منه سالمة، حيث وقف العالم وقفة اعتراف بحنكة الجزائر وقدرتها على حل النزاعات والحروب، بالنظر لدرايتها بخلفيات الصراعات والأسباب التي تحركها كما تعرف النوايا الخبيثة للكثيرين وهو ما جعلها محل امتعاض في الكثير من المرات، لكن امتداد سنوات النزاعات وانفلات الأوضاع، جعلهم يعودون للجزائر في نهاية المطاف وما أزمة ليبيا عنا ببعيد.
إن ظاهرة ما يسمى «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا الإرهابي» وبمرور الوقت تبين أنه فيروس مخبري من صنع المخابرات الأجنبية لتحقيق الكثير من الأهداف المعلنة والمستترة، فالتوغل في المنطقة ومراقبة تدمير الدول العربية ونشر الخراب فيها وزرع الفتن من خلال إحياء الطائفية والحزازات بين الشعب الواحد، وضمان أمن إسرائيل من خلال إضعاف دول الطوق وبسط السيطرة على الثروات الطبيعية واقتنائها بأثمان بخسة والحرص على استمرار الفتن بها لأكبر وقت ممكن، كلها عوامل لم تعد تخفى على أحد.
لكن كان التدخل الروسي، المفاجئ للغرب، ضربة قاصمة لخططه التي كانت تسوق لتنظيم «داعش» على أنه زئبق لا يمكن القضاء عليه إلا بعد سنوات، بل عمدت الكثير من دول التحالف إلى ترك التنظيم يصول ويجول أكثر من أي وقت مضى وما حدث في الموصل و»الأنبار» و»بيجي» وغيرها من المحافظات العراقية والسورية، طرح أكثر من تساؤل، ليأتي التدخل الروسي ويحقق نجاحات كبيرة عجز التحالف الغربي عن تجسيده لأكثر من سنة.
وتسعى روسيا لشرعية دولية وأخرى داخلية من خلال ضمان ضوء أخضر من البرلمان «الدوما» يساند تدخل قواتها بسوريا تحقيقا لرغبة روسية في حل سلمي ودبلوماسي مع دحر الإرهاب الذي ظل الغرب يصنعه ويبرر به سياساته العدوانية تجاه العرب والمسلمين.
سيكون لعودة روسيا أثر إيجابي يدعم المقترحات والمبادرات الجزائرية ويمنحها الثقل اللازم، حيث سيجد الغرب نفسه أمام سياسة الأمر الواقع، لأن التطورات في الشرق الأوسط واستغلال إسرائيل الوضع للانتقام من الفلسطينيين، والمؤامرات التي تحاك بشأن أسعار النفط لمعاقبة الدول التي تساند القضايا العادلة، كلها معطيات ستتغير إذا ما واصلت روسيا سياستها، خاصة مع تأكيد رغبتها في تقليص إنتاجها من النفط بين 5 و10٪ إذا ما استمر تدهور الأسعار.
وعليه، فالتمسك بالقضايا العادلة والصبر وترك الأمور للتاريخ حتى يظهر الحق من الباطل وينصف المواقف.



