رفع مستوى التكوين من مهام الجامعة والمؤسسة الإعلامية
يتحدث الدكتور نصر الدين العياضي، أستاذ علوم الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر 3، في هذا الحوار الذي خص به “الشعب” عن واقع الإعلام في الجزائر، ويؤكد على أهمية إصدار النصوص التطبيقية لقانون السمعي البصري وهيئات الضبط، من أجل تأطير المهنة وتنظيمها، مفيدا بأن مسألة الأخلاقيات تخص الصحفيين أنفسهم.
الشعب: يسجل الحقل الإعلامي في الجزائر، حوالي 130 صحيفة، وعشرات القنوات التلفزيونية الخاصة، هل يمكن اعتبار هذا الكم، حالة صحية تعكس تطور القطاع ببلادنا؟
د. نصر الدين العياضي: في الجزائر، المسألة ليست متعلقة بالكم، وإنما بالتعددية والتنوع، ولا أتحدث هنا عن التعددية السياسية أو توجهات الوسائل الإعلامية القائمة، فرغم هذا العدد، ليس لدينا صحفا ومجلات ثقافية متخصصة، ولا مجلات علمية ولا نشريات موجهة للأطفال.
أما بالنسبة للقنوات التلفزيونية الخاصة، فما عدا القنوات الخمس المعتمدة، تعيش البقية وضعا غريبا، فهي لحد الآن عبارة عن مكاتب أجنبية غير مرخص لها للعمل في الجزائر، لكنها تنشط بطريقة عادية، علما أن هناك قانونا عضويا للإعلام، وقانونا للسمعي البصري، فعلينا أن نتساءل عن سبب استمرار هذا الوضع ومن المستفيد منه. لذلك أرى أنه من الضروري التعجيل باستصدار القوانين التطبيقية، كي يكون للدولة الأثر في تنظيم المهنة والمساهمة في إنعاش الثقافة الوطنية.
فالسلطات العمومية هي الضابط الأساسي لحرية الصحافة والتعبير، عبر الآليات القانونية والضبطية اللازمة، لتأطير الممارسة المهنية في مناخ يسوده التنظيم.
كيف تقيّم مضمون الرسائل التي تنشرها وتبثها الوسائل الإعلامية، في ظل هذا الزخم، ومدى انسجامه مع تطلعات الرأي العام، وضرورات المصلحة الوطنية خاصة ما تعلق بالمعلومات المرتبط بالشؤون السيادية للبلاد؟
المحتوى يقودنا للحديث عن المنافسة وقضية الإشهار. أولا: وسائل إعلام القطاع العمومي، هي التي تعاني اليوم من المنافسة، لأنها لا تملك هامشا أوسع من الحرية والمبادرة، مقارنة بالوسائل الإعلامية الخاصة، والسبب في اعتقادي تاريخي يرجع إلى عدم القدرة على الفصل بين الدولة والحكومة، حيث ترى فيها هذه الأخيرة ناطقا رسميا لها. صحيح أن المسألة خاضعة لتنظيم قانوني محدد في دفتر الأعباء، لكن من المهم أن تنشط كوسائط إعلامية ناطقة باسم الدولة الجزائرية ككل. وأعتقد أن وسائل الإعلام العمومي، منوطة بلعب دور أكبر، وتكون أكثر تنافسية.
ثانيا، مسألة الإشهار، كما هو معلوم، يستحيل العيش في قطاع الإعلام دون مورد مالي، وهنا نفهم حساسية القطاع الخاص تجاه هذه القضية، فهي أيضا مؤسسات تجارية وتبحث عن الربح، ومن المهم أن تتدخل الدولة لتنظيم الإشهار، من أجل تخفيف ضغط وممارسات المعلنين على الجرائد، بحيث أصبحت تبدو، كمؤسسات خدماتية أكثر منها مؤسسات إعلامية.
وأود أن أضيف شيئا آخر. مع الأسف الشديد، اهتمامات قطاع الإعلام، الأحزاب السياسية، المجتمع المدني والجمعيات لازالت متأخرة بثلاثة عقود، لأن النقاش العالمي اليوم، منصب حول كيفية إدخال قطاع التكنولوجيات الحديثة إلى الإعلام، ويتطلب ذلك استثمارات مادية وبشرية وترسانة تكنولوجية وتكوين لمتخصصين حتى ندفع المستهلك إلى الإقبال عليها ومتباعة ما تقدمه له، عبر وسائط التواصل الاجتماعي على سبيل المثال.
ذكرت مسألة التعددية، ما هو الطابع الغالب على محتوى وسائل الإعلام بشكل أكبر، مقارنة بمجالات أخرى التي تعتبر من صميم اهتمامات الجمهور؟
الممارسة الإعلامية، ترتبط بمستوى المضمون الذي تقدمه، ولأسباب تاريخية مفهومة. وسائل الإعلام الجزائرية اعتبرت مؤسسات سياسية أكثر منها إعلامية وثقافية، فلو ننظر إلى جمهور التلفزيون الجزائري سنجده يتحدث عن نصف ساعة خاصة بنشرة الأخبار الرئيسية (الثامنة)، بينما هناك حصص وبرنامج أخرى متنوعة.
أما الصحافة فتبدو مهتمة بالأشخاص أكثر من البرامج والأفكار، فهي تتخذ من السجال القائم بين ممارسي السياسة مادة إعلامية دسمة، (صرح الفلاني ورد عليه الآخر).
ومن الناحية الإخبارية، فمعظم مادتها الإعلامية تتغذى من برقيات وكالة الأنباء ويجتهدون في وضع عناوين يرونها مناسبة.
النقاش الدائر اليوم حول تطوير قطاع الإعلام، يؤكد على ضرورة تبني سياسة تكوينية للصحفيين، ما هي العناصر التي يجب توفرها لضمان تكوين نوعي وترقية الممارسة المهنية؟
ضعف الأداء المهني للصحفي، تتحمله عدة أطراف، بدءً من الجامعة، فأنا أستاذ جامعي، وأقول أن هناك عجزا في جانب التكوين، وعدم تحيين للمناهج التعليمية وعدم إسناد إعدادها لمختصين في الإعلام، فطالب السنة الأولى في الصحافة يدرس مقياس علم الآثار لعام كامل، بينما يدرس كل ما يتعلق بتقنيات التحرير والتنشيط في السنة الأخيرة، فهل نحن بصدد تكوين مختصين في الإعلام أم في علم الآثار.
هذا من جهة، من جهة ثانية، وسائل الإعلام اليوم أصبحت أكثر تساهلا في التوظيف، ولا تملك سياسة توظيف متينة، فهي تجلب أشخاص كصحفيين، ثم تسرحهم بعد أشهر قليلة عندما تقف على ضعف المستوى.
وفي قاعة التحرير، يعامل الصحفيون سواسية ولا يوجد تثمين للعمل النوعي، ونلاحظ اليوم غياب الصحفيين المتخصصين، وأعطي مثال بجريدة “الجزائر أكتياليتي”، كانت تملك 13 صحفيا في القسم الثقافي، منهم مختصون في المسرح، النقد الأدبي، والسينما ..إلخ. وفي نفس الفترة، كان بالقسم الثقافي لجريدة «لوموند» الفرنسية 11 صحفيا.
اليوم، الجرائد تخصص صفحة واحدة للثقافة، وإذا كان فيه إعلانات كثيرة، يتم التضحية بهذه الصفحة. الثقافة هي الأساس وتعمل على جمع الناس عكس السياسية التي تفرق الناس.
هل تتفق مع الرأي القائل، بطغيان الإثارة على الإعلام الجزائري اليوم؟
أنا ضد النظرة التحقيرية، التي تعطي الانطباع بأن بعض العناوين تقوم بالإثارة، الصحافة الشعبية هي التي عملت على تأصيل الإعلام وتمهينه، وتوسيع قراءة الصحف ورفع مستوى الفهم للظواهر الاجتماعية، وما نلاحظه اليوم ليس الإثارة وإنما نوع من التهريج في الصحافة الجزائرية.
كما لا يوجد أي مجهود من طرف الصحفي للبحث والتأكد من المعلومات قبل الكتابة، لأن المؤسسات الإعلامية مطلوب منها التفكير في كيفية تحصين القارئ ورفع درجة وعيه بالرهانات.
وزارة الاتصال بصدد التحضير، لتنصيب هيئات لضبط الصحافة، على غرار هيئة سلطة ضبط السمعي البصري (نصبت)، الصحافة المكتوبة ومجلس لأخلاقيات المهنة، إلى أي مدى يمكن التعويل عليها لتطوير المهنة، خاصة مسألة الأخلاقيات؟
أرى أن الحديث عن الأخلاقيات هي هروب من مواجهة الواقع، علينا تطبيق القوانين وإصدار نصوصها التطبيقية، ثم تأتي الأخلاقيات، باعتبارها مسؤولية الصحفيين، لأن الحس المهني لدى بعضهم مازال متأخرا ولم يستطيعوا تنظيم أنفسهم في نقابة أو هيئة للأخلاقيات عكس بعض القطاعات الأخرى، كالطب والمحاماة.
وأما بالنسبة لهيئات الضبط، فيجب التعجيل بتنصيبها، وإصدار النصوص التطبيقية الخاصة بها، ما يجعل من مواد القانون العضوي حبر على ورق.




