تشهد بلادنا تناميا مخيفا لظاهرة الطلاق كلّ سنة، حيث تمّ تسجيل 68284حالة طلاق صدرت بحكم قضائي نهائي في سنة 2018، وارتفع بذلك عدد الأسر المفكّكة والمدمّرة وكذا عدد الأطفال الأبرياء المشتّتين، أطفال يبقى مستقبلهم مرهونا، كلّه باضطرابات وعقد نفسية ومعاناة وغياب للمعالم، وسؤال واحد يطرح نفسه، هل أصبح الطلاق عندنا أمرا محتوما وقدرا لا مفرّ منه، لدرجة أن أصبحت المحاكم ومجالس القضاء الملجأ الوحيد والأخير لتسوية النزاعات؟، مؤسف كون كافة المؤشّرات تدلّ على أن فكّ رابط الزوجية المقدّس أو بالأحرى، المفترض أن يكون كذلك، قد أصبح أمرا عاديا ومعمّما.
أكدت زايدي ليلى، أخصائية نفسية، على هامش يوم دراسي حول التفكك الأسري بدار الشباب تازمالت، في هذا الموضوع، لـ’الشعب’، ‘نحن نسمع كل يوم قصصا بالكاد نصدّقها، تسبّبت في تدمير أسر وعائلات كانت رمزا وتجسيدا للتفاهم والوئام والترابط الاجتماعي، حيث بالفعل، في لمح البصر ومن دون أي سابق إنذار، يتّسع الخلاف بين الزوجين وتغدو الحياة الزوجية مستحيلة الاستمرار، لتنتهي عشرات السنين من الحياة الزوجية أمام المحاكم، حتى أن بعض العلاقات الزوجية، تنفكّ بمجرد مرور بضعة أشهر لأسباب عقيمة، والطلاق يعتبر آفة اجتماعية حقيقية، راحت ضحية حتميّته المفرطة، العديد من العائلات الجزائرية،.
وتشير الإحصائيات مدى انتشار هذه الظاهرة المخيفة، بين نساء ورجال من كافة الشرائح والفئات العمرية والفكرية والاجتماعية، أصبحت المحاكم قِبلتهم، يقايضون فيها صفتهم «كمتزوجين» بصفة «المطلّقين»، وحقيقة الأرقام مرعبة جدّا، فقد شهدت سنة 2018، تسجيل 68ألف حالة طلاق بحكم قضائي نهائي، منها 15ألف حالة خلع في الجزائر، وما من شك في أن هذه الأرقام المرتفعة تعطي فكرة عن مدى، انتشار هذه الظاهرة التي باءت تهدّد المجتمع على وجه العموم والأطفال على وجه الخصوص، حيث يعتبرون أول من يعاني من الآثار الوخيمة لهذا الزلزال العائلي’.
وتجدر الإشارة، إلى ضرورة تسليط الضوء على الارتفاع الشديد لحالات الخلع التي تم تسجيلها، في نفس الفترة، حيث يتحوّل الطلاق الذي من شأنه أن يكون حلّا للزوجين، إلى مشكلة حقيقية للأطفال عندنا، فمشاكل الحضانة والمنحة المعيشية وكذا المحبة والدفء الأسري اللذان يتلقّيان ضربة قوية، تخلّف آثارا أبدية على نفسية الأطفال’.
من جهته قال الأستاذ إيدير عربوش بدوره، ‘أن تكون طفلا لأبوين منفصلين ليس بالأمر الهيّن على الصعيد الاجتماعي، فما بالك على الصعيد النفسي، فلا يمكن أن يكون هناك انفصال للوالدين دون أن يعود ذلك بآثار كارثية على الأبناء، وتتجسّد في اضطرابات سلوكية ظاهرة، فغالبا ما نجد نفس هؤلاء الأطفال يصارعون أمواج المخدّرات، مختلف الجرائم، سوء المعاشرة، والهروب من المنزل بالنسبة للبنات خاصة، دون نسيان التسرّب المدرسي.
علما أن المختصين من أطباء نفسيين وعلماء الاجتماع يؤكدون بشكل قطعي، إلى أن العلاقة القائمة على الاستقرار النفسي والتماسك الأسري، لها أثرها على تصرفات وسلوك الأشخاص، خاصة الأطفال منهم، والمعروف أن الصحة حالة الفرد تكون متكاملة من الناحية الجسدية والمعنوية وحتى الاجتماعي، وهي ثلاثية لا تقبل التجزئة بل تستكمل كل واحدة منها الأخرى.
وفي الوقت الراهن، نتحدث عن ما لا يقل عن 200ألف طفل يدفعون سنويا ثمن أخطاء أوليائهم، وما من شك في أن هذا الرقم يكشف عن هذه المأساة التي تعيشها هذه الشريحة من المجتمع، والتي تجد صعوبات كبيرة في مواصلة طريقها بعد جرح اجتماعي عميق’.



