بيان أول نوفمبر وثيقة سياسية ونضالية أسست لكيان الدولة الجزائرية
أكد الإعلامي والباحث في التاريخ علاء الدين مقورة، الحنكة السياسية والقيادية التي كان يتمتع بها جيل نوفمبر، حيث كان مشبعا بالنضال ومؤمنا بما يفعله تمهيدا للاستقلال فعلا وليس قولا، وهو ما مكنه من التأسيس لبيان سياسي جامع، والذي بات قاعدة أساسية ومرجعية وطنية حقيقية في النضال والسياسة وبناء الدول، والتأسيس لكيان الدولة الجزائرية، مشيرا إلى أن بيان أول نوفمبر كان له الفضل في التعبئة الشعبية للثورة التحريرية ليكون مرجعا للسياسيين وللشعب الجزائري بأكمله.
قال علاء الدين مقورة، في حديث مع «الشعب»، إن جيل نوفمبر بالنسبة له يمثل طفرة وبأنه جيل لن يكرره الزمن. كما أنه يعتبر النخبة التي فجرت مهد الثورة التحريرية المجيدة والتي لم تكن عاجزة لا فكريا ولا قياديا، على اعتبار أنها تدرّجت في المسؤوليات وفي النضال، مشيرا إلى أن معظمهم كانوا مناضلين في «حزب الشعب»، ثم «حركة انتصار الحريات الديمقراطية»… والتي لم تكن أحزابا ذات توجه سياسي وفقط، وإنما كانت مدارس فكرية حقيقية علّمت النضال وأسست لمفهوم الإستقلال، والذي لم يكن موجودا ـ بحسب المتحدث ـ قبل سنة 1919، إلى أن جاء مصالي الحاج الذي أسس لهذا المفهوم.
– الجيل الثاني من القياديين والثوريين…
وأضاف مقورة، أن أغلب مفجري ثورة نوفمبر من أبناء مصالي الحاج ومن المنتمين إلى مدرسته، والتي هي مدرسة الإستقلال، قائلا: «جيل نوفمبر هو الجيل الثاني من القياديين أو الثوريين، بحيث أن الجيل الأول كان ممثلا في مصالي الحاج والدكتور لامين دباغين بقيادة «حزب الشعب». في حين أن الجيل الثاني تمثل في النخبة التي فجّرت الثورة التحريرية، على غرار العربي بن مهيدي، مصطفى بن بولعيد، كريم بلقاسم، رابح بيطاط، محمد بوضياف وديدوش مراد».
وأكد الأستاذ الجامعي، أنها نخبة مكونة سياسيا وقياديا، تمكنت من التأسيس لبيان سياسي جامع، وهو بيان أول نوفمبر الذي ما يزال صالحا إلى يومنا هذا كفكرة وكخارطة طريق لإقلاع سياسي وحضاري حقيقي.
ويواصل الباحث في التاريخ حديثه عن جيل نوفمبر، والذي يرى بأنه طفرة أسس ومهد للإستقلال فعلا وليس قولا، عندما تأكد بأن التنظيم السياسي لا يكفي أمام جبروت المستعمر الفرنسي، ليذهب إلى القتال المسلح وذلك في 1 نوفمبر 1954، والذي تلته عدة تحضيرات ولقاءات جمعت بين مختلف الأطياف السياسية، كجبهة التحرير الوطني وقيادة نوفمبر التي دعت إلى حل جميع التيارات السياسية والانخراط في جبهة التحرير الوطني، ليستجيب بعضهم في الحين وآخرون لاحقا، وفئة ثالثة لم تستجب نهائيا.
وأشار محدثنا، إلى أن ثورة نوفمبر كانت بالنسبة للعالم قلعة ثورية ومثالا يحتذى به في التحرر وفي العمل النضالي، حتى أن أسلوب الثورة كان متميزا جدا للقضاء على المستعمر، حيث لم تكن في معظمها معارك مباشرة. مبرزا أن هذا النوع من القتال قليل، ولم يكن ليعرف في تلك الفترة، قائلا إن جيل نوفمبر كان ذا قيادة حقيقية ملمّا ومستوعبا لما يدور حوله داخليا وخارجيا، وإلا لما كان اختار ذلك التوقيت بالذات لانطلاق الثورة التحريرية المجيدة.
– بداية الثورة والتأريخ للعمل المسلح
أكد المختص في التاريخ، أن هذا الجيل تتلمذ في مدارس «حزب الشعب» والذي كان له جناح عسكري ألا وهو المنظمة الخاصة، والتي كانت جد معقدة في ترتيبها الإداري والمسؤولياتي، مشيرا إلى أن القيادة كانت على تواصل مع القاعدة، دون أن تعرف هذه الأخيرة من تكون القيادة، وهو دليل على قمة السرية وقمة التخطيط، يضاهي في ذلك ما يطلق عليه اليوم «مخابرات الدول».
وأضاف في سياق حديثه، أن المنظمة الخاصة كانت تقوم بعمل احترافي كبير، «حيث يمكن القول إنها كانت بداية الثورة والتأريخ للعمل المسلح، كونها قامت بعدة هجمات ووجهت ضربات قوية لفرنسا، إلا أنه، للأسف الشديد، تم اكتشاف أمرها وحلها وحظرها وهذا ما أدى مباشرة إلى ثورة نوفمبر 1954».
وشدد علاء الدين مقورة، على أن جيل نوفمبر جيل تدرج في المسؤوليات، من حزب الشعب إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية، كما أن معظمهم درس في جمعية العلماء المسلمين ولذلك كان مشبعا بالنضال، ومؤمنا بما يفعله وأدركوا بأن الحق لا يعطى وإنما يؤخذ بالقوة، خاصة أمام عدو فرنسي غاشم مستدمر أراد سلب الحرية والقضاء على الفكر الثوري دون هوادة، مشيرا إلى أن هذا هو المنهج الوحيد الذي آمن به جيل نوفمبر للإقلاع والذهاب نحو الثورة.
وأكد أيضا، أن حزب نجم شمال إفريقيا، ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية، ثم التحتكاك بكبار قادة الحركة الوطنية، على غرار لامين دباغين الذي كان له الفضل في ظهور الجيل الثاني من المناضلين أو جيل الثورة، قائلا ؤنهم كانوا أبناء الحركة الوطنية ثم المنظمة الخاصة ثم جيش التحرير الوطني.
قاعدة أساسية ومرجعية وطنية
في حديثه عن بيان أول نوفمبر. قال الباحث في التاريخ إنه يعتبر قاعدة أساسية ومرجعية وطنية حقيقية في النضال والسياسة وبناء الدول، مؤكدا على أن بيان أول نوفمبر لا يمكن المساس به أو تشويهه، بحيث لا يزال يؤخذ به إلى يومنا هذا، فقط ما حدث خلال الثورة التحريرية من تجاذب وطرح وثيقة موازية والتي هي وثيقة الصومام، ليبقى البيان وثيقة سياسية ونضالية راقية أسس لكيان الدولة الجزائرية، على جميع الأصعدة النضالية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية وحتى الدينية.
ويضيف، بأن البيان مرجعية وطنية خالصة ولا يوجد هناك جزائري يمكن له أن يتبرّأ منه، أو أن يقول إنه غير صالح أو عادل، إلى جانب الإقرار بفضله في حل الكيانات السياسية التي كانت في تلك الفترة وانخراط مسعاها في مسعى جيش التحرير الوطني.
وأفاد مقورة، إن البيان كان له الفضل أيضا في التعبئة الشعبية للثورة التحريرية، ليكون مرجعا سواء بالنسبة للسياسيين أو للشعب الجزائري، بالرغم من أنهم حاولوا تشويهه وإخراجه عن معناه في عدة محطات، غير أنه لم يكن يوما سوى وثيقة سياسية مرجعية يجب العودة لها والتشبث بها، على اعتبار أنها أنقذتهم من براثن الاستعمار الفرنسي وساهمت في انتزاع الاستقلال الحقيقي، قائلا: «إنها سبب ما ننعم به اليوم من أمان واستقرار في هذا الوطن».



