الهيئة التنفيذية الحالية حكومة انتقال وعبور للإنتخابات
يعتقد البروفيسور ‘‘بوحنية عبد القوي’’، عميد كلية العلوم السياسية بجامعة ورقلة، في حديث لـ‘‘الشعب ويكاند’’، أن دور الجزائر الدبلوماسي خلال الأشهر الأخيرة لم يعد يقف موقف المتفرج حيال أزمات دول الجوار والفضاء الإفريقي، سيما في دولة ليبيا الشقيقة.
قال البرفيسور بوحنية، إن الدور الجزائري في ليبيا من خلال دعم إحلال الأمن والعبور من نفق العقلية الميلشياوية وتفكّك وفشل الدولة إلى الممر الآمن والاستقرار، ينسجم مع الدور التاريخي في تسطير ورسم معالم الدبلوماسية الجزائرية، وهو دور هادئ ومتوازن يقف على مسافة واحدة من مختلف فرقاء الأزمة، وبالتالي هذا الدور منسجم مع العقيدة الأمنية والعسكرية، والدبلوماسية والسياسة الخارجية الجزائرية.
عمق استراتيجي
يرى البروفيسور بوحنية عبد القوي أن الحل لأي أزمة يتأتّى من الفرقاء الداخلين، ولوحظ ذلك في التسعينات في النزاع الأريتري الأثيويبي، وأيضا النزاع في مالي وغيره من النزاعات الإفريقية عندما كانت الدبلوماسية الجزائرية تعيش وهجها بتأثير كبير على دول الجوار، واعتبرت آنذاك مفتاح السلم والاستقرار.
والبعد في العلاقات الدبلوماسية الجزائرية الليبية، بحسب البروفيسور، له مبررات ومعطيات معقولة ذلك لكون الدوليتين تشكلان عمق استراتيجي للطرف الآخر، وأكثر من 900 كلم حدود برية يجعل هذه العلاقة يجب أن تتميز بأقصى درجة عالية من التنسيق، سواء الأمني بدرجة أولى، والاقتصادي والسياسي بدرجة ثانية.
كما أن الجزائر لديها بعض المعالم التي ترسم سياستها الخارجية ومنها رفض التدخل الخارجي سواء كانت أطراف إقليمية أو دولية في حل الصراع وفرض أجندة، لذلك الدور الجزائري في ليبيا يأتي ضمن هذا الإطار.
وهج دبلوماسي
أوضح البروفيسور بوحنية عبد القوي أن الجزائر خلال الأشهر الأخيرة أصبحت لا تنظر ولا تقف موقف المتفرج حيال أزمات دول الجوار، وخلال شهرين فقط استقبل وزير الخارجية “رمطان لعمامرة” المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا على هامش زيارته إلى تونس، وتم عقد اجتماع وزراء خارجية جوار ليبيا في شهر أوت، وهو شيء مهم جدا بحيث تم تجميع الدول التي لها علاقات إستراتيجية، وعلاقات جوار مع ليبيا، وكان هناك صك لحسن النية، وحسن الجوار بين هذه الدول، ليأتي دورها الإيجابي من خلال تحقيق الأمن والإستقرار بعيدا عن كل التدخلات.
أيضا زيارة محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي إلى الجزائر في أول زيارة له في 28 جويلية الفارط، وزيارة لعمامرة لمصر في أوت 2021 ضمن إطار دعم الدور الجزائري، وبعد ذلك قام بجولة افريقية لحشد مخرجات مؤتمر جوار ليبيا الذي عقد في الجزائر، بالإضافة إلى تصريح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بعبارة الجزائر رهن إشارة ليبيا لإحلال الأمن والاستقرار ومساعدتها لحلحلة جميع أزماتها.
وقد توّجت كل هذه المراحل وفق المتحدث بما يسمى تفعيل الاتفاقية الرباعية بين ليبيا ودول الجوار في أجندة زيارة لعمامرة التي قام بها إلى النيجر في بداية شهر سبتمبر.
مجموع هذه المعطيات بحسب البروفيسور عبد القوي، تأتي منسجمة مع الدور الجزائري في الدبلوماسية الخارجية خصوصا في إحلال الأمن والاستقرار في ليبيا على اعتبار أنها عاشت أزمات هيكلية منذ إسقاط نظام العقيد القذافي في 2011، وما نتج عنه من انتشار العقلية الملشياوية، وتشظي الدولة إلى حكومتين وبرلمانين وجيشين، وفي حالة استمرار هذا الفشل وعدم الاستقرار سيؤثر ذلك على دول الجوار ومنها الجزائر، بحيث ستدفع ضريبة كبيرة لها علاقة بالشق الأمني تحديدا.
حكومة عبور للانتخابات
يعتقد عميد كلية العلوم السياسية بجامعة ورقلة ‘‘بوحنية عبد القوي’’، أنه يجب أن يُنظر إلى دور الحكومة الليبية الحالية باعتبارها حكومة انتقال أو حكومة تصريف أعمال وليس قارة، وعند التعاطي وفق هذه الرؤية أو الذهنية يُمكن فهم الدور الذي قام به البرلمان الليبي بسحب الثقة من حكومة الدبيبة، لتعتبر حكومة عبور لإجراء الانتخابات التي ستجرى في ديسمبر المقبل، وهذا ناتج عن مجموعة من المعطيات أوضحها رئيس البرلمان عقيلة صالح عندما أشار أن هذه الحكومة لم ترصد لها الميزانية، ودورها محدود ولا يجب أن يتم تضخيمه.
وبحسب البروفيسور بغض النظر عن عدم اعتراف المجلس الرئاسي بعملية سحب الثقة من حكومة الدبيبة، فإن الوضع الليبي أمام معضلة يجب التعاطي معها وفق منطق التنازلات، وبما أن الانتخابات المقبلة على الأبواب يتطلب ذلك تنازل جميع الفرقاء السياسيين وفق أجندة يكون فيها الدولة الليبية هي الغالب الأساس، وتجنّب منطق الغالب والمغلوب، بحيث تخرج ليبيا من عنق الزجاج بأكثر قوة وضمان، برئاسة واضحة، وصياغة دستور مستقبلي يعيد هندسة مشهد سياسي يجعلها تتجاوز عقدة الدولة التي تعيش بالمراسيم والتنظيمات التي يصدرها المجلس الرئاسي. خصوصا إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن سحب الثقة لم يتم من طرف كتلة بعينها دون غيرها، وإنما 89 نائبا من أصل من 113 صوّتوا على القرار، وذلك وفق المادة 194 من النظام الداخلي الصادر سنة 2014، ومجلس النواب له صلاحيات في هذا الصدد ويعتبر هذه الحكومة منتهية الصلاحية، وبالتالي ستتحول مباشرة إلى حكومة تصريف الأعمال تشرف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وتهيئة الجو الملائم للعبور الآمن نحو ليبيا الجديدة.
الحل وفق رؤية ليبية ليبية
أشار البروفيسور ‘‘بوحنية عبد القوي’’ أن بعض الدول لديها أجندات إقليمية ودولية وتحاول قدم الإمكان أن تعوّض الفشل في سياستها ودبلوماسيتها بالتدخل وتقويض عملية الاستقرار في ليبيا، بسبب عدم القدرة على فرض أجندتها في مجال السياسات الطاقوية المستقبلية بما أن الدولة الليبية بترولية بالأساس، مضيفا أن بعض الدول كانت تمد بالسلاح، وتحاول أن تخترق ليبيا أمنيا واستخباراتيا، وشكلت حاضنة للمرتزقة حيث تم تصدير المئات والآلاف من المرتزقة غير الليبيين الذين شكلوا أداة هدم وتقويض للمشروع السياسي والأمني والاقتصادي والدستور.
كما يعتقد البروفيسور أن ليبيا أصبحت أفضل إلى حد كبير مما كانت عليه قبل سنوات، خصوصا مع تعيين رئيس حكومة ومجلس رئاسي، ومجريات توحيد مختلف المؤسسات بما فيها المصرف المركزي ووضع المؤسسات السيادية المرتبطة بالمطارات تحت المؤسسة العسكرية الرسمية المعترف بها دوليا، كما أن توحيد المؤسسات بين شرق ليبيا وغربها من شأنه أن يمركز ويحدد ويضع مقومات الدولة بيد المؤسسات الشرعية التي شأنها أن تفاوض بشكل أكثر قوّة مع المنظمات الإقليمية والدولية.
من شأن الاستقرار في ليبيا بحسب بوحنية، أن تعيد صياغة كثير من الاتفاقيات والتعهدات التي تم ضبطها من دون مراعاة الحالة الليبية، إضافة إلى فرض منطق الدولة والقضاء على الميليشيات المسلحة والتأثير ايجابيا على الاستقرار، وبالمجمل ليبيا في حاجة أن تحل مشاكلها وفق رؤية ليبية ليبية، وليس ليبية بعقلية إقليمية ودولية.





