ذهب تقرير البنك العالمي الأخير، بشأن الجزائر، في اتجاه معاكس للواقع الاقتصادي الحالي الذي تعرفه البلاد، ليس على صعيد الأرقام فقط وإنما على صعيد التوجهات الأساسية. وزعم بمستقبل قريب “أسود” وارتباط “أبدي” بمداخيل المحروقات، ما يجعل من مضمونه بعيدا عن “الحياد” التقني اللازم.
جاء التقرير تحت عنوان “متابعة الوضع الاقتصادي في الجزائر” خريف 2021، في 4 فصول، موزعة على 60 صفحة، يمكن أن يستشف منها خلاصة أساسية هي: “الجزائر ستعود إلى نقطة الصفر”.
والعودة إلى “نقطة الصفر”، لا تقول بها الأرقام أو المؤشرات، وإنما “رغبة” من يقف وراء تحرير التقرير، بطريقة “بالرغم من/ ولكن…”، بدليل أن الملخص التنفيذي يبدأ بعبارة “تمتع بفترة راحة (اقتصادية) مؤقتة”، يليه في متن النص العودة على الأمد المتوسط إلى الهشاشة والصعوبات الجمة.
وبالرغم من أن التقرير استوفى كافة الأرقام والإحصائيات التي أثبت التعافي اللافت للاقتصادي الجزائري في السنتين الأخيرتين، بل وتحدث عن انتعاش وصفه بـ “القوي” في النصف الثاني لسنة 2020 في عز تفشي جائحة كورونا وحالة الإغلاق شبه التام التي طبقتها البلاد، إلا أنه لم يسند توقعاته “السوداوية” بأية أرقام.
وقال: “نتوقع أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 4,1٪ في عام 2021، ثم ينخفض تدريجيا على الأمد المتوسط”، بدون أن يقدم تقديرا ولو تقريبيا.
في وقت توقع صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر في نوفمبر الماضي، نموا بـ 4,5٪ للاقتصاد الجزائر، في ثاني مراجعة له بعدما توقع في أكتوبر نسبة 3,4٪ وقبلها في أفريل بنسبة 2,9٪.
ويحاول البنك العالمي، أن ينقل للرأي العام، أنه “وبالرغم من” أن الجزائر تعرف أريحية اقتصادية واستقرارا لافتا في احتياطي الصرف، “لكنها” لن تستمر لأكثر من سنة إضافية (2022).
وتأتي الفصول الثلاثة الأخرى، بطريقة الصياغة ذاتها، “فبالرغم من” أن الجزائر، قطعا أشواطا جد معتبر في مكافحة الفقر غير النقدي، في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، “لكنها” مازلت تسجل تفاوتا في نسب الفقر من “منطقة إلى أخرى”، معتمدة في قياسه على امتلاك سيارة من عدمه وسرعة تدفق الأنترنت.
وبعد 5 أيام من إشاعة تم تداولها على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أن الجزائر تحتل المرتبة 188 عالميا في جودة التعليم، اتضح أنه خبر كاذب، يصدر تقرير البنك العالمي ليقول إن الفقر غير النقدي في الجزائر يتجلى في قطاعي التعليم والصحة.
ويضيف في الفصل المتعلق بالمخاطر والكوارث، أنه “ورغم” أن للجزائر قوانين للتعامل مع الكوارث الطبيعية، إلا أن “العاصمة المكتظة بالسكان معرضة للزلازل، والتسونامي والفيضانات وانهيار التربة وتآكل السواحل”.
ويحكم التقرير عن مؤسسة بروتون وودز، على أن ارتباط أبدي للاقتصاد الجزائري بالمحروقات، إذ يعتقد أن الأريحية المالية في السنتين الأخيرين وخلال 2022، سببها ارتفاع أسعار النفط لأعلى مستوى منذ 2014، لكن سعر البرميل سيعود للتهاوي سنة 2023.
وتجاهل بشكل غريب، اعتماد الجزائر على نموذج اقتصادي جديد، يدعم الصادرات خارج المحروقات، بدأ يحقق أولى النتائج هذه السنة، ورفع نسبة مساهمة قطاعي الصناعة والفلاحة في الدخل المحلي الخام إلى 12٪ خلال السنتين المقبلتين، ناهيك عن تغاضيه عن قدرة “المقاومة” العالية التي أبدها الاقتصاد الوطني في مواجهة جائحة كورونا.
من الواضح أن الإنشاء التحريري (الاستشرافي) البعيد عن المعايير الموضوعية لمعدي التقرير، يدخل ضمن حرب نفسية تشن على الجزائر، التي تظل آخر معاقل مقاومة “الاستدانة الخارجية”، ويندرج ضمن “أمنيات” و«مخططات” دول ولوبيات معادية لكل ما هو “إيجابي جزائري”.




