مقاربـة تشاركيـــة ومنهجيــة واضحـة ترسـم سياســة عامـــة قويــة
أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر 3، البروفيسور إدريس عطية، أن الحكومة الجديدة مطالَبة اليوم بانتهاج أداء جماعي متناغم مع منطق الجزائر الجديدة وتطلعات أبنائها، ضمن الإطار المرجعي الذي حدده رئيس الجمهورية، والقائم على مقاربة تشاركية ومنهجية واضحة، تعيد بعث روح جديدة في العمل الحكومي وتُرسي سياسة عامة قوية قادرة على استشراف حاجيات المواطن.
وأوضح عطية في حوار خص به جريدة «الشعب» أن تحقيق هذه الرؤية لن يكون ممكناً إلا من خلال اعتماد أدوات فعّالة في تسيير الشأن العام، تقوم أساساً على النجاعة والعمل الميداني، بما يضمن الوصول إلى حوكمة رشيدة تعزز الأداء الحكومي وتحقق التكامل المؤسساتي المطلوب، في انسجام تام مع التحديات الداخلية والتطورات العالمية المتسارعة.
الشعب: ركّز رئيس الجمهورية في أول اجتماع وزاري له على الفعالية والنجاعة والعمل الميداني في تسيير الشأن العام، باعتبارها المنهجية الوحيدة لتحقيق الأهداف المسطرة، ما مدى أهمية هذه الأدوات في الأداء الحكومي؟
إدريس عطية: أعتقد مسألة النجاعة مطلوبة بقوة لأنها عنصر أساسي بالنسبة لأي حكومة تريد تحقيق الفاعلية والنجاعة على مستوى أدائها الحكومي، لهذا كانت الإشارات التي كان رئيس الجمهورية يقدمها في أكثر من مرة واضحة، ويطالب الحكومة بتقديم جهد إضافي في كل مرة لكن هذه المرة ذهب رئيس الجمهورية للمطالبة بالتحرك الميداني وتسيير الشأن العام بكل عقلانية وحكمة، من خلال الاستجابة السريعة لاهتمامات المجتمع الجزائري، ودعم توجهاته ومطالبه في العديد من المسائل خاصة ذات الشأن المحلي.
– فحديث رئيس الجمهورية عن تدبير الشأن العام وضرورة التحرك والعمل الميداني، هو دعوة صريحة منه للحكومة من أجل التقرب من المواطن لفهم حاجاته سيما بالولايات الداخلية، وفي كل أقطار الوطن، من خلال فتح الحوار مع المواطنين والاستئناس بالشركاء الاجتماعيين والمجتمع المدني وحتى جهات اللجان المحلية والجماعات المحلية، لأنها الأقدر على تشخيص مشاكل الساكنة وحاجياتها.
– في المقابل وارتباطا بالخط الوطني والإستراتيجية الوطنية في كل القطاعات لا سيما بالتزامن مع الدخول الاجتماعي، تم تعزيز الحضور على المستوى المحلي والاستجابة السريعة لمطالب الشارع الجزائري، والتي تعد من ضمن توجهات رئيس الجمهورية والتي ربطها في البداية بمفهوم المشاركة عن طريق توطيد علاقة الحكومة بالمجتمع دائما.
فاعليــة ونجاعــة
إلى أي مدى يمكن أن تترجم هذه الركائز الثلاث قدرة الحكومة الحالية على رفع الأداء والمساهمة في تحديد الأولويات؟
الركائز الثلاث التي أكد عليها رئيس الجمهورية تمثل تصورا استراتيجيا لأن الفاعلية والنجاعة عنصران أساسيان في حوكمة الأداء الحكومي ككل، خاصة وأنه بلور منذ 2019 مفهوم الحوكمة الجديدة وعمل على تعزيز جهودها داخل الوطن من خلال محاربة الفساد، تعزيز الأداء والفاعلية، ومن خلال الوصول إلى النجاعة المؤسسية، سواء من خلال هذا التكامل المؤسساتي فيما بين كل الفاعلين في الحكومة أو فيما يتعلق بالمرونة في هذه الأمور، فلا يمكن الحديث عن الفاعلية دون مرونة من خلال التجاوب المنطقي والسريع لحاجات المجتمع الجزائري وبما يتماشى دائما والتطورات العالمية المطلوبة.
– من جهة أخرى، العمل الميداني مهم، فلا يمكن الحديث عن عمل حكومي في المكتب رغم أن ذلك جزء مهم من تسيير الشأن العام، لكن الزيارات الميدانية والعمل والتحرك في الميدان يكشف الكثير من نقاط الخلل والمطالب، وهذا ما يجعل الحرص الجماعي سواء من الحكومة وكل شركائها، أو العناصر الموجودة في الميدان التي تستدعي ضرورة التحرك السريع والفعلي.
– لا بد من التركيز على منهجية واضحة في تسيير العمل، فالربط بين الفاعلية والنجاعة والعمل الميداني هو تركيز على فلسفة منطقية يمكن أن تستجيب لحاجات المجتمع وتسرّع من عملية التكيّف مع العديد من المتطلبات التي تتزامن مع عدة مواعيد خاصة ونحن مقبلون على فصل الشتاء، شهر رمضان، حيث سيكون الثلاثي الأول لسنة 2026 كثيفا بالنشاطات، إلى جانب العديد من التحديات، ما يعني إعطاء مسافة كبيرة من الزمن لتحرك الحكومة والتحضير والتهيؤ لكل المناسبات القادمة، بما يعطي الأريحية لعمل الحكومة ما يعزز الاستجابة لمطالب الشارع الجزائري بكل منطقية عبر استحداث آلية من التجاوب الإيجابي والسريع فيما بين الحكومة والمجتمع.
يقظــة مستمــرة
هل ترى أن الجمع بين هذه الأدوات في تسيير الشأن العام يمكن أن يساهم في تحقيق إدارة جيدة للموارد المالية، المادية والطاقات البشرية، ورسم آفاق جديدة للسياسات العامة تستشرف حاجيات المواطن؟
– بطبيعة الحال عندما نعود إلى الحوكمة فهي عودة إلى الإدارة الرشيدة وحسن التدبير، ما يعني توظيف كامل للقدرات المتاحة – لأن الجزائر بعمقها الجغرافي وبحجمها الديموغرافي وبحجم مواردها وبآمال وطموحات شعبها سيما الشباب -تحتاج إلى إدارة جيدة واستغلال أمثل للموارد المالية والمادية التي تحتويها الجزائر.
– فاليوم الجامعة الجزائرية مثلا تحتوي على أزيد من مليون و800 ألف طالب، وما يقارب 12 مليون متمدرس، أرقام تترجم بأن أزيد من ربع سكان الجزائر متواجدون بالجامعات والمدارس، ما يعني وجود حركية ديموغرافية حيوية كبيرة جدا داخل المجتمع الجزائري، ناهيك على الطاقات البشرية القوية المتواجدة في عالم الشغل، كلها إمكانات ينبغي أن ترتبط بمقاربة تشاركية واحدة وواضحة تساهم في تطوير الجزائر وتعزيز مستوى التنمية اقتصاديا، إذا علمنا أن مستوى التنمية البشرية مرتبط أيضا بمفهوم التنمية المتوازنة بين مختلف جهات الوطن بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب.
– ونؤكد هنا على أهمية التدرج الحقيقي في البنية التحتية وربطها بالبنية الفوقية المرتبطة بالتنمية البشرية وتحسين برامج التعليم والتأكيد على كل القطاعات الاجتماعية المهمة كالتربية مثلما أشرت، ومن خلال التوجه نحو الصحة الجيدة واستكمال بقية المسائل الاجتماعية المتعلقة بالسكن وغيرها من الأمور التي أصبحت تهم المجتمع، فكل هذه الأمور ترتبط بتجسيد المرونة وبابتكار مناصب عمل جديدة وبتوظيف آليات تحقق التوازن فيما بين المجتمع، من خلال هذا الإطار المرجعي الذي يسعى رئيس الجمهورية، إلى بعث روح جديدة وسياسة عامة تكون قوية تستشرف حاجيات المواطن وتستأنس دائما برأيه وبمطالبه بشكل دائم ما يجعل الحكومة تعيش حالة يقظة مستمرة وقريبة من المواطن وتعكس في عملها وأدائها حاجيات المواطن الجزائري.
– وكل هذا إدراكا للتحولات العالمية الكبرى والتطورات التكنولوجية التي لا يمكن الغفلة عنها، كون العالم يتحرك بوتيرة متسارعة ومستويات التنمية أصبحت متفاوتة بين العديد من الدول، وهذا ما يجعل الجزائر تسارع خطاها في سبيل إثبات ذاتها على المستوى الإقليمي وحتى على المستوى الدولي عبر استجابة الحكومة الدائمة لحاجيات المواطن، والربط المنطقي والديناميكي بين تطلعات المواطنين وبين أداء الحكومة.
– فلا يمكن أن تكون الحكومة في مستوى جيد وهي بعيدة عن تطلعات المواطن، لهذا فكل اجتماعات مجلس الوزراء التي ترأسها رئيس الجمهورية راهن فيها على ذلك، وهو ما يدفعه اليوم ليؤكد ربما بنفس جديد وبروح جديدة داخل الحكومة بأن تكون تحركات وأداء الحكومة في مستوى تطلعات المواطن، فلا يمكن اختزال طموحات المواطن في سلوكات معزولة لأي عضو من أعضاء الحكومة، بل لا بد من التفكير والتحرك الجماعي بما يتماشى منطقيا ومستقبل الجزائر وتطلعات أبنائها.





