مواكبة رهانات الاندماج الإفريقي وتعزيز الحضور المؤسساتي
الدواء والسيارات والتجارة الإلكترونية ضمن أولويات الرقابة
عرض مجلس المنافسة، أمس، استراتيجيته الجديدة 2025-2029، التي تهدف إلى تحقيق تطور شامل في مجال حماية المنافسة وتطوير البيئة الاقتصادية في الجزائر، حيث تركز الاستراتيجية على ستة محاور رئيسية تهدف إلى تكريس مكانة المجلس وتعزيز قدراته، إضافة إلى تعزيز ثقافة المنافسة في الأسواق الجزائرية، وتعميق التعاون الإقليمي والدولي في هذا المجال.
ومن خلال هذه الاستراتيجية الطموحة، يسعى مجلس المنافسة إلى تعزيز دور الجزائر في حماية المنافسة والنهوض بالاقتصاد الوطني عبر تبني سياسات قانونية تتماشى مع التطورات الاقتصادية الإقليمية والدولية.
في السياق، أكد رئيس مجلس المنافسة، أحمد دخينيسة، خلال اليوم الإعلامي بالمدرسة الوطنية للإدارة، أن الهدف يتمثل في عرض الاستراتيجية التي صادق عليها المجلس تنفيذا لعهدته الرابعة الممتدة على مدار أربع سنوات، وذلك في إطار الالتزامات الحكومية المنبثقة عن برنامج رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
وأوضح دخينيسة أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى إبراز الدور الحقيقي لمجلس المنافسة من خلال تأهيله والرفع من قدراته، مشددا على أن المجلس يواجه تحديات جديدة مرتبطة بديناميكية المنافسة في السوق الوطنية، لاسيما في ظل الانفتاح على السوق الإفريقية «زليكاف»، وما يرافقه من تحولات اقتصادية كبرى.
وعن أهم المحاور الستة للاستراتيجية، ذكر المسؤول «تكريس مكانة المجلس في الصرح المؤسساتي وبناء قدراته وتأهيله»، إلى جانب نشر ثقافة المنافسة وتعزيزها وترقيتها في جميع الأسواق خاصة (السلع والخدمات)، فضلا عن التعاون مع السلطات الوطنية للمنافسة للدول وخاصة الجهوية والدولية في إطار اتفاقية التبادل الحر الإفريقية (زليكاف)، والمنظمة العربية للتجارة الحرة والاتحاد الأوربي
إلى ذلك، تبرز نقطة الإسهام في الحركة الاقتصادية العامة بالتعاون مع الهيئات الضبطية والوزارات ذات الطابع الاقتصادي، خلال استراتيجية المجلس مع «الإسهام في ترقية الدراسات حول الأسواق ذات الأثر على النمو الاقتصادي والقدرة الشرائية»، و»تأسيس منظومة تكوين ويبحث في سياسة وقانون المنافسة».
التعــاون الإقليمـي والدولـي
وأشار دخينيسة إلى أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة تتطلب الوعي بوجود بروتوكولات واضحة للمنافسة، خاصة مع التوجه نحو إنشاء هيئة إفريقية للمنافسة، وهو ما يجعل من الشراكات التي تنخرط فيها الجزائر، استراتيجية، قائمة على التزامات رسمية صادق عليها رئيس الجمهورية، وليست مجرد علاقات عفوية، وأضاف أن أهم الرهانات الحالية تكمن في تفعيل المجلس وتعزيز قدراته حتى يتمكن من أداء دوره كاملا، بدءا بنشر ثقافة المنافسة لدى المتعاملين الاقتصاديين، والمؤسسات، والقطاعات الوزارية، والهيئات الرقابية الأخرى، باعتبار أن هذه الأطراف هي الفاعل الأساسي في تفعيل آليات المنافسة.
وأوضح دخينيسة أن المجلس، رغم امتلاكه صلاحية الإخطار الذاتي، إلا أن الإخطار غالبا ما يأتي من الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يسمح له بالارتباط بالواقع الحقيقي للسوق، وليس الاكتفاء بمعطيات إحصائية مجردة مؤكدا أن القدرات القانونية للمجلس كبيرة، ما يستدعي القيام بعمل بيداغوجي وتحسيسي واسع.
إطـلاق «برنامج المطابقـة»
وفي هذا الإطار، أعلن دخينيسة عن إطلاق «برنامج المطابقة»، وهو برنامج طوعي موجه للهيئات الوطنية، والمؤسسات الكبرى، وكذا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والناشئة بهدف إشراكها في منظومة احترام قواعد المنافسة، باعتبار أن المنافسة جزء من النظام العام ونواته الأساسية، وحمايتها تمثل رهانا جوهريا.
وبخصوص الممارسات غير المشروعة، أوضح رئيس مجلس المنافسة أن دوره يتمثل في مكافحة الاتفاقيات السرية بين الشركات، حيث قال إن المجلس يخطر من قبل المتعاملين الاقتصاديين مثل التواطؤ على الأسعار وتقاسم الأسواق، وهي ممارسات معروفة على المستوى العالمي، وأشار إلى أن المجلس ليس هيئة تقريرية فقط، بل يعتمد أساسا على الشكاوى المقدمة من المتعاملين الاقتصاديين، خاصة المتضررين منهم، مؤكدا أن نشر ثقافة المنافسة يهدف إلى توعية المتعاملين بحقوقهم القانونية وحقهم في بيئة تنافسية عادلة.
وأوضح المتحدث أن للمجلس صلاحيات قانونية وقضائية واسعة، تشمل طلب المعطيات الرسمية، مؤكدا أن المجلس يمكنه الإخطار الذاتي متى توفرت لديه معطيات حقيقية وموثوقة.
وبخصوص حصيلة القضايا، كشف دخينيسة أن المجلس عالج حوالي 14 قضية، منذ مارس 2025، تاريخ بداية نشاط المجلس الفعلي، أغلبها تتعلق بملفات التركيزات الاقتصادية، موضحا أن القانون يمنع التعسف في استعمال وضعية الهيمنة.
وأضاف أن القانون يشترط الترخيص المسبق والإجباري لكل عملية تجميع أو تركيز تتجاوز 40 بالمائة من السوق، مؤكدا أن أي جهة تقدم معطيات خاطئة تعرض نفسها للعقوبات، موضحا أنه لا تزال بعض القضايا قيد التحقيق، حيث يقوم المقرر برفع تقريره إلى المجلس، الذي يصوت على قرارات تنفيذية ملزمة.
وأشار دخينيسة إلى أن بعض القضايا تتعلق بقطاعات حساسة، مثل الدواء، السيارات، التجارة الإلكترونية، وغيرها من المجالات الجديدة، مؤكدا أن العديد من المتعاملين ما يزالون يجهلون حقوقهم، وهو ما يغذي بعض الديناميكيات السلبية في السوق.
وختم رئيس مجلس المنافسة بالتأكيد على أن الرهان الأساسي يتمثل في تمكين الجميع من معرفة حقوقهم وواجباتهم، والتحكم في المخاطر المرتبطة بمخالفة قانون المنافسة، مذكرا بأن العقوبات قد تصل إلى 12 بالمائة من رقم الأعمال، وهي عقوبات ثقيلة تعكس قوة الإطار القانوني الذي يعمل في إطاره مجلس المنافسة.

