شهد المغرب في 2025، أحداثا وتطورات أثارت جدلا واسعا في المملكة وتسبّبت في اضطرابات غير مسبوقة، مثل حراك “جيل زاد” الذي واجهه النظام المخزني بقمع وعنف غير مسبوقين.
من أهم الأحداث البارزة التي شهدها المغرب في السنة المودعة، الحراك الشبابي لـ«جيل زاد” بين 27 سبتمبر و9 أكتوبر الماضيين، إضافة لأمطار قوية أسفرت عن فيضانات وسيول، خلّفت 37 قتيلا في مدينة آسفي (غرب) وخسائر مادية كبيرة دون أن تحرّك السلطات ساكنا لتخفيف معاناة الضحايا أو الاستجابة لمطلبهم بإعلان المدينة منطق منكوبة.
لم يمرّ الربع الأخير من العام 2025 بردا وسلاما على المغرب بل على العكس تماما، حيث عاشت البلاد لحظات مرعبة بعد أن فاجأتها مظاهرات يقودها شباب يافع، شملت عددا من مدن البلاد، للمطالبة بإصلاح التعليم والصحة ومحاربة الفساد.
المظاهرات التي شهدت منعا من قبل السلطات، شكّلت صدمة للمتابعين والمحلّلين، خاصة من خلال شكلها وحجمها ومطالبها التي تمثلت في “إصلاح قطاعي التعليم والصحة وتعزيز محاربة الفساد”.
وكعادتها، لجأت السلطات المخزنية إلى المقاربة الأمنية – التي لا تعرف سواها -لمواجهة هذا الحراك، وشنّت حملة توقيفات طالت نحو 2480 شخصا، وأصدرت أحكاما سجنية مبالغ فيعا ضدهم، كما تسبّب تدخلها العنيف في تسجيل ثلاثة قتلى وعددا كبيرا من الجرحى.
نار في الهشيم
ورغم توقف الاحتجاجات في الشارع، تواصل حركة “جيل زاد” التعبير عن مواقفها عبر وسائط التواصل الاجتماعي، التي كانت نقطة انطلاقها الأولى، في تفاعل مستمر مع الأحداث التي يشهدها المغرب. وفي هذا السياق، لجأت الحركة إلى التعبير عن تضامنها مع ضحايا الفيضانات في مدينة آسفي، داعية إلى محاسبة كل من تسبب بإهماله أو فساده أو صمته في تحويل الأمطار إلى جنازات جماعية. ونظمت وقفات في عدد من المدن ودعت في أكثر من مناسبة لإخلاء سبيل الموقوفين على خلفية الحراك.
وجاءت احتجاجات الشباب المغربي التي حبست أنفاس المخزن في سياق تفاقم الفوارق الاجتماعية بالمملكة، ولا سيّما بعد الأزمة الصحية وارتفاع التضخّم وتداعيات الجفاف، وانهيار القدرة المعيشية لفئات كبيرة من المجتمع والتي تتجلّى بوضوح من خلال غلاء الأسعار، وقلة فرص العمل، والاختلالات الإدارية، والأمراض البنيوية التي تخترق النظام التربوي والاقتصادي والاجتماعي والصحي، وتفضي إلى تكريس أشكال متعدّدة من الحرمان.
ورغم تراجعها، لا يستبعد المراقبون تجدّد الاحتجاجات وعودتها للظهور من خلال حركات اجتماعية أخرى، مادامت أنّ الأسباب التي فرضت التحرّكات السابقة لم تعالج.
أسباب الانفجار كثيرة
ويرى مراقبون أنّ ما يمنح حركة “جيل زاد” مبرّرًا لاستمرار حضورها في المغرب، هو تركيزها على محاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية، من خلال المطالبة بتحسين الخدمات المرتبطة بالتعليم والصحة. وأضافوا بأن سعي الحركة إلى محاربة الفساد -الذي تؤكّد التقارير الوطنية طابعه البنيوي، من خلال الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح- يزيد الضغط على الحكومة.
للعلم، يضمّ “جيل زاد” الأشخاص المولودين بين عامَي 1997 و2012، ويبلغ عددهم في المغرب نحو 6,9 ملايين نسمة من إجمالي عدد السكان البالغ 8,36 مليون نسمة. وتعدّ هذه الفئة الأكثر تضرّراً من البطالة، فقد كشفت المندوبية السامية للتخطيط، في تقريرها الأخير حول وضعية سوق العمل، أنّ معدل البطالة بلغ 1,13% في الربع الثالث من العام الجاري، مقابل 6,13% في الفترة نفسها من العام الماضي.
ولا يزال معدل البطالة مرتفعاً في صفوف الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، حيث يبلغ 4,38%، كما يظل مقلقاً بين حاملي الشهادات، حيث يتجاوز 19%. وتُسهم هشاشة خدمات الصحة والتعليم في تعميق وضعية هذه الفئة، إذ سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن نبّه إلى أنّ 3,4 ملايين مغربي لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين، من بينهم 5,1 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً.
ولم يتمكّن المغرب خلال السنوات الأخيرة من تحقيق معدل نمو اقتصادي يوفّر فرص عمل كافية لاستيعاب الشباب المقبل على سوق العمل. وتؤكّد قراءات أنّ مطلب توفير فرص العمل سيظلّ مصدر ضغط كبير على الحكومة المخزنية، مشدّدة على أنّ محاصرة البطالة وتوسيع فرص الشغل ستبقى من أبرز القضايا التي تشغل الأسر الفقيرة والمتوسّطة.
سيول وكوارث
ولأنّ المصائب لا تأتي فرادى، فقد ضربت مدينة آسفي غربي المغرب، في ديسمبر الجاري، أمطار قوية أسفرت عن فيضانات وسيول، خلفت 37 قتيلا إضافة إلى خسائر مادية كبيرة. وفضحت هذه الكارثة فشل الحكومة المغربية في إدارة شؤون البلاد والعباد، ما أثار غضب الشعب المغربي الذي استنكر سياسة الاقصاء والتهميش، التي تطاله في وقت ينصب اهتمام المسؤولين على الترويج لصورة زائفة عن المملكة.
وفي ديسمبر أيضا أعلنت محافظة فاس (شمال)، مصرع 22 شخصا وإصابة 16 آخرين، في حصيلة أولية لانهيار مبنيين سكنيين بمدينة فاس، مركز المحافظة.
وأعلنت النيابة العامة المغربية، فتح تحقيق في الحادثة لكشف ظروفها وملابساتها، لكن المغاربية لا يصدّقون وعد النيابة العامة، فكم من كارثة حصلت وكم من تحقيق فتح دون أن يتم الكشف عن نتائجه.
تغلغل صهيوني في كل المجالات
على صعيد آخر، واجه المغرب خلال السنة المنصرمة اختراقا صهيونيا مسّ كل مفاصل الدولة، وأثار نقمة ورفضا شعبيا لسياسة التطبيع، التي لا يمكنها أن تجلب غير الخزي والمصائب.
ورصد تقرير صدر مؤخّرا، اتساع مسارات التطبيع بين المخزن والكيان الصّهيوني بعد 5 سنوات من توقيع “اتفاقيات العار” وتحوّله إلى اختراق “بنيوي” شمل قطاعات استراتيجية وحساسة، وسط جدل واسع حول تهديداته لسيادة المغرب.
ووفقا للتقرير الذي يغطي الفترة ما بين 2020 و2025، فقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين الطرفين نموا متسارعا، في ذروة العدوان الصّهيوني على غزة، مسجّلا أيضا توسّعا “لافتا” في الاستثمارات المشتركة.
وعلى المستوى الدبلوماسي، أشار ذات التقرير إلى انتقال العلاقات من مكاتب اتصال إلى مستوى تمثيل دبلوماسي كامل، فيما كشف عن تصاعد في توظيف الذاكرة اليهودية-المغربية في السياحة والثقافة والتعليم.
و قد حذّرت دراسة أكاديمية حديثة من تعمّق الحضور الصّهيوني في القطاع الزراعي المغربي، معتبرة أنّ هذا التغلغل، الذي تسارع بشكل ملحوظ بعد استئناف العلاقات بين المغرب والكيان الصّهيوني نهاية عام 2020، يطرح تحديات استراتيجية تمسّ السّيادة المائية والغذائية للمملكة. الدراسة، خلصت إلى أنّ التعاون الزراعي بين الجانبين لم يعد يقتصر على نقل تكنولوجيا أو شراكات تقنية، بل تطوّر إلى اختراق بنيوي يمسّ حلقات الإنتاج الأساسية، من البذور والمياه إلى التسويق والتصدير.



