قدّم رئيس الجمهورية، في خطابه أمام ممثلي الشعب بغرفتي البرلمان، صورة شاملة لمسار التحول الاقتصادي الذي تعيشه الجزائر، كاشفًا عن حصيلة ملموسة من الإنجازات، أبرز من خلالها معالم رؤية استراتيجية، تُعدّ –حسب المستشار الدولي عبد الرحمان هادف في التنمية الاقتصادية – عقيدة اقتصادية جديدة.
بالنسبة للخبير الاقتصادي عبد الرحمان هادف، فإن هذا الخطاب هو ترجمة لانتقال تدريجي من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء نموذج تنموي جديد أكثر صلابة وسيادة، اقتصاد يستعيد ثقته بنفسه، لاسيما وأن المعطيات الاقتصادية التي تضمنها تؤكد –حسبه– دخول الجزائر فعليًا في ديناميكية استثمارية غير مسبوقة، تجسدت في انخراط مستثمرين أجانب في أكثر من 300 مشروع استثماري.
وأوضح هادف، في تصريحه لـ»الشعب»، أن هذا المؤشر يحمل دلالتين أساسيتين: الأولى تتعلق بتحسن مناخ الأعمال واستعادة الثقة الدولية في السوق الجزائرية، والثانية تفند خطاب «عزلة الجزائر» عبر وقائع ملموسة على الأرض، معتبرًا أن تراجع معدل التضخم يعكس بداية استعادة التوازنات الكلية، ويؤشر إلى نجاعة الخيارات الاقتصادية المتخذة، رغم السياق الدولي المضطرب، في إطار الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج.
ويعتقد الخبير أن التحول الأبرز الذي أكده الخطاب يتمثل في استعادة الصناعة لمكانتها داخل الناتج الداخلي الخام، بعد سنوات من التراجع الحاد، إذ تم رفع مساهمة الصناعة إلى حدود 10 بالمائة، وهو ما لا يُعدّ مجرد رقم، بل مؤشرًا على نهاية مرحلة «هيمنة الاستيراد» وبداية إعادة الاعتبار للإنتاج الوطني كرافعة أساسية للثروة وخلق مناصب الشغل.
وفي هذا الإطار، يرى هادف أن هذه الديناميكية الصناعية، إذا ما تم تعميقها، ستكون قادرة على تقليص التبعية للخارج وتحسين الميزان التجاري، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مؤكدًا أن البنى التحتية تشكل قاعدة محورية لهذا التحول، وما تحقق في قطاع السكة الحديدية يمثل أحد أعمدته الأساسية.
وبحسب المتحدث، فإن الاستثمار في البنى التحتية ليس هدفًا في حد ذاته، بل أداة استراتيجية لربط الأقاليم، وخفض كلفة اللوجستيك، ودعم تنافسية الاقتصاد، موضحًا أنه عندما تصبح البنية التحتية في خدمة الإنتاج والاستثمار، فإنها تتحول إلى رافعة مباشرة للنمو المستدام. وفي السياق ذاته، أبرز قطاع الصحة والصيدلة واقتصاد المعرفة، حيث تم تحقيق أكثر من 80 بالمائة من الاكتفاء في المواد الصيدلانية، ما يعكس نجاح خيار استراتيجي طال انتظاره يتمثل في «السيادة الصحية».
وقال الخبير إن هذا الإنجاز، الذي برزت أهميته خلال الأزمات العالمية، يضع الجزائر على طريق بناء صناعة دوائية تنافسية وقابلة للتصدير، كما أن بروز 13 ألف مؤسسة ناشئة، بعضها يتمتع بإشعاع دولي، يؤكد أن اقتصاد المعرفة والابتكار لم يعد مجرد شعار، بل واقعا يتشكل، تقوده كفاءات شابة آمنت بقدراتها وبقدرات الوطن.
وأضاف أن المشاريع الكبرى تحولت من الحلم إلى الواقع، فالحديث عن منجم غارا جبيلات، كثالث أكبر منجم حديد في العالم، يعكس تحولًا نوعيًا في مقاربة الثروات الطبيعية: من موارد كامنة إلى مشاريع استراتيجية مهيكلة، وينطبق الأمر ذاته على مشروع فوسفات بلاد الهدبة، الذي يحمل آفاقًا صناعية وتصديرية واعدة، خاصة مع مضاعفة القدرات الإنتاجية.
وتابع بالقول إن هذه المشاريع، إذا ما أُحسن إدماجها في سلاسل القيمة الصناعية، يمكن أن تشكل ركيزة حقيقية لتنويع الاقتصاد.
التحديات الكبرى في أفق التحول
ورغم هذه المكاسب، يبقى مسار التحول الاقتصادي محفوفًا بتحديات جوهرية، في مقدمتها ضرورة تحسين الحوكمة الاقتصادية، وتسريع وتيرة الإصلاحات الإدارية، وتعميق الإصلاح المالي والجبائي.
كما يرى الخبير أن استدامة هذه الإنجازات تقتضي الاستثمار أكثر في رأس المال البشري، وتطوير منظومة التكوين، وربط الجامعة بالاقتصاد الحقيقي، غير أن تحدي الإدماج في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية يبقى –حسبه– عاملًا حاسمًا للانتقال من اقتصاد ناشئ إلى اقتصاد تنافسي.
وتُعدّ هذه نظرة استشرافية إيجابية، إذ يؤكد هادف أن ما يميز المرحلة الحالية هو وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية، والانتقال من منطق التسيير الظرفي إلى منطق البناء الاستراتيجي، مضيفًا أن الجزائر تمتلك اليوم عناصر أساسية للالتحاق بمصاف الدول الناشئة، من موارد طبيعية معتبرة، وقاعدة صناعية قيد التشكل، وطاقات بشرية شابة، ومشاريع مهيكلة كبرى.
ويخلص المتحدث إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان استمرارية هذا المسار، وتعميق الإصلاحات، وتحويل الإنجازات إلى نموذج تنموي متكامل يقوم على الإنتاج، والابتكار، والسيادة الاقتصادية.
ويؤكد في السياق ذاته أن ما يميز المرحلة الراهنة هو وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية، والانتقال من منطق التسيير الظرفي وإدارة الاختلالات إلى منطق البناء الاستراتيجي طويل المدى، مشيرًا إلى أن النموذج التنموي الذي تتجه الجزائر إلى ترسيخه يقوم على جملة من المرتكزات المتكاملة، في مقدمتها تنويع القاعدة الاقتصادية عبر تعزيز الصناعة التحويلية، وتطوير الفلاحة ذات القيمة المضافة، والانتقال التدريجي نحو اقتصاد المعرفة والابتكار.
ترسيخ السيادة الاقتصادية
وأضاف، في هذا الصدد، أن هذا النموذج يستند كذلك إلى ترسيخ السيادة الاقتصادية من خلال التحكم في سلاسل الإمداد الحيوية، وتوطين التكنولوجيا، وتقليص التبعية الخارجية، خاصة في القطاعات الاستراتيجية، كما يرتكز على إعادة تعريف دور الدولة من فاعل اقتصادي مباشر إلى دولة منظِّمة، محفِّزة، وضامنة للعدالة الاقتصادية، بما يسمح بإطلاق طاقات القطاع الخاص والمؤسسات الناشئة، وتعزيز الشراكات الوطنية والدولية على أساس رابح–رابح.
ويقترح الخبير هادف، في الأخير، دعم هذا المسار باستثمار مستدام في رأس المال البشري، عبر إصلاح منظومة التعليم والتكوين وربطها بحاجيات الاقتصاد الحقيقي، بما يجعل من الكفاءة والابتكار رافعتين أساسيتين للنمو، مؤكدًا أن الجزائر تمتلك اليوم مقومات حقيقية للالتحاق بمصاف الدول الناشئة، شريطة الحفاظ على وتيرة الإصلاح، وضمان الانسجام بين السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وتحويل الإنجازات القطاعية إلى ديناميكية تنموية شاملة ومستدامة.







