من “مناطـق ظـل” إلى إسهام حقيقي في الاقتصاد الوطني
عاشت ولايات الجنوب خلال سنة 2025 على وقع نشاط تنموي مُلفت، عكس توجّهات السلطات العليا للبلاد بجعل هذه الولايات أقطاباً اقتصادية، ثقافية واستثمارية واعدة، وأفضت الى تحويل هذه الولايات الى ورشات مفتوحة على الهواء الطلق وفضاءات حقيقية لتجسيد مشاريع اقتصادية كبرى، في صورة رسمت معالم انتقال تدريجي لهذه الولايات من موقع “مناطق ظل” الى موقع مساهم حقيقي في الاقتصاد الوطني.
شهدت ولايات الجنوب تحوّلاً نوعياً في مسارها التنموي، لتشيّد بذلك صفحة فارقة في تاريخ المنطقة التي لطالما كانت تحدّياتها كبيرة، ومؤهّلاتها أكبر، من خلال إنجاز العديد من المشاريع في كلٍ من تندوف، أدرار، تمنغست، وإليزي وما انبثق عنها من ولايات منتدبة وأخرى كاملة الصلاحيات، أكّدت مرة أخرى أن الجنوب لم يعد هامشاً على خارطة التنمية الوطنية، بل أصبح واجهة ناصعة ووجهة استثمارية وتنموية حقيقية.
شكّلت المشاريع المنجزة بولايات الجنوب تذكرة عبور نحو مرحلة أخرى من النهضة الشاملة التي تنشدها السلطات العليا، فمن توسعة شبكة الطرقات، الى استكمال أجزاء كبيرة من الخط المنجمي الغربي الرابط بين بشار وغار الجبيلات على مسافة 950 كلم من السكك الحديدية والتحضير لإنجاز خط مماثل بالجنوب الشرقي، وصولاً الى إنشاء أول مصنع لمعالجة خامات الحديد بغار الجبيلات الذي وضع حجر أساس لصناعة الصُلب ببلادنا، كلّها مشاريع شكّلت دفعة قوية للاقتصاد المحلي بصبغة وطنية.
ولم تتوقّف قاطرة التنمية بولايات الجنوب على البنية التحتية أو النشاط المنجمي فحسب، بل امتدت لتشمل الجانب الفلاحي الذي عرف هو الآخر انتعاشاً كبيراً بولايات الجنوب، مدفوعاً في ذلك بحزمة من الامتيازات والتسهيلات الممنوحة للفلاحين بهذه المناطق من دعم للكهرباء الفلاحية وتذليل العقبات الإدارية للحصول على العقار واستيراد الجرارات الفلاحية، ما أسال لعاب مستثمرين من قطر وتركيا، وأدى الى توسّع المساحات المزروعة من القمح والخضروات الموسمية.
تزامنت كل هذه الحركية مع تحسين للخدمات الصحية بولايات الجنوب عبر تدعيم المستشفيات بالمعدّات الحديثة، وتكثيف زيارات الفرق الطبية المتخصّصة لمستشفيات الجنوب، وفتح مراكز إستشفائية جديدة قلّصت من عناء تنقّل المرضى الى ولايات الشمال، الى جانب ذلك، شهدت ولاية تندوف ترقية المركز الجامعي علي كافي الى جامعة، ما سيتيح فتح تخصّصات تتماشى مع خصوصية المنطقة ضمن استراتيجية وطنية تهدف الى الرفع من كفاءة المؤسسات الجامعية بولايات الجنوب حتى تلائم وتيرة التنمية التي تشهدها هذه المناطق.
وفي ذات السياق، لم تغب ولايات المنيعة، الوادي، عين صالح وتقرت عن هذا النسق التنموي الجهوي، حيث شهدت إنجاز مشاريع كبرى تهدف الى تثمين المؤهلات المحلية وتسخيرها لخدمة النشاط الفلاحي، وهو ما تم تحقيقه بنجاح بعد ارتفاع إسهامات هذه المناطق في الناتج المحلي، وتوفير العديد من مناصب الشغل الدائمة والمؤقتة.
المشاريع الكبرى المنجزة بولايات الجنوب خلال سنة 2025، كانت الدليل القاطع والحجة الدامغة على الاهتمام البالغ الذي توليه السلطات العليا لهذه المناطق، حيث بات واضحاً للعيان أن ما تشهده ولايات الجنوب من تنمية لم يعد مقتصراً على الدعم الاقتصادي أحادي الجانب، بل يمثّل منظومة متكاملة جمعت بين العديد من القطاعات من صناعة، فلاحة، بنية تحتية وخدمات، ما عزّز من حضور ولايات الجنوب كرافعة اقتصادية مهمة ومساهم فعلي في الاقتصاد الوطني، وأسّس لمرحلة جديدة من تقليص الفوارق التنمية بين الشمال والجنوب.



