أكد الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي، مراد كواشي أن خطاب رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في شقه الاقتصادي، اتسم بوضوح الرؤية واعتماد منهج المكاشفة، من خلال لغة مباشرة قائمة على الأرقام والمعطيات الدقيقة، وهو ما منح الخطاب طابعا واقعيا يعكس مقاربة عملية في إدارة الملفات الاقتصادية الوطنية، مشيرا إلى أن البعد الاقتصادي طغى بوضوح على مجمل محاور الخطاب، سواء من حيث تشخيص الوضع الراهن أو استعراض الإصلاحات المنجزة والآفاق المستقبلية.
أوضح كواشي أن رئيس الجمهورية قدّم قراءة شاملة لمختلف القطاعات الاقتصادية، مبرزا عناصر القوة التي بات يرتكز عليها الاقتصاد الوطني، وفي المقابل، لم يُخفِ التحديات والنقائص التي لا تزال قائمة، ما يعكس -حسبه – إرادة سياسية تقوم على الاعتراف بالاختلالات ومعالجتها ضمن رؤية تدريجية بعيدة عن الخطاب الإنشائي.
ويرى الخبير الاقتصادي أن حديث رئيس الجمهورية عن تحسن مناخ الأعمال وبيئة الاستثمار شكل أحد أبرز محاور الخطاب خاصة عندما استند إلى أرقام دقيقة، في مقدمتها تسجيل أكثر من 309 مشاريع استثمارية مملوكة كليا لمستثمرين أجانب أو في إطار شراكات جزائرية أجنبية، مفيدا أن هذا المعطى يعكس تحسن صورة الاقتصاد الجزائري واستعادة عنصر الثقة لدى الشركاء الدوليين.
وأشار إلى أن المستثمر الأجنبي لا يختار وجهته الاستثمارية بدافع العاطفة، وإنما بناءً على حسابات تتعلق بالاستقرار والربحية والضمانات القانونية، مضيفا أن قدوم هذا العدد من المستثمرين يعكس نظرة إيجابية للاقتصاد الوطني في ظل التحولات الاقتصادية الدولية المتسارعة.
وأرجع الأستاذ مراد كواشي هذا التحسن إلى سلسلة الإصلاحات التشريعية التي باشرتها الدولة خلال السنوات الست الأخيرة، وعلى رأسها قانون الاستثمار الجديد، إلى جانب قانون العقار الاقتصادي، وقانون المقاول الذاتي، وتحيين قانون المحاسبة العمومية، فضلًا عن القانون النقدي والمصرفي الجديد الذي يهدف إلى عصرنة المنظومة المالية وتسهيل تمويل المشاريع.
وفي السياق ذاته، شدد الخبير الاقتصادي على أن تحسين مناخ الأعمال لم يقتصر على الجانب القانوني فقط، بل شمل أيضًا تطوير البنية التحتية من طرقات وسكك حديدية وموانئ، إضافة إلى تسريع رقمنة الإدارات، وهو ما ساهم في تقليص البيروقراطية وتحسين مناخ الاستثمار ميدانيًا.
وتوقف كواشي عند المشاريع الكبرى التي استشهد بها رئيس الجمهورية، وعلى رأسها المشروع الجزائري، الإيطالي، القطري للصناعات اللبنية بقيمة 3.5 مليار دولار، والمشروع الجزائري، الإيطالي، للزراعات الاستراتيجية في تيميمون بقيمة تفوق 420 مليون دولار، معتبرا أن هذه المشاريع تعكس توجّه الدولة نحو تحقيق الأمن الغذائي وتنويع الاقتصاد.
كما أشار إلى تسجيل أكثر من 19 ألف مشروع استثماري لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، معتبرًا أن الجزائر باتت قريبة من تحقيق الهدف المسطر والمتمثل في تسجيل 20 ألف مشروع، وهو ما يعكس – حسبه – ديناميكية اقتصادية متصاعدة.
وعلى صعيد القطاع الصناعي، أكد مراد كواشي أن خطاب رئيس الجمهورية حمل مؤشرات إيجابية، خاصة فيما يتعلق بارتفاع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الخام إلى 10 بالمائة بعد أن كانت لا تتجاوز 3 بالمائة، معتبرًا أن هذا التطور يعكس بداية تحول هيكلي في الاقتصاد الوطني، مع التأكيد على أن بلوغ نسبة 14 إلى 15 بالمائة يتطلب مواصلة الإصلاحات وتشجيع الصناعات التحويلية.
وفي هذا الإطار، أشاد الخبير الاقتصادي بالمكانة التي بلغتها الصناعة الصيدلانية، التي أصبحت تغطي نحو 80 بالمائة من احتياجات السوق الوطنية، معتبرًا إياها نموذجًا ناجحًا للسياسة الصناعية الجزائرية، خاصة وأن قرابة ثلث المؤسسات الصيدلانية الناشطة في إفريقيا تتواجد في الجزائر.
أما بخصوص المؤشرات الاقتصادية الكلية، فقد اعتبر كواشي أن الحفاظ على معدل نمو يفوق 4 بالمائة، خلال السنوات الأخيرة، يُعد إنجازا مهما في ظل الظروف الاقتصادية العالمية، كما ثمّن التحكم في التضخم وخفضه من 9 إلى 3 بالمائة.
وفي تحليله للقطاع الفلاحي، أوضح الأستاذ مراد كواشي أن الفلاحة أصبحت ثاني أكبر قطاع مساهم في الاقتصاد الوطني بعد الطاقة، بقيمة إنتاج تناهز 37 مليار دولار، أي ما يعادل 15 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى إنشاء 15 ألف مؤسسة فلاحية، ما يعكس تحول الفلاحة إلى قطاع اقتصادي منظم.
غير أن الخطاب – يضيف كواشي – لم يُغفل التحديات، وعلى رأسها شعبة إنتاج اللحوم، التي لا تزال تمثل نقطة ضعف تستدعي إصلاحات هيكلية عميقة لتقليص فاتورة الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وفي قراءة أوسع لآفاق المرحلة المقبلة، يرى الخبير الاقتصادي مراد كواشي أن خطاب رئيس الجمهورية حمل إشارات تتعلق بضرورة ترسيخ التحول الهيكلي للاقتصاد الوطني، والانتقال من منطق التسيير الظرفي إلى منطق التخطيط بعيد المدى، مشيرًا إلى أهمية مرافقة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من حيث التمويل، التكوين، وتحسين مناخ الإنتاج، بما يسمح برفع الإنتاجية وتعزيز الصادرات خارج المحروقات.
وفيما يخص قطاع المناجم، أبرز الخبير الاقتصادي الأهمية الاستراتيجية لمشروع غارا جبيلات، ثالث أكبر منجم حديد في العالم، معتبرًا أن استغلاله وربطه بسكة حديدية تفوق 900 كلم وبأيادٍ جزائرية يعكس قدرة الدولة على تجسيد المشاريع الكبرى. كما توقف عند مشروع الفوسفات بشرق البلاد، الذي سيضاعف قدرات الإنتاج ويوفر مداخيل إضافية معتبرة، بما يدعم مسار تنويع الصادرات.
وأشار الأستاذ مراد كواشي إلى أن خطاب رئيس الجمهورية حافظ على البعد الاجتماعي كخيار ثابت في السياسات العمومية، من خلال مواصلة دعم القدرة الشرائية، وإقرار زيادات في الأجور والمعاشات، وتعزيز منح البطالة، إلى جانب إنجاز 1.7 مليون وحدة سكنية خلال العهدة الأولى، فضلا عن الحفاظ على مجانية التعليم والصحة.
وأضاف أن هذا التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية يعكس مقاربة تقوم على الجمع بين متطلبات النجاعة الاقتصادية والبعد الاجتماعي، بما يعزز استقرار الجبهة الاجتماعية ويدعم مسار الإصلاحات الاقتصادية في المدى المتوسط.







