كلنا يعرف ما حصل من ثورة تكنولوجية هائلة، باختراع أنترنيت، وما تلا ذلك من ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وصولا إلى تكنولوجيات الذكاء الصناعي. وهذه التقانة بالذات باتت تهدد وجود بعض التقنيات والمهارات (كالاستشارات، والتدقيق اللغوي، والترجمة النصية والفورية…)؛ بل إن الكتابة في حد ذاتها باتت مهددة!
والكتابة نقصد بها التأليف مهما كان نوعه، سواء العلمي أو الأدبي، ومهما كانت طريقة تقييده، بالصوت أو بالحرف، على الأوراق أو على الحاسوب.
إن إحساسنا بأن الكتابة في خطر، سببه أن الذكاء الاصطناعي يمنحنا -بالمجان – فرصة كتابة أشياء بسيطة ومعقدة بطلبها منه وتخصيص المطلوب قدر الإمكان. وليس الرهان الوحيد هو عامل الزمن، بل إن هذا الذكاء قد بلغ مستوى يستطيع فيه تلفيق أسلوب ولغة تقارب قدرة الذات البشرية. ولا يختلف أحد على القفزات الهائلة التي حققها هذا الذكاء وما يزال يحققها، بعيدا عن الأصوات التي تنتقده وتحاول غض الطرف عن تقدماته الهائلة والمخيفة بحق!
إن الكتابة كنشاط إبداعي، سواء في شقه التواصلي، أو الإخباري، أو الجمالي، لا يمكن أن تهدد حصونه، إلا إذا كان مكمن الخوف من أن تبلغ الآلة أداء الذات البشرية، أو أن تتفوق عليها.
وفي كل الحالات، ليست المرة الأولى التي نشهد فيها تفوق الآلة على العقل البشري في جانب من الجوانب، فالآلة الحاسبة تحسب أسرع من أي إنسان على المعمورة، والحاسوب يقوم بعمليات معقدة ويحفظ أشياء تعجز عن حفظها أعتى ذاكرة بشرية على وجه الأرض. فالجديد الذي جاء به الذكاء الاصطناعي هو قدرته على التخييل والابتكار، وإن كنا لا نمنح للذكاء الاصطناعي العلامة الكاملة في هذا الباب. لكن مع النتائج المبهرة التي يمنحنا إياها، لا نرى أنه قد بلغ القدرة على استنساخ الأداء البشري لغة وأسلوبا وبصمة ونزعة (رؤية، ثقة، غرور، تواضع..)، فهذه الأشياء من المستحيل على الآلة أن تكتسبها وإلا غدت إنسانا!
ما نحن مطالبون بفعله والحال هي الحال، أن نستغل هذه التقانة للتطوير من قدراتنا ومهاراتنا، وربح الوقت في سبيل تحقيق ذلك، والكتابة هي إحدى تلك القدرات وواحدة من تلك المهارات التي تتطلب تطويرا وتهذيبا وتشذيبا، والذكاء الاصطناعي ما لم يتم تغذيته بمواد جديدة سوف يكرر نفسه حتى يبلغ نقطة لا يتقدم فيها أبدا، فهي نتاج لتراكم معرفي من خلق العقول البشرية، ومهما يحاك من حوله من خرافات فهو من عمل البشر، فالخوف إذن ليس من الآلة، بل بمن يبرمجها.





