المسـرح الجزائـري.. أصالـة متجذرة وآفـاق متجــدّدة
يشهد المشهد المسرحي في الجزائر حركية فنية لافتة، تتجسّد في اختتام مواسم التنافس بتتويجات مستحقة، والتحضير لمحطات دولية كبرى، فضلا عن ضبط رزنامة غنية لتظاهرات مسرحية قادمة، فبينما أُسدل الستار على المهرجان الوطني للمسرح المحترف بتتويج المسرح الوطني الجزائري عن “جنازة أيوب” في دورة عكست تنوّع الإبداع بين النص والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا، تستعد ولاية بجاية لرفع راية الجزائر في القاهرة من خلال مسرحية “المفتاح” التي ستشارك في مهرجان المسرح العربي، حاملة معها رؤية فنية تعيد مساءلة الهوية والقضية الفلسطينية على ركح عربي واسع.
وتحضر تندوف ـ من جهتها – لاستقبال مبدعي المسرح الثنائي والثلاثي في طبعة دولية جديدة تعوّل على تجارب مكثفة بعدد محدود من الممثلين، وبأثر جمالي وفكري مفتوح على كل إمكانات الإبداع، بما يجعل الخريطة المسرحية الجزائرية اليوم تمتد بين العاصمة والجهات والحدود، في تداخل لافت بين المحلي والعربي، وبين تثمين المنجز وترسيخ تقاليد جديدة في الممارسة المسرحية.
”جنازة أيــوب”.. عــرض مسرحي متكامـل
في ليلة احتفالية أسدلت الستار على عشرة أيام من التنافس الشديد، توّجت مسرحية “جنازة أيوب” بالجائزة الكبرى للمهرجان الوطني الثامن عشر للمسرح المحترف، وقد منحت لجنة التحكيم، التي ترأسها نور الدين عمرون، جائزة “أحسن عرض متكامل” لهذا العمل الذي أنتجه المسرح الوطني الجزائري، وهو من نص وإخراج أحمد رزاق.
وشهدت احتفالية الاختتام توزيع جوائز نوعية عكست تنوّع الإبداع المسرحي؛ حيث عادت “جائزة لجنة التحكيم الخاصة” لمسرحية “الهشيم” لطلبة المعهد العالي لمهن فنون العرض، بينما نالت مسرحية “إبادات” لمسرح سيدي بلعباس الجهوي جائزة “عرفان وتقدير”.
وفي الجوائز الفردية والتقنية، تألقت موني بوعلام بجائزة “أحسن إخراج” عن مسرحية “كرنفال روماني” (مسرح قسنطينة)، وتقاسم اليامين بن تومي وحميد علاوي جائزة “أحسن نص”، أما السينوغرافيا، فقد افتك حمزة جاب الله جائزتها عن مسرحية “بونكا بروماكس”، وحصد عبد القادر صوفي جائزة التأليف الموسيقي.
على صعيد الأداء التمثيلي، توّج عميروش مرابط بجائزة “أحسن أداء رجالي” عن دوره في “فلسطين المغدورة” (مسرح تيزي وزو)، بينما تقاسمت فريال مجاجي وفريزة شماخ جائزة “أحسن أداء نسائي”، كما نال عبد المنعم خلادي وفاتن قصار جائزتي الأدوار الثانوية، ما يعكس قوة التشخيص في هذه الدورة.
”المفتـاح”.. سفـير الجزائــر بالقاهــرة
وفي سياق التميز الدولي، تستعد مسرحية “المفتاح”، المنتجة من طرف مسرح “عبد المالك بوقرموح” الجهوي ببجاية، لتمثيل الجزائر في الدورة الـ16 لمهرجان المسرح العربي، المزمع عقده في القاهرة (مصر) في الفترة الممتدة من 10 إلى 16 جانفي 2026.
أوضح بيان لهذه المؤسسة الثقافية، أن المسرح يستعد للمشاركة في الدورة الـ16 لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة، من خلال العرض المسرحي “المفتاح” ضمن الأعمال التي ستمثل الجزائر في هذا “المحفل العربي الكبير”.
وأشار إلى أن اختيار لجنة مهرجان المسرح العربي لمسرحية “المفتاح” يعتبر “تتويجا لقيمة العمل الإبداعي وجودته الفنية، تأكيدا لحضور المسرح الجزائري وقوة مساهمته في الساحة العربية من خلال أعمال متجدّدة وطاقات فنية متميزة”.
وبخصوص المسرحية التي أنتجها المسرح الجهوي “عبد المالك بوقرموح” ببجاية بدعم من وزارة الثقافة والفنون خلال سنة 2025، فهي تتشكّل من ثمانية مشاهد أخرجها زياني شريف عياد.
وتعتبر “المفتاح” التي تدور أحداثها حول القضية الفلسطينية، عمل مسرحي “يزاوج بين الدراما والموسيقى والباليه، ليعيد مساءلة الهوية والذاكرة، ويجعل من فلسطين قلب الحدث ورمزا للمقاومة والأمل”، وفق ذات البيان.
للإشارة، تعرف هذه الدورة لمهرجان المسرح العربي مشاركة 16 عرضا مسرحيا ممثلة لعدة دول منها الجزائر، تونس، العراق، الأردن، قطر، لبنان ومصر.
تنــدوف.. موعـد الإبـداع مــارس المقـــبل
«من جهة أخرى، وفي خطوة الحركة المسرحية في الجنوب الجزائري، أعلن الفريق التنظيمي لـ«الأيام الدولية للمسرح الثنائي والثلاثي” عن الاستعدادات المكثفة لإطلاق النسخة الثانية من هذه التظاهرة الفنية في ولاية تندوف، وذلك مع نهاية شهر مارس المقبل، ولقد كشفت “جمعية النسور للمسرح”، الجهة المنظمة للحدث، عن فتح باب الترشّح والمشاركة أمام الفرق المسرحية الراغبة في خوض غمار هذه التجربة، حيث اختارت لهذه الدورة شعارا يحمل دلالات فنية وفلسفية عميقة: “عدد محدود على المسرح.. أثر بلا حدود في الإبداع”؛ وهو الشعار الذي يبرز جمالية وصعوبة العمل المسرحي الذي يعتمد على طاقة الممثلين المختزلة في ثنائيات أو ثلاثيات لصنع فرجة بصرية وتأثير درامي غير محدود.
ولضمان مستوى فني يليق بطموحات المهرجان، وضعت اللجنة التنظيمية جملة من المعايير الصارمة لقبول العروض، تشمل ضرورة تقديم ملفات وافية تتضمن ملخصات، صورا، وفيديوهات تبرز جودة العمل، مع التشديد على الجاهزية التقنية للديكور والإضاءة، مع التشديد على احترام الثوابت الوطنية والدينية. وقد تكفلت إدارة المهرجان بمسؤولية النقل الداخلي، الإطعام، والإقامة، داعية المهتمين للتواصل عبر منصاتها الرسمية، في خطوة تهدف لترسيخ الفعل المسرحي في الجنوب الجزائري.
في المحصلة، تكشف هذه المحطات الثلاث (اختتام المهرجان الوطني الثامن عشر للمسرح المحترف، عودة الأيام الدولية للمسرح الثنائي والثلاثي بتندوف، واختيار “المفتاح” لتمثيل الجزائر في مهرجان المسرح العربي بالقاهرة) عن حركية لافتة يعيشها المسرح الجزائري، تقوم على التلاقي بين ترسيخ التقاليد الفنية، وفتح آفاق جديدة للتجريب والانفتاح، فهي تظاهرات تؤكد تنوّع الفعل المسرحي، وتُبرز حضور أجيال مختلفة من المبدعين في فضاءات محلية وعربية متزايدة الاتساع.
وتدل هذه الدينامية على أن الركح الجزائري قادر على تجديد لغته الجمالية، وعلى احتضان قضايا إنسانية وفكرية في مقدمتها القضية الفلسطينية، والمحافظة على الثوابت الوطنية والهوية الثقافية.






