تيغرسي لـ”الشعب”: تقوية الإنتاج بعيدا عن هيمنة قطاع المحروقات
حمل خطاب رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، للأمّة أمام غرفتي البرلمان، مع نهاية سنة 2025، رسائل وأبعادا اقتصادية، تعكس انتقالا من خطاب النوايا إلى خطاب النتائج، وتؤسّس لرؤية تعتبر الاستثمار والصناعة والتصدير ركائز المرحلة المقبلة، وتربط الأداء الاقتصادي بالطابع الاجتماعي والسيادة الوطنية.
اعتبر متابعون وخبراء أنّ الخطاب السّنوي الأخير لرئيس الجمهورية يؤشّر، صراحة، على أنّ الجزائر تسعى في المرحلة القادمة إلى تثبيت المكاسب وتحويلها إلى نمو مستدام، لا مجرّد تحسن ظرفي في المؤشرات. ويتّضح من الخطاب، حسب هؤلاء، أنّ الحكومة تستعد لمرحلة أكثر تطوّرا في السنوات المقبلة، معتمدة على جيل جديد من الفاعلين الاقتصاديين وروّاد الأعمال الشباب، وعلى دور التحول الرقمي والسيادة التكنولوجية في تحقيق التنمية العادلة والمستدامة، واستراتيجية تجارية قائمة على تلبية الحاجيات الوطنية، وأكثر توجّها نحو الأسواق الخارجية.
وفي السّياق، قدّم الخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغرسي، في تصريح لـ “الشعب”، قراءة في ملامح المرحلة الاقتصادية الحاسمة وما تحمله من مؤشّرات وأرقام وتوقّعات، تضمّنها خطاب رئيس الجمهورية الأخير أمام البرلمان بغرفتيه، مؤكّدا أنّ الجزائر دخلت مرحلة حاسمة من التحول الاقتصادي، تتميز بديناميكية كبيرة في الاستثمار وخلق فرص الشغل، مع السعي إلى تنويع الاقتصاد، وتقوية القطاعات الإنتاجية بعيدا عن الهيمنة الكاملة لقطاع المحروقات.
وذكر تيغرسي ببعض الأرقام التي وردت في خطاب الرّئيس، من أبرزها تسجيل ما يقارب 1900 مشروع استثماري، بقيمة إجمالية بلغت حوالي 8242 مليار دينار جزائري، ما يعادل 61 مليار دولار خلال فترة قياسية، ممّا أسهم في خلق نحو 500 ألف منصب شغل. كما أشار إلى ارتفاع مساهمة قطاع الصناعة في الناتج الوطني الخام إلى حوالي 10 %، مع طموح لرفعها إلى 13 % في السنوات المقبلة، وبلوغ نسبة تغطية السوق الوطنية بالأدوية المنتجة محليا نحو 82 %، وهو مؤشّر على تقدّم الصّناعات التحويلية.
ومن أجل دعم أكبر لهذه الأرقام، استدلّ تيغرسي ببيانات رسمية وتقارير دولية حديثة، توضّح أنّ الاقتصاد الجزائري يسجّل مؤشرات نمو إيجابية رغم التحديات الخارجية، حيث قفز معدل النمو الاقتصادي من 3.6 % سنة 2024 إلى 4.1 % سنة 2025، مع استمرار توسّع النشاط الاقتصادي خارج قطاع المحروقات، وتوسّع النشاط غير النفطي بنسبة 4.8 % في 2024، مدفوعا بنمو قطاعات الصناعة والخدمات والزراعة، مع تراجع الضغوط التضخمية إلى مستويات معتدلة.
مرحلــة حاسمــة وانتقـال هيكلي
أشار تيغرسي إلى تركيز واضح، خلال المراحل القادمة، على تعزيز الاستثمار المنتج وتنمية القطاعات الصناعية والزراعية والخدماتية، بما يسهم في زيادة الصادرات غير النفطية، وتقليص الاعتماد على عائدات المحروقات.
وينتظر أن تسهم الإصلاحات الهيكلية في تحسين مناخ الأعمال وجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي، ما يعزّز قدرة الاقتصاد على توفير فرص شغل كافية للشباب، وتقليل نسب البطالة التي تبقى واحدة من أكبر تحديات القوى العاملة، حسب المتحدث، الذي أشاد بالدعم المستمر للقدرة الشرائية للمواطن عبر استقرار الأسعار، ممّا يسهم في تعزيز الثقة في الاقتصاد المحلي وتحسين مستوى المعيشة، مبرزا أنّ المرحلة الحالية لا تعد مجرد فترة انتقالية ظرفية، بل مرحلة بناء اقتصادي متين ومتماسك، تُكرَّس فيها أهمية قصوى لكل من الإصلاحات الهيكلية، التماسك الاجتماعي، وتعزيز الاستقرار السياسي كقاعدة لتحقيق نمو مستدام يعكس تطلّعات المواطنين خلال السنوات القادمة.
وفي هذا السّياق، أكّد رئيس الجمهورية من خلال خطابه أنّ الجزائر دخلت مرحلة اقتصادية حاسمة، لا باعتبارها ظرفا مؤقّتا مرتبطا بأسعار المحروقات، بل كمرحلة انتقال هيكلي تهدف إلى إعادة بناء النموذج الاقتصادي الوطني، وهو ما يعتبره الخبير ترجمة لإرادة سياسية مكّنت الجزائر من تخطي مرحلة تسيير الأزمات إلى مرحلة ترسيخ اقتصاد منتج قائم على الاستثمار والقيمة المضافة بدل الريع والإنفاق العمومي غير المنتج.
ديناميكية الاستثمار كمحرّك للنّمو
وبخصوص الإصلاحات التي مسّت مناخ الأعمال، أوضح تيغرسي أنّها بدأت تعطي نتائج ملموسة، من خلال تسجيل آلاف المشاريع الاستثمارية قيد الإنجاز أو التي دخلت حيّز النشاط، وتحسن جاذبية الاقتصاد الوطني للاستثمار الخاص، الوطني والأجنبي، وتبسيط الإجراءات الإدارية وربط القرار الاستثماري بمبدأ الفعالية بدل التعقيد البيروقراطي.
وشدّد على أنّ الرّسالة الأساسية هنا هي أن الدولة انتقلت من منطق الترخيص إلى منطق المرافقة، وهو تحوّل جوهري في فلسفة التسيير الاقتصادي.
كما اعتبر الصّناعة قاطرة للتنويع الاقتصادي، بالنظر إلى الحيز المحوري الذي حازت عليه في الخطاب، باعتبارها الأداة الأساسية لتقليص الواردات، ورافعة حقيقية لخلق الثروة ومناصب الشغل، وأساسا لبناء سيادة اقتصادية تدريجية، خاصة وأن الرئيس أشار صراحة، تابع محدثنا، إلى تطور قطاعات استراتيجية مثل الصناعات التحويلية والصناعة الدوائية، مع تحقيق نسب معتبرة من الاكتفاء الذاتي، وهو التوجه الذي يعكس إرادة سياسية واضحة لجعل الصناعة عمودا فقريا للاقتصاد الوطني بعد سنوات من التهميش.
دعم المؤسّسات المصدّرة وتوسيع الأسواق
وأعاد الخطاب، حسب القراءة التي قدّمها تيغرسي، التأكيد على أن تنويع الصادرات لم يعد خيارا بل ضرورة استراتيجية، عبر دعم المؤسسات المصدرة، ومرافقة المنتج الوطني لاختراق الأسواق الخارجية، وتقليص التبعية لعائدات النفط والغاز. ويعكس هذا التوجه سعي الجزائر للتموقع كفاعل اقتصادي إقليمي، لا كمصدر للمواد الأولية فقط، بل كمصدر للمنتجات والخدمات.
كما تطرّق الخبير الاقتصادي إلى الحوكمة الاقتصادية ومحاربة الاختلالات في خلفية الخطاب، حيث يبرز رهان مهم يتمثّل في تكريس الشفافية في التسيير، ومحاربة الممارسات التي عطّلت الاقتصاد سابقا، وإعادة الثقة بين الدولة والمتعامل الاقتصادي، وهو ما يعني أنّ الإصلاح الاقتصادي، حسب رؤية الرئيس، لا ينفصل عن الإصلاح المؤسّسي وبناء مناخ ثقة مستدام.
وأضاف الدكتور تيغرسي أنّ رئيس الجمهورية أكّد من خلال خطابه أن الجزائر دخلت مرحلة حاسمة على الصعيد الاقتصادي نتيجة ديناميكية كبيرة في الاستثمار المحلي، وتحقيق نتائج ملموسة في مشاريع التنمية، حيث يشهد الاقتصاد اليوم نموا قويا مدعوما بالاستثمارات في مختلف القطاعات، خاصة الصناعة والخدمات، كما وفرت المشاريع الاقتصادية المتقدمة مئات الآلاف من فرص العمل للمواطنين، وهو ما يعتبره تيغرسي جزءا من جهود الدولة في مواجهة البطالة، وتعزيز مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، الذي ارتفع بشكل واضح، مع خطط لرفعه أكثر في السنوات القادمة.
حلقة وصل بين الدّولة والمستثمر
وتوقّف تيغرسي عند دور الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، مفيدا أنّ رئيس الجمهورية أكّد أنّ الاستثمار لم يعد ملفا تقنيا ثانويا، بل أصبح أولوية وطنية وأحد الأعمدة الأساسية للسياسة الاقتصادية الجديدة. فالخطاب يضع الاستثمار في صلب التحول الاقتصادي، باعتباره الأداة الرئيسية لخلق الثروة وتوفير مناصب الشغل، ومن خلالها تقليص التبعية للمحروقات، وتحقيق العدالة التنموية بين مختلف المناطق. ويعكس هذا التوجه انتقال الدولة من منطق التسيير الريعي إلى منطق الاقتصاد المنتج. فالدور المحوري الذي تلعبه الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، باعتبارها الواجهة الرسمية الجديدة للاستثمار وحلقة الوصل بين الدولة والمستثمر، يجعل منها أداة حقيقية لتجسيد الإصلاحات القانونية والتنظيمية على أرض الواقع. وأكد تيغرسي، استنادا لما جاء في خطاب رئيس الجمهورية، أنّ الوكالة ذاتها ليست مجرد هيئة إدارية، بل فاعل اقتصادي مؤثّر في توجيه الاستثمار ومرافقته.
ومن أهم الرّسائل في الخطاب، ذكر تيغرسي التّأكيد على أنّ الوكالة تعتمد على مبدأ المرافقة الشاملة للمستثمر منذ الفكرة إلى دخول المشروع حيز النشاط، وتقليص آجال دراسة الملفات، وتبسيط الإجراءات الإدارية عبر الشباك الوحيد. هذا التحول، أردف المتحدّث، يهدف إلى كسر الصّورة التقليدية عن الإدارة كعائق، وتحويلها إلى شريك في إنجاح المشاريع، وتوجيه الامتيازات نحو الاستثمارات المنتجة مع إعطاء الأولوية للمشاريع التي تعزّز الصادرات خارج المحروقات، وتنقل التكنولوجيا، وتطور الكفاءات الوطنية، إضافة إلى تقليص الفوارق التنموية، وربط الاستثمار بمخططات التنمية المحلية.
التّجارة الخارجية رافعة للسّيادة الاقتصادية
وأكّد تيغرسي، استنادا لما تضمّنه خطاب رئيس الجمهورية، أنّ التجارة الخارجية لم تعد مجرّد نشاط تبادلي، بل أداة سيادية مرتبطة مباشرة بحماية الاقتصاد الوطني والحفاظ على احتياطات الصرف، وبالتحكم في التوازنات الكبرى للاقتصاد. فالخطاب يعكس توجها واضحا نحو ترشيد الواردات دون المساس بحاجيات السوق، وربط التجارة الخارجية بالقدرات الإنتاجية الوطنية، مشدّدا على أنّ المرحلة الحالية تفرض تقليص التبعية للواردات غير الضرورية، وتشجيع الإنتاج المحلي ليكون بديلا فعليا، وجعل التصدير خيارا استراتيجيا لا نشاطا ظرفيا.
وتجلّى من خلال الخطاب، بحسب المتحدّث، أنّ الدولة تسعى إلى إعادة هيكلة الميزان التجاري على أسس إنتاجية مستدامة، مبرزا أنّ تنويع الصادرات يشكّل أحد أهم مؤشرات نجاح التحول الاقتصادي، خاصة من خلال دعم المؤسسات المصدرة، ومرافقة المنتج الوطني لاختراق الأسواق الخارجية، وتبسيط إجراءات التصدير وتحسين الخدمات اللوجستية. ويعكس هذا التوجه رغبة الدولة في الانتقال من اقتصاد مصدّر للمواد الخام إلى اقتصاد مصدّر للمنتجات ذات القيمة المضافة، مع ضبط عمليات الاستيراد وفق حاجيات فعلية، وحماية المنتج الوطني من المنافسة غير المتكافئة.
البعد الإفريقي والدولي للتّجارة الخارجية
وتطرّق تيغرسي إلى مضمون الخطاب في الشق المتعلق بالبعد الإفريقي، مشيرا إلى أهمية توسيع المبادلات التجارية مع الدول الإفريقية، والاستفادة من اتفاقيات التعاون القارية، وتعزيز الحضور الاقتصادي الجزائري في محيطه الإقليمي، وهو ما يعكس رؤية تعتبر إفريقيا فضاء طبيعيا لتوسع الصادرات الجزائرية، وليس مجرد امتداد جغرافي. كما عرج المتحدث على إصلاح منظومة التجارة الخارجية، مؤكدا أن الدولة الجزائرية حرصت على تحديث الأطر القانونية والتنظيمية للتجارة الخارجية، من خلال رقمنة الإجراءات وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين: الجمارك، البنوك، والنقل. والهدف هو بناء منظومة تجارة خارجية شفافة وفعالة وقادرة على المنافسة.
المؤسّسات النّاشئة محرّك للنّمو
وتوقّف تيغرسي عند الاهتمام الذي يوليه رئيس الجمهورية للشباب، مؤكّدا أنّ دعم المؤسسات الناشئة، التي بلغ عددها اليوم 13 ألف مؤسّسة ناشئة، لا يندرج فقط ضمن سياسات التشغيل، بل يعكس تحولا عميقا في الثقافة الاقتصادية للدولة، يقوم على تشجيع المبادرة الفردية، وترسيخ ثقافة الابتكار والمخاطرة المدروسة، والانتقال من منطق الوظيفة العمومية إلى منطق خلق القيمة. ويعكس هذا الطّرح قناعة بأن بناء اقتصاد متنوّع يبدأ بتغيير الذّهنيات الاقتصادية، والنظر إلى المؤسسات الناشئة كرافعة للتنويع الاقتصادي، ومحرّك للنمو في قطاعات التكنولوجيا، والخدمات الذكية، والصناعات الإبداعية، ووسيلة لدمج الكفاءات الشابة في الدورة الاقتصادية. وقد أكد الرئيس أن هذه المؤسسات لم تعد مشاريع هامشية، بل مكوّنا استراتيجيا في النسيج الاقتصادي الوطني.
وأشار الخطاب، وفق قراءة الخبير، إلى أنّ دور الدولة في مجال المقاولاتية انتقل من منطق الدعم الظرفي إلى منطق التمكين والمرافقة الهيكلية، تؤكّد ذلك الأطر القانونية الخاصة بالمؤسسات الناشئة، وآليات التمويل الملائمة لطبيعة هذا النوع من المشاريع، وتبسيط إجراءات الإنشاء والنشاط، وهو ما يعكس رغبة في بناء منظومة متكاملة للابتكار، وتحويل البطالة إلى طاقة إنتاجية.
من استغلال الموارد المنجمية إلى خلق القيمة
وثمّن تيغرسي ما جاء في خطاب رئيس الجمهورية من اهتمام بقطاعي الصناعة والمناجم، اللذين يحتلان موقعا محوريا في الإستراتيجية الاقتصادية الوطنية، باعتبارهما أساس تنويع الاقتصاد خارج المحروقات، ورافعة لخلق الثروة والقيمة المضافة، إلى جانب كونهما أداة لتعزيز السيادة الاقتصادية. ويعكس الخطاب، حسب المتحدّث، قناعة رسمية بأنّ إعادة بعث هذين القطاعين يمثّل مدخلا هيكليا لإعادة تشكيل النموذج الاقتصادي الوطني، واستعادة الدور الإنتاجي للقطاع الصناعي، خاصة وأنّ الصّناعة الوطنية عرفت خلال الفترة الأخيرة ديناميكية غير مسبوقة، تجسّدت في إعادة تشغيل وحدات صناعية كانت متوقّفة أو معطّلة، وإطلاق مشاريع صناعية جديدة في مختلف الشّعب، ما مكّن من ارتفاع مساهمة الصّناعة في النّاتج المحلي الإجمالي، وهو تطوّر يعكس انتقال الصّناعة من دور ثانوي إلى قاطرة فعلية للنّمو الاقتصادي.





