أدوات تكنولوجية لرفع الإنتاجية وتحسين جودة المحاصيل
جاء خطاب رئيس الجمهورية الأخير ليؤكّد أهمية قطاع الفلاحة ودوره الأساسي في تحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان الأمن الغذائي، حيث تناول سبل تطوير القطاع، دعم الإنتاج الوطني، وتشجيع المبادرات الفلاحية، إلى جانب التطرّق إلى بعض الإشكالات المطروحة، خاصة في شعبة اللّحوم، وذلك في إطار توجّه يهدف إلى بناء فلاحة عصرية تقوم على التنظيم، استعمال التكنولوجيا، وحسن توجيه الدعم، بما يخدم الفلّاح والاقتصاد الوطني.
يعكس نجاح الفلاحين في إنشاء نحو 15 ألف مؤسّسة فلاحية، التطور الذي شهده قطاع الفلاحة في الجزائر، سواء من حيث الإنتاج أو من خلال بلوغ هدف تحقيق الأمن الغذائي، ليؤكّد أنّ جزءًا كبيرًا من هذا التطور تقوده مبادرات خاصة، تُبرز تنامي روح المبادرة ودورها المتزايد في دعم الاقتصاد الفلاحي.
وفي السياق، يرى الخبير في التنمية الفلاحية أحمد مالحة، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ هذه المؤسّسات يقودها مبادرون ينشطون في الجانب التجاري والتسويقي، لكنهم في الأساس يخدمون القطاع الفلاحي من خلال مرافقة الفلاحين وتقديم خدمات مباشرة لهم، موضّحًا أنّ أغلب هذه المؤسّسات تنشط في مجالات الخدمات الفلاحية، التسميد، الأدوية البيطرية، والبذور.
وأضاف الخبير أنّ آلاف المؤسّسات التي أُنشئت في هذا الإطار، يمثل عدد معتبر منها شركات عالمية تنشط في الجزائر، خاصة في مجالات البذور والأسمدة والخدمات الفلاحية.
وأشار إلى أنّ هذه المؤسّسات قدّمت خدمات معتبرة للفلاحين، عبر المرافقة التقنية في الميدان، بواسطة مهندسين وتقنيين مختصّين، ما ساهم في تحسين الأداء ورفع الإنتاج.
وفي السياق ذاته، أكّد مالحة أنّ السنوات الأخيرة شهدت أيضًا بروز التعاونيات الفلاحية التي أنشأها الفلاحون بعد صدور القوانين الجديدة، حيث تمّ إنشاء مئات التعاونيات، إلى جانب الجمعيات المهنية التي بلغ عددها قرابة ألفي جمعية أو أكثر، خاصة في شعب مثل البطاطا، التفاح وباقي النشاطات الفلاحية، معتبرًا أن هذه الجمعيات تعد مؤسسات قائمة بذاتها.
كما عرّج على ظهور مؤسّسات جديدة تنشط في مجال التكنولوجيا الفلاحية، مؤكّدًا أنها أصبحت تلعب دورًا متزايد الأهمية في الاقتصاد الوطني، خاصة مع دخول التكنولوجيا الحديثة إلى القطاع خلال السنوات الأخيرة، مضيفًا أنّ هذه المؤسّسات، من خلال اعتمادها على الابتكار والتقنيات الحديثة، ساهمت في رفع الإنتاجية وتحسين جودة المنتجات الفلاحية.
وقال الخبير إنّ عددًا من الشباب انخرطوا في المقاولاتية الفلاحية عبر مؤسّسات ناشئة تعتمد على حلول مبتكرة، مثل استعمال الطائرات دون طيار للكشف عن الأمراض في الحقول والبساتين أو لرش المبيدات، إلى جانب استخدام الأقمار الصناعية، الإنترنت، الروبوتيك، وغيرها من التقنيات الحديثة.
وأكّد أنّ هذه التقنيات والمنتجات أصبحت موجودة ومصنّعة في الجزائر، بما في ذلك محطات الرصد الفلاحي (المحطات المناخية الزراعية)، التي تساهم في متابعة المعطيات التقنية والمناخية، ما يعكس التحول التدريجي نحو فلاحة عصرية وذكية.
التكنولوجيا رافعة أساسية لتطوير الفلاحة
أفاد الخبير الفلاحي أنّ قطاع الفلاحة عرف تطورًا ملحوظًا في مجال إدماج التكنولوجيا الحديثة، مؤكّدًا أنّ الفلاحة اليوم أصبحت تعتمد على تقنيات متقدمة على غرار الروبوتيك، الإنترنت، والطائرات دون طيار، التي تستعمل للكشف عن الأمراض التي تصيب المحاصيل داخل الحقول، كما تُستخدم أيضًا في رش المبيدات، خاصة في الأشجار المثمرة والبساتين.
وأضاف أنّ الفلاحة بدأت تعتمد على تقنيات الرّي الذكي، من خلال استعمال أجهزة وآلات حديثة توضع في التربة للكشف عن مستوى الرطوبة، ما يسمح بالتحكّم في كميات المياه وترشيد استهلاكها، مشيرًا إلى أنّ هذه التكنولوجيات هي نتيجة لتطور البحث العلمي، ورغم أنّ تعميمها لا يزال محدودًا، إلا أنها بدأت تجد طريقها تدريجيًا إلى الفلاحة.
وأكّد الخبير أنّ عدة أنشطة فلاحية أصبحت تُنجز بالآلات، على غرار غرس الزيتون، وعمليات التقليم والجني، إضافة إلى الاعتماد الواسع على المكننة في إنتاج الطماطم الصناعية، موّضحًا أنّ الحديث عن التكنولوجيا في الفلاحة يرتبط أساسًا بالمكننة، خاصة في ظلّ تراجع الاعتماد على اليد العاملة مقابل استعمال الآلات الفلاحية الحديثة، التي تساهم في رفع الإنتاج وتحسين المردودية.
وهذه المكننة تشمل مراحل التخزين والتعبئة، حيث أصبحت بعض المصانع تعتمد على أجهزة متطورة لفرز المنتجات وتصنيفها حسب الجودة والحجم، ما يقلّل الهدر ويرفع من القيمة السوقية للمنتوج الفلاحي، مؤكّدًا أنّ دمج التكنولوجيا في جميع مراحل الإنتاج أصبح شرطًا أساسيًا لتطوير الفلاحة وزيادة تنافسية المنتجات الوطنية.
نجـاح في اللّحـوم البيضـاء في انتظــار الحمــراء
أمّا بخصوص شعبة اللّحوم، قال الخبير إنّ رئيس الجمهورية تطرّق بوضوح إلى إشكالية هذه الشعبة، مبرزًا أنّ الجزائر حقّقت نتائج إيجابية في مجال اللّحوم البيضاء، رغم اعتماد هذه الشعبة على استيراد عدد من المدخلات، خاصة الأدوية البيطرية والأعلاف، وأكّد أنّ قطاع الدواجن، ورغم هذه التحديات، استطاع الوصول إلى مستوى معتبر من الاكتفاء الذاتي، ما يعكس تطورًا حقيقيًا في هذه الشعبة.
وأضاف أحمد مالحة أنّ الإشكال الحقيقي لا يزال مطروحًا في شعبة اللّحوم الحمراء، حيث تستمر الدولة، من جهة، في دعم الفلاحين بالشعير والنخالة والأعلاف لتشجيع الإنتاج المحلي، وفي الجهة المقابلة تلجأ إلى استيراد اللّحوم الحمراء لتغطية الطلب في السوق، معتبرًا أنّ هذا التناقض هو ما توقّف عنده رئيس الجمهورية خلال الذكرى الخمسين لتأسيس الاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريّين سنة 2025 بقصر المؤتمرات، حين دعا إلى ضرورة حسم الخيارات.
وأكّد المتحدث أنّ رئيس الجمهورية كان واضحًا حين قال للفلاحين: إمّا أن نستورد اللّحوم ولا ندعم الأعلاف، أو ندعم الأعلاف وننتج لحومنا محليًا، مضيفًا أنّ مواصلة دعم الأعلاف بالتوازي مع استيراد اللّحوم يفرغ سياسة الدعم من مضمونها، ويستوجب مراجعة شاملة لمنظومة الإنتاج في هذا المجال.
وأشار إلى أنّ الحل يكمن في الانتقال إلى الإنتاج المكثف للّحوم الحمراء، خاصة في تربية الأغنام وتسمين الخرفان التي شهدت أسعارها ارتفاعًا كبيرًا، مضيفًا أنّ الجزائر تمتلك إمكانات طبيعية كبيرة، لاسيما في ولاية النعامة التي تتوفر على نحو مليوني هكتار، إلى جانب حوض مائي جوفي هام، ما يسمح باستصلاح الأراضي، واستنبات الأعشاب، واعتماد نمط رعوي عصري قائم على السقي والتغذية المنظمة، وهي تجربة ـ قال ـ إنها بدأت تعطي مؤشّرات إيجابية خلال السنتين الأخيرتين.
وأكّد الخبير الفلاحي أحمد مالحة، ختامًا، أنّ الاعتماد على الطرق التقليدية في السّهوب الممتدة على ما بين 20 و30 مليون هكتار لم يعد مجديًا، بسبب ارتباطه بتساقط الأمطار وتوفّر الغطاء النباتي، ودعا إلى التفكير في بدائل حديثة للأعلاف والبحث عن تركيبات جديدة تقلّل من الاعتماد على الذرة، مؤكّدًا أنّ استيراد اللّحوم من إسبانيا والبرازيل يبقى حلًا ظرفيًا فقط ولا يمكن أن يكون خيارًا دائمًا، ما يستدعي وضع استراتيجية وطنية واضحة، قصيرة وبعيدة المدى، تضمن الأمن الغذائي وتقليص فاتورة الاستيراد.





