تجدّدت أزمة نقص الأدوية الحيوية في المغرب، وبرزت تحذيرات من تداعيات عدم توفر أكثر من 600 دواء في المستشفيات الحكومية، ما يهدّد حياة المرضى ومعاناتهم.
يشتكي مرضى السرطان في المغرب من ندرة حادة في الأدوية المعالجة ما يعرّض حالتهم للخطر الكبير، وبالخصوص يقول أحد المصابين أنه منذ نحو ثلاثة أسابيع يعاني من صعوبات في متابعة علاجه من مرض السرطان، جرّاء عدم توفر الدواء في المستشفيات الحكومية، ما فرض عليه تدبير أمره بأي طريقة للحصول على الدواء. ويقول: “الوضع لا يُحتمل مع غياب العلاج الذي يُعتبر الأمل الوحيد لمحاربة المرض اللّعين، لذا أحاول تدبّر أمري سواء من خلال الاستدانة أو الاستعانة بمحسنين، من أجل توفير مبلغ 800 درهم مغربي (نحو 88 دولاراً أميركياً) شهرياً”.
وبينما يتحسّس هذا المريض معاناته بين نقص الأدوية وارتفاع أسعارها، ما يهدّد حياته ويزيد توتره النفسي، يطالب باتخاذ إجراءات عاجلة لحل الأزمة التي تهدّد حياة عشرات المرضى، خصوصاً من ذوي الدخل المحدود. يأتي ذلك، في وقت برزت فيه تحذيرات من عدم توفر أكثر من 600 دواء في المستشفيات الحكومية، وتداعيات ذلك على سلامة المرضى ومدى استمرارية الخدمات الصحية.وفي جلسة برلمانية عُقدت، الثلاثاء الماضي، بحضور وزير الصحة والحماية الاجتماعية، لفت برلمانيّون، إلى خطورة النقص الذي تعرفه المستشفيات الحكومية في عدد من الأدوية الأساسية. وأكّدوا أنّ الأمر لا يتعلّق فقط ببعض الأصناف الثانوية، بل يشمل أدوية حيوية مرتبطة مباشرة بحياة المواطنين. وقالوا: “هناك أدوية أساسية غير موجودة، من بينها أدوية داء السكري، وضغط الدم، والأمراض المزمنة والخطيرة، بما فيها أدوية السرطان”، معتبرين أنّ غيابها يشكّل مساساً بحقهم في العلاج، ويضعهم أمام معاناة مضاعفة”.
وسلّط البرلمانيّون الضوء على النقص الحاد في أدوية التخدير داخل المستشفيات الحكومية، معتبرين أنّ هذا الخصاص يشكّل خطراً مباشراً على حياة المرضى، ويعرقل إجراء العمليات الجراحية. وأوضحوا أنّ المشكلة لا يمكن اختزالها في صعوبات تقنية أو ظرفية، داعين إلى الوقوف على الأسباب الحقيقية، سواء كانت داخلية أم خارجية.
الأمن الصّحي مهدّد
ليست هذه المرة الأولى في المغرب التي تُطرح فيها مشكلة نقص أدوية حيوية، إذ تصاعدت في الأشهر الماضية الشكاوى من الانقطاع المتكّرر لعدد كبير من الأدوية الحيوية في الصيدليات، ما أثار استياءً كبيراً في صفوف المهنيّين الذين يرون في ذلك دليلاً واضحاً على هشاشة المنظومة الدوائية الوطنية. كما عبّرت جمعيات حماية المستهلك عن غضبها الشديد، معتبرةً أنّ هذه الأزمة تمثل “تهديداً مباشراً للأمن الصحي للمغاربة، وتستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لتداركها”.
وكان تقرير المجلس الأعلى للحسابات (أعلى هيئة رقابية على المالية العامة في المملكة) الذي صدر في مارس 2023، رصد اختلالات كبيرة في منظومة الأدوية، أبرزها أنّ 25% من الأدوية في وضع احتكاري، وأنّ 15 مختبراً يهيمن على 70% من سوق الأدوية، مع وجود احتكارات مركّزة وثنائية وشبه مهيمنة. في حين كشف تقرير سابق لمجلس المنافسة أنّ سوق الأدوية في المغرب يعاني غياب الشفافية، وافتقار البلاد إلى سياسة عمومية فعّالة بشأن الأدوية الجنيسة (الجينيريك)، بالإضافة إلى ضعف شبكة التوزيع.
وبحسب رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان، محمد رشيد الشريعي، فإنّ قلقاً كبيراً ينتاب المصابين بأمراض مزمنة جراء الإنقطاع غير المبرّر للأدوية، معتبراً أنّ ذلك “يضع الحكومة، وتحديداً وزارة الصحة، في قفص الاتهام بما يخص وضع استراتيجية ذات طبيعة استباقية، من خلال توفير هذه الأدوية، تفادياً للكارثة”.
ودعا الشريعي وزارة الصحة إلى التدخّل العاجل في سبيل توفير الأدوية وتفادي تفاقم الوضع الصحي للمرضى، وإلى مراجعة سياسات تسعير الأدوية وتشديد الرقابة على توزيعها.



