حـقّ الشعـوب فــي تقريــر مصيرهـا أولويـة دبلوماسيــة
حضـور فاعـل ومسؤول.. وصـوت واضــح في احـترام سيــادة الـدول
أنهت الجزائر، عهدتها التي دامت سنتين كعضو غير دائم بمجلس الأمن الدولي، في محطة دبلوماسية هامة عكست ثبات مواقفها والتزامها الدائم بمبادئ الشرعية الدولية، في ظرف عالمي اتسم بتعقّد الأزمات وتزايد النزاعات واحتدام التجاذبات السياسية، حيث أثبتت أن حضورها داخل مجلس الأمن كان فاعلًا ومسؤولًا، وأن صوتها ظل دائمًا واضحًا في الدفاع عن القضايا العادلة واحترام سيادة الدول.
وخلال هاتين السنتين، حرصت الجزائر على أداء دورها الكامل داخل مجلس الأمن، من خلال مواقف متوازنة ومسؤولة، تنطلق من قناعة راسخة بأن السلم الدولي لا يمكن تحقيقه إلا عبر معالجة الأسباب الحقيقية للأزمات، وليس الاكتفاء بإدارة نتائجها، وقد شدد ممثل الجزائر الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة، السفير عمار بن جامع، في أكثر من مناسبة، على أن مسؤولية المجتمع الدولي جماعية، وتتطلب احترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وفي آخر مداخلة له قبل اختتام العهدة، أكد السفير بن جامع أن الجزائر أدّت واجبها داخل مجلس الأمن داعيا أعضاءه إلى العمل المشترك، وإلى إشراك جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في النقاشات المتعلقة بالأمن والسلم الدوليين، بما يعزز الثقة في العمل الأممي ويكرّس الطابع التعددي للمنظمة. كما شدد على أن أي حل مستدام لا يتحقق إلا باحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب، وأن مشاركة واسعة من جميع أعضاء الأمم المتحدة ضرورية لتعزيز مصداقية المجلس.
وتميزت مشاركة الجزائر داخل المجلس بمداخلات منتظمة وواضحة ركزت على إعطاء الأولوية للحلول السياسية بدل المقاربات العسكرية، مؤكدة أن غياب العدالة واستمرار ازدواجية المعايير يقوّضان جهود إحلال السلم والأمن الدوليين.
كما تناول بن جامع في مداخلاته تحديات متعددة تواجه السلم العالمي، مثل النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط، الانقسامات في القارة الإفريقية، وأزمات الهجرة واللاجئين، حيث كان يدعو في كل مناسبة إلى معالجة الأسباب الجذرية لهذه الأزمات، بما في ذلك الفقر والبطالة والتمييز الاجتماعي والسياسي.
حرصت الجزائر، خلال عهدتها، على أن يكون حضورها مؤثرًا في كل القضايا الساخنة، مع التركيز على النزاعات المسلحة في مناطق متعددة من العالم والأزمات الإنسانية التي تتطلب تدخلًا عاجلا، وأبدت استعدادها للعمل مع كل الأطراف المعنية من أجل التوصل إلى حلول سلمية مستدامة، بعيدا عن منطق القوة أو التدخل الأحادي، مؤكدة أن الحوار السياسي هو الطريق الأمثل لمعالجة أي أزمة.
ولم تغب القضايا العربية عن جدول أولويات الجزائر داخل المجلس، حيث كانت القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام، من خلال التأكيد المستمر على ضرورة حماية المدنيين ووقف الانتهاكات وضمان حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وفق قرارات الشرعية الدولية.
كما دعمت الجزائر مبادرات لإطلاق مفاوضات سلام عادلة لصالح الفلسطينيين، مع الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني كاملة، وناشدت المجتمع الدولي الالتزام بالمعايير الدولية تجاه القضية.
وأولت الجزائر اهتماما خاصا بقضايا السلم والأمن في القارة الإفريقية، انطلاقا من قناعتها بأن استقرار القارة يمر عبر دعم الحلول السياسية والحوار، وتعزيز دور المنظمات الإقليمية، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي، ورفض كل أشكال التدخل الخارجي التي تعقّد الأزمات بدل حلها، وشددت في عدة مداخلات على ضرورة دعم الدول الإفريقية في مواجهة النزاعات المحلية، وتشجيع الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية، بما يعزز السيادة والاستقلالية في صنع القرار.
كما طرحت الجزائر مبادرات لتسهيل حوار بين الأطراف المتنازعة في عدد من الدول الإفريقية، مع تقديم مقترحات للتخفيف من معاناة المدنيين وتوفير الدعم الإنساني والطبي والتعليم للأطفال المتأثرين بالنزاعات.
وخلال عضويتها، عبرت الجزائر عن موقف ثابت يرفض عسكرة النزاعات، ويدعو إلى معالجة جذور الأزمات، مثل الفقر والتهميش وغياب التنمية، باعتبارها عوامل أساسية في تفجر الصراعات، ودعت إلى ضرورة احترام حقوق الأقليات وحماية المدنيين، وتقديم الدعم الإنساني للمتضررين، ضمن إطار أممي عادل ومتوازن. وقد سلطت الجزائر الضوء أيضا على دور التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تعزيز الأمن والاستقرار، مشددة على أن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لوقف النزاعات.
ومع انتهاء عهدة الجزائر، غادرت مجلس الأمن أيضًا كل من غويانا وسيراليون وكوريا الجنوبية وسلوفينيا، في إطار مبدأ التداول المعتمد داخل هذه الهيئة الأممية. وفي المقابل، تسلمت مملكة البحرين المقعد غير الدائم، ضمن التناوب المعمول به بين الدول العربية داخل المجموعتين الإفريقية والآسيوية، لتواصل الجزائر بهذا التسليم نهجها الدبلوماسية المسؤول في دعم مشاركة الدول العربية في صنع القرار الدولي.
وجاءت عضوية الجزائر في مجلس الأمن تتويجًا لمكانتها الدبلوماسية، وثمرة للثقة التي تحظى بها على الساحة الدولية بفضل مواقفها الثابتة ودفاعها المتواصل عن الشرعية الدولية، وحرصها على عدم الانخراط في منطق الاستقطاب أو الاصطفاف.
وقد انعكس ذلك على مستوى التنسيق الدولي مع الدول الصديقة والحليفة، وتعزيز التعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية لتوسيع نطاق الحلول السلمية، بالإضافة إلى دعم مشاريع مشتركة لمعالجة القضايا الإنسانية والبيئية عبر العالم.
ويرى متابعون أن تجربة الجزائر داخل مجلس الأمن عززت من حضورها الدولي، ورسخت صورتها كدولة تسعى إلى التهدئة والحوار، وتدافع عن الحلول السياسية، في عالم بات أحوج ما يكون إلى صوت الحكمة والعقل، خاصة في ظل تزايد النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية التي تتطلب مبادرات فاعلة وسريعة.





