العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي ركيزتا النموذج التنموي
الأمن الغذائي والطاقوي والرقمي.. مسارات نحو السيادة الاقتصادية
في ظل التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها الجزائر، يبرز الطابع الاجتماعي للدولة كركيزة أساسية، معتمدة في إطار الدستور، يضع المواطن وكرامته في صلب السياسات العمومية، ويقوم على حماية المكاسب الاجتماعية، وتعزيز الاستقرار، ودفع النمو الاقتصادي بما يضمن العدالة الاجتماعية والإنصاف التنموي.
أكد الخبير الاقتصادي عبد القادر سليماني في تصريح لـ«الشعب”، أن الطابع الاجتماعي للدولة، مكرّس دستوريا ومتجذّر في بيان أوّل نوفمبر، ولا حياد عنه، وهو ما ينعكس بوضوح على مختلف السياسات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة، باعتبار أن المواطن يظلّ في صلب كل الخيارات التنموية.
الاستقرار الاجتماعي ودعم النموّ
وقال سليماني إن خطاب رئيس الجمهورية رسم مرّة أخرى، خارطة الطريق للنموذج الاقتصادي-الاجتماعي الجزائري، المنبثق من مبدأ أساسي مفاده أن كرامة المواطن خط أحمر، مشددا على أن تثبيت المكاسب الاجتماعية يسير بالتوازي مع دفع النهضة الاقتصادية وتحقيق ما وصفه بـ«الإنصاف التنموي” بين مختلف الفئات الاجتماعية وعلى مستوى جميع الولايات.
هذا التوجه يتجسد عمليا – يقول محدثنا – من خلال النفقات العمومية والاستثمار العمومي، حيث تعرف الجزائر اليوم تحوّلات اجتماعية ضخمة، موضحا أن ثلث ميزانية 2026 موجهة للأجور، بما يعادل أكثر من 25 مليار دولار، إلى جانب حوالي 5 مليارات دولار للتحويلات الاجتماعية، وقرابة 4 مليارات دولار مخصصة لمنح البطالة، وهو ما يعكس التزام الدولة بحماية الفئات الهشة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وأشار الخبير سليماني إلى أن الدولة، وبالموازاة مع ذلك، تعمل على تشجيع الاستثمار وتوسيع القاعدة الاقتصادية من أجل ضمان تمويل دائم للنفقات العمومية، معتبرا أن المقاربة الجزائرية الجديدة تقوم على التضامن العمالي والتكامل بين مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأوضح محدثنا في السياق ذاته، أن المؤشرات الاقتصادية الإيجابية تعكس نجاعة هذا التوجه، حيث تجاوز معدل النمو 4 بالمائة بشهادة مجموعة البنك الدولي، فيما تم التحكم في التضخم عند مستويات تقل عن 2.8 بالمائة، ما ساهم في دعم القدرة الشرائية للمواطن، وأضاف أن القدرة الشرائية اليوم محمية بقوة القانون، في إطار نموذج اقتصادي-اجتماعي تنموي يرتكز على الحماية الاقتصادية والاجتماعية وتمكين الأسرة من العيش الكريم، مع التركيز على ترقية الطبقة المتوسطة التي أكد رئيس الجمهورية مرارا أنها ركيزة الاستقرار ومحرك أساسي للعجلة الاقتصادية.
وفي ظل التحديات المالية، شدد سليماني على ضرورة اللجوء إلى تمويلات مبتكرة، وتحرير الاستثمار، ومنح حرية أكبر للمبادرة، بما يضمن استدامة صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي والتحويلات الاجتماعية ومنحها استقلالية مالية حقيقية.
وفي السياق ذاته، أبرز سليماني أهمية الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية، وعدم الاكتفاء بسياسة التوظيف التقليدي، بل تشجيع الشباب على إنشاء مؤسساتهم الخاصة، مذكرا بأن الجزائر تحصي اليوم أكثر من 13 ألف مؤسسة ناشئة، وما يفوق 60 ألف مقاولة ذاتية، وأضاف أن جهود الإدماج المهني كانت لافتة، من خلال إدماج حوالي 500 ألف عامل كانوا في إطار عقود إدماج سابقة، إلى جانب إدماج 82 ألف أستاذ في قطاع التربية، فضلا عن تسجيل انفتاح واسع في عمليات التوظيف.
أما في قطاع السكن، فقد سجل سليماني أن الجزائر وزعت منذ سنة 2020 أكثر من 1.7 مليون وحدة سكنية بمختلف الصيغ، مع برمجة مليوني وحدة سكنية إضافية خلال الخمس سنوات المقبلة، ما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحافظ على تماسك الطبقة المتوسطة.
وأكد الخبير على أن الطبقة المتوسطة التي تضم قرابة 5 ملايين جزائري بمدخول يتراوح بين 35 ألف و65 ألف دينار، وتشمل أساتذة وعمال قطاعات الصحة والعدالة، تمثل عماد الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية، كما تشكل رافعة أساسية للآثار التنموية، سواء على مستوى الاستهلاك أو الادخار أو الحركية الاقتصادية.
انفتاح اقتصادي وإصلاحات عميقة
وأفاد سليماني أن الآليات الاقتصادية المعتمدة في الجزائر اليوم، تعرف تطورا نوعيا، مشيرا إلى بروز آليات مبتكرة، على رأسها انفتاح المؤسسات العمومية والبنوك العمومية على القطاع الخاص، ما يعكس توجها عمليا نحو شراكة اقتصادية حقيقية تخدم النمو الوطني، وأضاف أن القطاع الخاص مدعو أكثر من أي وقت مضى للمشاركة الفعلية في الدورة الاقتصادية، سواء من خلال المساهمة في خلق مناصب الشغل أو في حماية القدرة الشرائية للمواطن، موضحا أن ما يقارب سبعة ملايين عامل ينشطون حاليا في القطاع الخاص، وهو رقم يعكس وزنه الحقيقي في الاقتصاد الوطني.
وقال محدثنا إن المنظومة الجبائية شهدت تحولات مهمة، من خلال تنويع الضرائب ورفع الاشتراكات الاجتماعية بنسبة 10 بالمائة، خاصة ما تعلق بصندوق التقاعد والضمان الاجتماعي، معتبرا هذه المؤشرات دليلا واضحا على وجود نمو حقيقي وتنمية فعلية، لا سيما في ما يخص وتيرة إنشاء المؤسسات، وقال إن الجزائر تسجل اليوم أكثر من مليوني سجل تجاري، ما يعكس ديناميكية اقتصادية متصاعدة، مبرزا أن ارتفاع الاشتراكات في صناديق الضمان الاجتماعي وصناديق الشغل مكّن الدولة من الحفاظ على توازناتها المالية الكبرى، خاصة فيما يتعلق بالميزان التجاري وميزان المدفوعات، وأضاف أن الجزائر باشرت إصلاحات اقتصادية عميقة، شملت قانون النقد والقرض، وقانون الاستثمار، وقانون العمل، وقانون المحروقات، وهي منظومة تشريعية متكاملة عززت جاذبية الاستثمار الأجنبي، وفتحت آفاقا أوسع أمام استثمارات القطاع الخاص.
وأشار محدثنا إلى وجود شراكة حقيقية بين القطاعين العمومي والخاص، تبنى بسواعد جزائرية، مبرزا أن الجزائر قطعت أشواطا معتبرة نحو تحقيق السيادة الاقتصادية، من خلال ترسيخ الأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الصحي، والأمن الطاقوي، والأمن الرقمي.
نمو اقتصادي يعزّز العدالة الاجتماعية
وقال سليماني إن القطاع الفلاحي سجل نسب نمو فاقت 5 بالمائة، وحقق إنتاجا قدر بأزيد من 5.5 مليار دولار، في حين تجاوز معدل نمو القطاع الصناعي 6 بالمائة، إلى جانب تطور ملحوظ في قطاع الخدمات، والسكن، والإنشاءات، والبنى التحتية والمنشآت القاعدية، كما أكد أن الإصلاحات الاقتصادية رافقتها شراكة اجتماعية فعلية، تجمع بين العمال والمركزيات النقابية، ومنظمات أرباب العمل، لا سيما في إطار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حيث يظل الجميع مجندا في خدمة المصلحة الوطنية.
وختم سليماني بالتأكيد على أن الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية تبقيان عنصرين مقدسين في الجزائر، وأن كل الإصلاحات الاقتصادية تسير في اتجاه تعزيز العدالة الاجتماعية، وتحقيق الإنصاف التنموي بين مختلف المناطق والفئات، مع ضمان كرامة المواطن والأسرة الجزائرية، وحقهم في السكن اللائق، والصحة، والتعليم، والنقل، إلى جانب استمرار دعم المواد الأساسية والطاقة والمياه، بما يعكس بوضوح الطابع الاجتماعي للدولة الجزائرية.

