تشهد الجزائر تصاعدا في الوعي الرسمي والأكاديمي وحتى الشعبي بأهمية اقتحام مجال الذكاء الاصطناعي، لما له من تأثير على الاقتصاد والعلوم والثقافة وكل مجالات الحياة، لهذا ظهرت رؤية استراتيجيات وطنية تأخذ بعين الاعتبار أهمية الذكاء الاصطناعي، كما أكد في حديثه لـ “الشعب” البروفيسور العيد جلولي.
ذكر جلولي أنّ هذا الاهتمام تجلى في مناسبات عديدة، من خلال عقد ندوات وإقامة ملتقيات تطرقت إلى دور الذكاء الاصطناعي في الثقافة وصناعة الكتاب، وأبرز مثال على ذلك هي الندوة التي أقيمت على هامش الصالون الدولي للكتاب في دورة 2025.
وأوضح جلولي أنّ ذلك يظهر أيضا عبر مساهمة الجامعة الجزائرية في عقد ندوات وملتقيات تشرح وتبين علاقة الذكاء الاصطناعي في مجال البحث والنشر، مشيرا إلى أنّ الوسط الإعلامي ساهم بدوره بدراسات ومقالات تبحث تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الصحافة، وتبين تحديات مهنية وأخلاقية فرضها هذا الوافد الجديد.
وذكر البروفيسور جلولي أنّ الذّكاء الاصطناعي أتاح فرص رقمنة المخطوطات والكتب وقواعد البيانات النصية، وهو ما مكن من توسيع مجال الوصول إليها وطنيا ودوليا، والاستفادة من أدوات البحث الآلي وفهرسة المحتوى، كما أبرز ما يوفره الذكاء الاصطناعي من أدوات لتحسين التحرير والترجمة والتدقيق اللغوي الآلي وتقديم اقتراحات تحريرية، وترجمات أوتوماتيكية أولية تسرع العمل وتخفض التكاليف إن استخدمت بشكل واع، منوّها بما يتيح من تسويق ذكي ومخصّص من خلال تحليلات الجمهور المستهدف، توصيات بعناوين كتب محددة، وإعلانات موجهة عبر منصات رقمية لرفع المبيع وتخفيض التكلفة.
وأكّد محدّثنا أنّ التحديات الكبرى التي تواجهنا في الجزائر عند استخدام هذه التقنيات، هي ضعف البنية التحتية الرقمية وضعف متاجر الكتب الإلكترونية المحلية، عدا بعض التجارب الرائدة مثل ما فعلته دار “فكرة كوم” بورقلة، وأيضا عدم انتشار منصات الدفع القوية وضعف التوزيع الرقمي الموثوق، وتباطؤ تحويل السوق التقليدي إلى سوق رقمي، يضاف لها ضعف الموارد البشرية والتكوين وهذا يؤدي إلى ندرة تدريب مخصص للناشرين والكتاب في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بطرائق مهنية وأخلاقية.
وأشار محدّثنا إلى وجوب مرافقة كل ذلك مع ترسانة من القوانين المنظمة للنشر الالكتروني، ومع تطوير آليات حقوق الملكية الفكرية، والتركيز على مسألة أخلاقيات المحتوى وجودته، وإلى أي مدي يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى مخاطر اعتماد توليد نصوص آليا دون مراجعة إنسانية.
واعتبر البروفيسور جلولي أنّ أبرز التوصيات التي يجب أن تقدم للناشرين الجزائريين قبل السياسيين، هي رقمنة المكتبات وعقد ورش قصيرة حول أدوات تحرير ذكية، والتدريب على تطبيقات فحص الانتحال، وعدم الاعتماد فقط على المراجعة الآلية، بل إشراك المراجعة البشرية في مرحلتها النهائية، كما تطرّق إلى أهمية خلق شراكة مع جامعات أو شركات محلية وإقليمية لتطوير نماذج مخصصة (عربية/أمازيغية/فرنسية)، بدل الاعتماد على نماذج أجنبية، وتحديث عقود النشر وإدراج بنود واضحة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في التحرير والتسويق وحقوق الملكية على المحتوى الناتج بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، مؤكّدا أنّه ينبغي الاطلاع على دراسات محلية منشورة في جامعات ومجلات وطنية حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإعلام والنشر.
أمّا في الشق التسييري – يقول جلولي – فيجب وضع أُطُر تنظيمية واضحة لحوكمة استخدامات الذكاء الاصطناعي في المجالات الثقافية، منها حماية حقوق المؤلف، شفافية الإسناد، معايير جودة ودعم برامج تمويل ورقمنة لصغار الناشرين والمكتبات الجامعية لتعزيز التنوع الثقافي.







