يُحدّثني الليل كلَّ مساء، فأُجيبه بصمتٍ ثقيل:
ما زلتُ على قيد الحياة.
كنتُ أحدَ أبناء العتمة، أعيش في صمتٍ لا يعلوه سوى الأنين، أرقب السماء علّها تشهد يوما على براءتنا، علّ القيد يسكر وينكسر، وتهوي القضبان خجلا أمام صمود الأسير.
أنا الأسير…
وفي قلبي أمٌّ توقد نار الحنين، لا تنطفئ مهما طال البعد.
أعدّ الدقائق والثواني، وكلُّ دقيقةٍ عندي وجعٌ مضاعف:
بردٌ ينخر العظام،
وجوعٌ يفتك بالجسد،
وألمٌ يتكئ على الألم.
ومع ذلك، ظلّ شيءٌ واحد حيّا لا يموت: الصبر والصمود.
صمودٌ كي لا أكون ضعيفا أمام محتلٍّ أضاع كلَّ مفاهيم الإنسانية، وارتضى أن يكون جلادا بدل أن يكون إنسانا.
في زنزانتي، كنتُ أستعيد كلَّ لحظةٍ عشتها خارج السجن، وكأنّ الأسر مصفاةٌ للأعمال، ومحرابُ محاسبةٍ للنفس قبل الحساب الأكبر.
أراجع كلَّ إساءةٍ تعرّضتُ لها، وأسأل نفسي:
ما الذي يجعل إنسانا يُسيء إلى أخيه الإنسان؟
وتبقى هذه الأسئلة معلّقة في الوجدان، لا تفارق الروح.
زنزانتنا كانت تشبه ما مرّ به نبيّ الله يوسف عليه السلام:
غياهبُ جبّ،
ثم سجن،
ثم أمل.
كنّا نستحضر سورة يوسف عن ظهر قلب، نتلوها دفئا في وجه السقيع، ونورا في قلب العتمة.
الرطوبة العالية كانت تنهش مفاصلنا، وتزرع الأمراض في أجسادٍ أنهكها القيد، ولا دواء سوى الصبر.
كنّا نخرج إلى متنفسٍ ضيّق، لا نرى الشمس إلا متسللة بخجل، من بين أسقفٍ شائكة، طبقة فوق طبقة، أربعة أو خمسة من الحديد القاسي.
فتحةٌ لا تتجاوز سنتيمترا واحدا… لكنها كانت نافذتنا للحياة.
ولا أنسى الإهانات في أوقات “العدد”، ووقفة الاستعداد القسرية، والتدريبات القمعية التي يسمّونها زورا “تأديبا”.
في الأقسام، بعد انتهاء التحقيق، كنّا ثمانية أو تسعة أسرى في غرفةٍ ضيّقة، فيها حمّام بالكاد يصلح لإنسان.
الأسرّة الحديدية ذات الطبقات، التي يسمّونها “براش”، كانت شاهدة على أوجاعنا وسهرنا.
ولا يغيب عن الذاكرة التفتيش العاري، ذهابا وإيابا إلى عياداتٍ لا دواء فيها سوى المسكّنات الرخيصة، في ظلّ إهمالٍ متعمّد، وإذلالٍ ممنهج.
مكثتُ في الأسر ثلاث سنوات، تعرّضنا خلالها للضرب المبرح، وللاستنفارات، وللغاز والخردل الذي يشلّ الجسد، فيسقط الأسير كقطعة قماشٍ مبللةٍ على أرضٍ باردة.
لكنهم… لم يستطيعوا شلَّ أرواحنا.
كان صمودنا في العلم، في القراءة، في المطالعة، وفي جلسات التوعية والتحفيز.
تعلّمنا كيف نكون، وكيف نصمد؛
فالمعنويات إذا انهارت، انهارت معها عزيمة الجيوش.
ونحن أصحاب الأرض…
كيف لا نقدر على الثبات؟
جئنا ندفع فاتورة نضالنا بوعيٍ وإيمان، لنُثبّت الأقدام على هذه الأرض؛
أرضنا التي ورثناها عن أجدادنا الكنعانيين الأوائل،
لا عن طارئٍ جاء ليكفّرنا بحقّنا فيها.
من هنا، يجب أن نجعل من السجن مدرسة،
ومن العتمة نورا،
ومن القيود مشاعل،
تنير الطريق نحو القدس.
فالأسر…
ليس نهاية الحكاية،
بل بدايتها.







