في عالم مضطرب، تتساقط فيه الدول تحت وطأة الأزمات المفتعلة، وتُدار فيه الصراعات خارج منطق الشرعية الدولية، تبرز الجزائر كحالة استثنائية، لا لأنها بمنأى عن التحديات، بل لأنها اختارت، عن وعي وإرادة، أن تجعل من الاستقرار خيارا سياديا لا يقبل المساومة.
استقرار الجزائر الذي يميزها في محيط إقليمي مضطرب، ومليء بالتوترات ليس شعارا سياسيا ظرفيا، بل ثمرة مسار طويل من التضحيات، ونتيجة تمسك دولة بخياراتها الوطنية، وإيمان شعب بقدسية أمنه ووحدة ترابه.
وفي السياق، سبق وأكد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، أن الاستقرار الذي تنعم به الجزائر نعمة من نعم الله، وهو توصيف دقيق لحقيقة باتت محل استهداف متكرر، في ظل محيط إقليمي يزداد هشاشة، ونظام دولي يعيد إنتاج الأزمات بدل حلها.
الجزائر التي نجحت في تحصين جبهتها الداخلية، تحولت إلى عنصر توازن في منطقة تعاني من الانقسامات، وإلى نموذج يراد كسره أو تطويقه، لا لشيء سوى لأنه يثبت أن الاستقلال في القرار ممكن، وأن التنمية دون وصاية ليست وهما.
ويزداد حرص الدولة، بقيادة رئيس الجمهورية، على حماية المواطنين من مختلف التهديدات، ومن كل ما من شأنه المساس بأمنهم أو تعريض حياتهم للخطر، على اعتبار أن هذه المسألة ليست مجرد واجب دستوري، بل أصبحت معركة يومية تُدار في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد. فالدولة التي تضع المواطن في صلب اهتماماتها، وتجعل من أمنه أولوية قصوى، إنما تؤسس لشرعية حقيقية، تتجاوز الخطاب إلى الفعل، وتُحصّن الجبهة الداخلية في مواجهة كل محاولات الاختراق.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل معركة الاستقرار عن معركة البناء الاقتصادي. فالجزائر اختارت أن تُنهي زمن الاقتصاد الريعي الهش، وأن تضع لبنات نموذج اقتصادي جديد، يليق بمكانتها الإقليمية والدولية، ويستجيب لطموحات شعبها في رؤية بلد مزدهر، قوي بمؤسساته، ومتنوع بموارده، وسيد في قراره. نموذج تنموي بدأ فعليا يقطف ثماره، من خلال إطلاق مشاريع هيكلية طموحة، كانت في وقت قريب مجرد أحلام مؤجلة، بسبب غياب الإمكانات، أو غياب الإرادة السياسية.
واليوم، لم تعد تلك المشاريع حلما، بل واقعا يتشكل، تؤطره رؤية سياسية واضحة، وإرادة دولة مصممة على استدراك التأخر، وكسر منطق التبعية، وربط التنمية بالسيادة. فقد ترسخت الإرادة السياسية للحفاظ على الاستقلال الوطني الحقيقي، ليس كشعار تاريخي، بل كممارسة يومية، تُترجم في القرارات الاقتصادية، وفي التوجهات الاستراتيجية، وفي الدفاع عن كرامة الجزائريين، داخل الوطن وخارجه.
وفي خضم هذه التحولات، يأتي الإعلان عن تكريس عصرنة رقمية شاملة ابتداء من سنة 2026، كأحد أعمدة مشروع الدولة الحديثة. عصرنة لا تُختزل في الرقمنة التقنية، بل تمتد إلى تحديث أنماط التسيير، ومحاربة البيروقراطية، وتعزيز الشفافية، وربط الإدارة بالمواطن في علاقة خدمة لا وصاية. خيار استراتيجي يعكس إدراك الدولة بأن معركة المستقبل تُحسم اليوم، وأن التأخر في هذا المجال يعني التخلف عن ركب الأمم.
وبالتوازي مع البناء الاقتصادي والرقمي، يبقى تعزيز القدرات الدفاعية للجيش الوطني الشعبي ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار. فالجيش، سليل جيش التحرير الوطني، ليس مؤسسة عسكرية فحسب، بل صمام أمان للدولة، وحارس للسيادة، في عالم لا يحترم إلا من يمتلك عناصر القوة والردع. تقوية القدرات الدفاعية ليست نزعة عدوانية، بل ضرورة تفرضها التحولات الإقليمية، ومحاولات زعزعة الاستقرار، واستهداف الدول التي ترفض الانخراط في منطق الإملاءات.
إن ما تتعرض له الجزائر اليوم من محاولات تطويق واستهداف، لم يعد خافيا على أحد. فهي نتيجة طبيعية لمواقفها السيادية وانجازاتها الاقتصادية، ورفضها الاصطفاف في محاور، وإصرارها على أن تكون صوتا مستقلا في القضايا الدولية العادلة. غير أن هذه المحاولات تصطدم بوعي شعب أثبت، في كل المراحل، أنه خط الدفاع الأول عن وطنه، وأنه لا يتردد في الوقوف صفا واحدا ضد كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن الجزائر واستقرارها.
وفي عالم تتراجع فيه القواعد، وتُداس فيه الشرعية الدولية، وتُدار فيه المؤامرات في وضح النهار، يصبح الحفاظ على الاستقرار معركة وجود، لا خيارا سياسيا عابرا. والجزائر، قيادة وشعبا، تخوض هذه المعركة بثبات، مدركة أن الاستقرار هو الشرط الأول للتنمية، وأن السيادة هي الضامن الوحيد لكرامة الأوطان.
تلك هي الجزائر التي تُستهدف لأنها مستقلة، وتُحارب لأنها ثابتة، وتُحترم لأنها اختارت أن تكون سيدة قرارها، مهما كانت التحديات، ومهما تعاظمت المؤامرات.


