جمعـــة لـ”الشعــب”: رفع المداخيــل بالاستثمار واستقرار القواعــد الجبائيــة
نمـوذج اقتصــادي جديـد قــائم علـى تنويـع الإنتاج خـارج المحروقـــات
هذه جدوى تحويل الدعم من “دعم أسعار” إلى “دعـم موجّـه وغـــير شامل”
حسم رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، مسألة استمرار الدعم الاجتماعي لفائدة المواطنين، معتبرا إياه مبدأ ثابتا لا رجعة فيه، وفاء لتضحيات الشّهداء وتجسيدا لما أقرّه بيان أول نوفمبر 1954، كما دعا في السياق ذاته إلى مجابهة معركة “الديمغرافيا”، في ظل وقوف الجزائر على عتبة 50 مليون نسمة، بما يستدعي تكثيف الجهود لرفع مداخيل الدولة.
أمام تمسّك الدولة بنفقات الدعم الاجتماعي، التي تمثل نسبة معتبرة من الميزانية السنوية، تبرز أهمية بناء نموذج اقتصادي جديد قائم على تنويع الإنتاج خارج قطاع المحروقات، باعتباره خيارا حتميا على أكثر من صعيد.
وفي ظلّ الخطوات المسجّلة لرفع مؤشّرات التنمية وتسطير هدف بلوغ مصاف الدول الناشئة، تسمح هذه المقاربة بزيادة مداخيل البلاد، وتفادي الارتهان لمداخيل المحروقات، بما يضمن الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة.
وقد باشرت السلطات العمومية العمل على هذا المسار، من خلال جملة من القرارات التي أقرّها رئيس الجمهورية، من شأنها التخفيف من الضغط على القدرة الشرائية، وتوفير مناصب الشغل، وتحسين مؤشّرات التنمية.
وفي هذا الإطار، أكّد الخبير نبيل جمعة أهمية الدعم الاجتماعي الذي تقدمه الدولة بشكل مستمر، تكريسا لمبدأ العدالة الاجتماعية المستمد من بيان أول نوفمبر 1954، لما له من دور في تخفيف الضغط على القدرة الشرائية.
وأوضح جمعة، في تصريح لـ«الشّعب”، أنّ الدعم، سواء كان مباشرا أو غير مباشر، يعد أداة حماية اجتماعية أساسية، وبدونه تتفاقم الصدمات الاقتصادية، إذ يحدّ من تآكل الدخل على المدى القصير، خاصة لدى الفئات الهشة، ويساهم في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، مشيرا إلى أنّ تحقيق القدرة الشرائية يقوم على توازن ثلاثة عناصر هي: الدخل الحقيقي، مستوى الأسعار، والإنتاجية، مبرزا أنّ الدعم يتدخّل أساسا في عنصر الأسعار.
محرّكات أساسية
يرى الخبير أنّ الدعم الشامل يستفيد منه من لا يحتاجه، ويتحول إلى نزيف دائم للمالية العمومية، مؤكّدا أنّ الاستقرار الحقيقي يمرّ عبر تحسين الأجور المرتبطة بالإنتاجية، إلى جانب توجيه الدعم وفق قواعد ومعطيات اجتماعية دقيقة، والاعتماد على الرّقمنة، مع التحكّم في التضخمّ وزيادة العرض المحلي عبر الإنتاج لا الاستيراد.
وبحسب جمعة، فإنّ رفع المداخيل يتم عبر خمسة محرّكات أساسية، في مقدمتها توسيع الوعاء الجبائي، بالنظر إلى ضعف القاعدة الضريبية الحالية، إلى جانب الإدماج التدريجي للاقتصاد غير الرّسمي، الذي يقدر بين 30 و40 بالمائة من النشاط الاقتصادي، عبر تعميم الدفع الإلكتروني للعمليات الكبرى، واعتماد تحفيزات ضريبية مؤقّتة بدل الإجراءات العقابية، وربط الامتيازات والقروض ودعم الصفقات بالتصريح الحقيقي، بما يسمح برفع المداخيل الجبائية دون المساس بالقدرة الشرائية.
كما شدّد الخبير على ضرورة تحويل الدعم من “دعم أسعار” إلى “دعم موجّه وغير شامل”، موضّحا أنّ أصحاب الدخل المرتفع يستهلكون أكثر من ذوي الدخل الضعيف، ومؤكّدا أنّ الحفاظ على الدعم أمر إيجابي، لكن بصيغ جديدة، من خلال توجيهه مباشرة للأسر عبر التحويلات، مع التحرير التدريجي للأسعار والتعويض المستهدف، بما يقلّص الكلفة ويحرّر موارد مالية معتبرة.
وفي السياق ذاته، أبرز المتحدث أهمية خلق المداخيل عبر الإنتاج، لا من خلال الجباية فقط، مشيرا إلى قطاعات قادرة على الإسهام في ذلك، كالصناعة التحويلية، والمناجم، والفلاحة، والصناعات الصيدلانية، والتجارة، فضلا عن تصدير منتجات ذات قيمة مضافة، والاستغلال الفعلي للمشاريع الكبرى، على غرار مشروع غارا جبيلات، مؤكّدا أنّ كل مدخول خارج المحروقات يعادل دعما اجتماعيا مضمونا دون مديونية.
وأكّد الخبير أيضا ضرورة وقف نزيف النفقات غير المنتجة، ومحاربة تضخيم الفواتير، مشدّدا على أنه لا يعقل استمرار مؤسّسات دون مردودية اقتصادية تستنزف المال العام دون مقابل، إلى جانب ترشيد الإنفاق الذي يساهم بدوره في خلق مداخيل إضافية.
وختم جمعة بالتأكيد على أهمية تحرير المبادرة الاقتصادية، باعتبار أنّ الدولة لا يمكنها بمفردها تمويل 47 مليون مواطن، وهو ما يجعل رفع المداخيل رهينا باستثمار حقيقي، واستقرار القواعد الجبائية، وتقليص البيروقراطية.



