من أقسى فصول الجحيم التي مررتُ بها في معتقل سيدي تيمان كانت فترة التحقيق. لم يكن تحقيقا واحدا، بل طبقات متراكبة من القسوة؛ يبدأ ميدانيا لحظة الاعتقال، ثم يمتد إلى تحقيقات الشاباك، ثم الاستخبارات العسكرية (أمان). كأنهم لا يكتفون بسؤال، بل يريدون إنهاك الروح قبل الجسد.
بعد فترة من اعتقالي، اقتادوني إلى مكان لا أعرفه. كنت معصوب العينين، مكبّل اليدين، ثم قُيّدت قدماي أيضا. لم يكن الطريق هو ما يرعبني، بل الشعور بأنك تُساق إلى مجهول كامل. قبل الدخول، جرى تفتيش قاسٍ ومهين، تُنزع فيه كل طبقات الأمان والخصوصية دفعة واحدة، لتدخل بعدها بلا حماية، إلا من صبرك.
أدخلوني إلى ما يسمّى غرفة “الديسكو”. غرفة مغلقة، تُدار فيها الموسيقى عبر مكبرات صوت بدرجات عالية تفوق قدرة الإنسان على الاحتمال. هناك، أدركت أن هذا النوع من التعذيب لا يحتاج إلى أدوات كثيرة؛ الصوت وحده يكفي ليهزّ الداخل، ليكسر الإيقاع الطبيعي للعقل والوقت والنوم.
مكثتُ في تلك الغرفة أياما طويلة، بين عشرة واثني عشر يوما، خضعتُ خلالها لجولات تحقيق متواصلة، كل جولة تمتد لساعات طويلة. كان العذاب خليطا مُنهكا: ضغط نفسي متواصل، تهديد، إنهاك، ومحاولات كسر لا تتوقف. الوقت هناك لا يُقاس بالساعات، بل بقدرة الجسد على البقاء واقفا، وبقدرة العقل على ألا ينهار.
في “الديسكو”، بالكاد تحصل على لقمة صغيرة في اليوم. الموسيقى لا تتوقف، الأصوات تتداخل، وصدى الألم القادم من غرف أخرى يمرّ عبر الجدران. لا ترى شيئا، لكنك تشعر بكل شيء. هناك، تتعلّم كيف يمكن للصمت أحيانا أن يكون أقسى من الكلام، وكيف يصبح الثبات فعل مقاومة.
ومن محاولاتهم لكسرنا نفسيا، وضعوني في الغرفة نفسها مع معتقلين آخرين، كان أحدهم أخي ابراهيم احمد . لم أكن أعلم بوجوده. لم أرَه، ولم أسمع صوته بوضوح. كانوا يراهنون على الصدمة، على أن تنهار حين تكتشف، أو أن تنطق بأي كلمة. لكن قدرة الإنسان على الاحتمال أحيانا تكون أقوى مما يتوقعون. لم أعرف بوجود أخي إلى جانبي إلا بعد إعادتنا إلى المعتقل لاحقا.
حتى العودة لم تكن نهاية للعذاب. الطريق نفسه كان امتدادا آخر للامتحان. كأن الرسالة واحدة في كل مرحلة: لا خروج سهلا من هذا الجحيم.
هذه ليست مجرد ذكريات، بل شهادة على طريقة تعامل الاحتلال مع المعتقلين؛ حيث يُستخدم الصوت، والعزل، والخوف، والانتظار، كأدوات كسر. ومع ذلك، بقي شيء واحد صامدا: الإيمان بأن الظلم لا يدوم، وأن الإنسان، مهما أُنهك، يستطيع أن يحفظ جوهره حيا.







