رفض أي مقاربة تقـوم على تصديـــر الأزمـات بــدل معالجتهــا مـن جـذورها
في السنوات الأخيرة، لم تعد الجزائر مجرّد محطة عبور في مسارات الهجرة غير الشرعية، بل أضحت، بفعل التحولات الجيوسياسية والاختلالات التنموية في محيطها الإقليمي والإفريقي، منطقة توطين فعلي لآلاف المهاجرين غير الشرعيين.
واقع جديد يفرض نفسه بحدة، ويضع الدولة والمجتمع أمام تحديات متعددة الأبعاد، أمنية واجتماعية واقتصادية، في سياق إقليمي معقّد تتقاطع فيه الأجندات والمصالح.
هذا التحول من “بلد عبور” إلى “بلد استقبال غير معلن” لم يكن خيارًا جزائريًا، بقدر ما كان نتيجة مباشرة لانهيار منظومات الدولة في بعض بلدان الساحل والصحراء، وتفاقم النزاعات المسلحة، وانتشار شبكات الاتجار بالبشر، إلى جانب تشديد السياسات الأوروبية على حدودها الجنوبية. وهو ما جعل الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وامتدادها الحدودي الواسع، في قلب هذه المعادلة الحساسة.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن محاولات بعض الأطراف الخارجية الدفع نحو تحويل دول الجنوب، ومنها الجزائر، إلى فضاءات عازلة لتجميع المهاجرين غير الشرعيين، تمهيدًا لإعادة توطينهم أو إعادتهم القسرية بعيدًا عن الضفة الأوروبية. مقترحات رفضتها الجزائر بشكل قاطع، انطلاقًا من ثوابتها السيادية ورفضها لأي مقاربة تقوم على تصدير الأزمات بدل معالجتها من جذورها. وفي مقابل ذلك، تبنّت الجزائر مقاربة متوازنة ومدروسة في التعاطي مع ملف الهجرة غير الشرعية، تقوم على الجمع بين البعد الإنساني واحترام التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية. وفي هذا الإطار، عززت الجزائر تعاونها الإقليمي من خلال بروتوكولات وآليات تنسيق مع دول الجوار، خاصة تونس وليبيا، تقوم على تبادل المعلومات، ومكافحة شبكات التهريب العابرة للحدود، وتنظيم عمليات العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين في ظروف إنسانية تحفظ كرامتهم.
كما يشكّل التعاون مع إيطاليا محورًا أساسيًا في المقاربة الجزائرية، حيث تم إرساء بروتوكول تعاون ثنائي في مجال الهجرة، يركّز على مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، وتدعيم قدرات المراقبة البحرية، إلى جانب مقاربة وقائية تقوم على دعم الاستقرار والتنمية في دول المصدر. تعاون يندرج ضمن رؤية شاملة ترفض الحلول الأمنية الضيقة، وتؤكد ضرورة تقاسم الأعباء والمسؤوليات بين ضفتي المتوسط.
هذا التنسيق الإقليمي والمتوسطي لا ينطلق من منطق أمني صرف، بل من قناعة راسخة بأن الهجرة غير الشرعية ظاهرة مركبة، لا يمكن معالجتها بالحلول الظرفية أو الإجراءات الزجرية وحدها. فالجزائر تؤكد، في كل المحافل، أن الحل الحقيقي والمستدام يكمن في دعم برامج التنمية في الدول الإفريقية الفقيرة، ومعالجة أسباب الهجرة من منبعها، عبر الاستثمار، وبناء البنى التحتية، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاستقرار السياسي.
الرؤية الجزائرية، تم تعزيزها بسن تشريعات تشدد العقوبات على ظاهر الاتجار بالبشر، ومكافحة الشبكات المتورطة فيها. وتضع الجزائر الإنسان في صلب المعالجة وترفض منطق “المناطق العازلة”، تعكس موقفًا سياديًا أخلاقيًا في آن واحد، وتؤكد أن الهجرة ليست جريمة، بل نتيجة خلل عالمي في توزيع الثروة والتنمية. وهو موقف ينسجم مع تاريخ الجزائر، الدولة التي خبرت معاناة الشعوب، وتصرّ على أن تكون جزءًا من الحل، لا حائط صد لأزمات الآخرين.


