مرّة أخرى، يبرهن الشّعب الجزائري، بمختلف فئاته، أنّه في مستوى التحديات، وقادر على التمييز بين الحق المشروع والمناورة الخبيثة، وبين المطالب الاجتماعية المشروعة ومحاولات الركوب والتحريض الهدّام. فبعد أن رُصدت، خلال الأيام الماضية، صفحات إلكترونية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، مصدرها دول أجنبية، دعت إلى التحريض على إضراب التجار يوم 08 جانفي 2025، سقطت هذه المحاولات في مستنقع الفشل، وارتدّ كيدها على أصحابها.
كانت الهيئات الجزائرية المختصّة في الأمن السيبراني بالمرصاد، حيث تمكّنت، في إطار عملها الاستباقي، من رصد وتتبّع هذه الصّفحات المشبوهة التي حاولت التقمص الفجّ لهوية جزائرية، باستعمال شعارات وطنية زائفة، بهدف تضليل الرأي العام، ودفع فئات حسّاسة، على غرار التجار والناقلين، نحو مواقف تصعيدية تخدم أجندات خارجية لا علاقة لها لا بمصلحة المواطن ولا بالاقتصاد الوطني.
وكانت الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، قد حذّرت في بيان لها الأربعاء، من منشورات ذات طابع تخريبي، عبر منصات التواصل الاجتماعي، تابعة لأشخاص متواجدين بالخارج ومعروفين بعدائهم تجاه الجزائر، لتحريض التجار على القيام بإضراب يوم الخميس بغرض المساس باستقرار البلاد.
وأوضح البيان أنّه “بعد تحريات تقنية منجزة من طرف مصالحها المختصّة، تعلم الهيئة الرأي العام عن نشر على شبكة الانترنت لمنشورات ذات طابع تخريبي عن طريق صفحات وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، تابعة لأشخاص متواجدين بالخارج، خصوصا بالمغرب، فرنسا، بريطانيا وكندا، معروفين بعدائهم تجاه الجزائر ومؤسّساتها، لتحريض التجار الجزائريين على القيام بإضراب يوم الخميس 8 جانفي 2026 بغرض المساس باستقرار البلاد”.
ومن المهم التأكيد، في السياق، أن الإضراب في الجزائر حق دستوري مكفول، تمارسه مختلف الفئات في إطار القانون، وبروح حضارية ومسؤولة. كما أنّ انشغالات التجار والناقلين، التي طُرحت في الآونة الأخيرة، تمّ تفهّمها، وعبّرت عن مطالب واضحة، تم التعامل معها من قبل السلطات العمومية بحكمة ومسؤولية، من خلال فتح قنوات الحوار، والتفاعل الإيجابي مع المقترحات، بعيدًا عن منطق التصعيد أو الفوضى.
غير أنّ ما يثير الاستغراب والاستنكار، هو دخول أطراف أجنبية على الخط، ومحاولتها توجيه هذه المطالب النبيلة نحو مسارات خطيرة، عبر الدعوة إلى إضرابات شاملة، وبثّ خطاب تحريضي، يضرب في العمق قوت الجزائريين اليومي، ويستهدف أمن الوطن واستقراره. وهو ما يؤكّد، دون أدنى شك، وجود نوايا تخريبية واضحة، تسعى إلى زعزعة الثقة بين المواطن ومؤسساته، وضرب المسار التنموي الذي اختارته الجزائر بإرادتها السيادية.
لكن الرد جاء من الميدان، قويًّا وحازمًا. فقد كان موقف التجار صارمًا في مواجهة هذه الجهات الهدامة، حيث رفضوا الانسياق وراء دعوات مشبوهة، وأثبتوا وعيًا عاليًا بالرهانات، وحرصًا صادقًا على المصلحة الوطنية. ومرّ يوم الخميس في كنف هدوء تام، وسكينة عامة، وحركية تجارية طبيعية، مع وفرة ملحوظة في مختلف المنتجات، دون تسجيل أي اضطراب يُذكر.
هذا المشهد الحضاري كان رسالة واضحة، في الداخل والخارج، مفادها أنّ الجزائريّين كسبوا مسبقًا معركة الوعي، وأنّ محاولات العبث بأمنهم المعيشي لن تجد لها موطئ قدم، كما أكّد أن الشعب الجزائري الذي خبر عبر تاريخه الطويل أساليب الاستعمار والمؤامرات، بات اليوم أكثر نضجًا وصلابة، وأقدر على إفشال مخططات الأعداء والخونة.
ويأتي هذا الوعي الشعبي في سياق وطني عام، تعرف فيه الجزائر ديناميكية متصاعدة لتعزيز استقلالها الاقتصادي والتنموي، وبناء نموذج تنموي جديد، قائم على الإنتاج، وتنويع الموارد، وتشجيع المبادرة، وحماية السوق الوطنية. كما يتقاطع هذا المسار مع وفاء عميق لتاريخ الجزائر المجيد، وتضحيات الشهداء، الذين سقطوا دفاعًا عن السيادة والكرامة الوطنية.
ولعل التفاعل الشعبي الواسع والإيجابي مع كل ما يعزّز الذاكرة الوطنية، مثل قانون تجريم الاستعمار، خير دليل على أن الجزائريين يدركون أن معركة اليوم ليست فقط اقتصادية أو اجتماعية، بل هي أيضًا معركة هوية وذاكرة وسيادة. معركة تُخاض بالوعي، وبالعمل، وبالالتفاف حول الوطن ومؤسّساته.



