مناضـل في الصـف الأول علــى جبهة الهويــة الجزائريـة
يمثّل الشيخ المهدي البوعبدلي (1907–1992) إحدى الشخصيات المفصلية في تاريخ البحث التاريخي الجزائري المعاصر، لما جسّده من تلازم نادر بين العالم الفقيه والمحقق المؤرخ، وبين المناضل الثقافي الذي وعى مبكراً أن معركة الجزائر مع الاستعمار كانت بالأساس معركة على الذاكرة والهوية والتاريخ.
نهض البوعبدلي بدور حارس الذاكرة الوطنية، وسخّر علمه وجهده لإنقاذ التراث المخطوط وإعادة الاعتبار لتاريخ الجزائر، خصوصاً في مراحله التي تعرّضت للتشويه والإقصاء، مؤكداً بالوثيقة والنص أن هذا البلد امتلك، قبل 1830، حياة علمية وثقافية وحضارية راسخة.
وانطلاقاً من تكوينه الأصيل في الزوايا والمدارس العتيقة، وانفتاحه الواعي على المناهج الحديثة واللغات الأجنبية، استطاع البوعبدلي أن يبني مشروعاً علمياً متكاملاً، جمع فيه بين التحقيق الدقيق، والتأليف التاريخي، والعمل الميداني والمؤسساتي بعد الاستقلال.
كانت جهوده التوثيقية فعل مقاومة ثقافية طويلة النفس، أسهم في تأسيس مدرسة تاريخية جزائرية، وفي تكوين أجيال من الباحثين الذين وجدوا في مكتبته ومؤلفاته مرجعاً لا غنى عنه لفهم الذات الوطنية واستعادة الثقة بتاريخ الجزائر وعمقها الحضاري.
وتعد دراسة سيرة الباحث والمؤرخ الجزائري الشيخ المهدي البوعبدلي مدخلاً أساسياً لفهم حركية التراث والبحث التاريخي في الجزائر المعاصرة، إذ يمثل هذا العالم حلقة وصل نادرة بين الأصالة العلمية الموروثة عن جيل الزوايا والمدارس الفقهية العتيقة، وبين المنهجية البحثية الحديثة التي تطلبتها مرحلة بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، لقد كان مناضلاً في جبهة الهوية، استشعر مبكراً أن المعركة مع الاستعمار كانت معركة وجود ثقافي وتاريخي تهدف إلى طمس الشخصية الوطنية ونفي أي مؤشر على التحضر الجزائري قبل عام 1830.
الوعي الأوّل
ولد المهدي بن بوعبد الله بن عبد القادر بن محمد بن الجيلاني بن الموهوب البوعبدلي في ليلة الخميس العاشر من ذي الحجة عام 1324هـ، الموافق لـ 25 جانفي 1907م بطيوة بوهران.
كان والده الشيخ بوعبد الله يدير مدرسة قرآنية مشهورة، كانت بمثابة منارة للعلم زارها كبار علماء الجزائر، وفي مقدمتهم الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الإصلاحية.
في هذه البيئة المشبعة بالذكر والتدريس، حفظ المهدي القرآن الكريم على يد الشيخ عبد القادر بن طويس، وتلقى المبادئ الأولى في النحو والفقه المالكي، وهو ما شكل القاعدة المتينة التي استند إليها في كل أبحاثه اللاحقة.
تجاوز المهدي البوعبدلي التعليم التقليدي في زاوية والده، فسعى لتوسيع مداركه العلمية، في مرحلة مبكرة، درس اللغة الفرنسية في المدرسة الرسمية ببلدته حتى نهاية السلك الابتدائي، وهو ما منحه القدرة لاحقاً على الاطلاع على الأرشيف الفرنسي ومناقشة أطروحات المؤرخين الأجانب بلغتهم.
انتقل بعدها إلى مدينة مازونة، التي كانت توصف بأنها عاصمة دراسة الفقه المالكي في الغرب الجزائري وشمال إفريقيا.
كانت مدرسة مازونة معهداً فقهياً مرموقاً يخرج القضاة والعلماء، وهناك تعمق البوعبدلي في دراسة “ألفية ابن مالك” في النحو، والدروس الفقهية المعمقة، مما أهله للانتقال إلى مرحلة التعليم العالي في جامع الزيتونة بتونس عام 1931.
في تونس، تفتحت آفاق المهدي على كوكبة من العلماء الأجلاء مثل الشيخ عبد العزيز جعيط والشيخ البشير النيفر، وكانت الزيتونة حينها مختبراً للفكر القومي والنشاط الطلابي المقاوم للاستعمار.
ساهم البوعبدلي بفعالية في تأسيس “جمعية الطلبة الزيتونيين الجزائريين” رفقة زملائه مثل أحمد حماني وأبو بكر الأغواطي، وتولى مناصب قيادية فيها، حيث كانت الجمعية تعقد اجتماعاتها سراً في ظل تضييق السلطات الاستعمارية.
تخرج من الزيتونة عام 1933 بشهادة “التطويع”، ليعود إلى الجزائر محملاً بزاد معرفي وتجربة نضالية ستحدد ملامح مسيرته المستقبلية.
إنقاذ التراث من غياهب النسيان
يعد التحقيق المخطوط أحد أبرز الجوانب في مسيرة المهدي البوعبدلي، حيث صنف ضمن “أعمدة التحقيق” في الجزائر.
أدرك أن الكتاب المخطوط هو وثيقة حية تثبت الرقي الفكري للجزائريين في العصور السابقة، خاصة في العهد العثماني الذي تعرض لتشويه متعمد من قبل المؤرخين الفرنسيين.
اتسم منهج البوعبدلي في التحقيق بالدقة العلمية مع الحفاظ على روح النص الأصلي، وقد تجلى ذلك في عمله على مخطوطات نادرة مثل “دليل الحيران وأنيس السهران في أخبار مدينة وهران” لمحمد بن يوسف الزياني، و«الثغر الجماني في ابتسام الثغر الوهراني” لأحمد بن محمد الراشدي.
تضمن منهجه الخطوات التالية:
1.وصف المخطوط: تقديم بطاقة فنية تشمل العنوان، المؤلف، تاريخ النسخ، والناسخ، مع وصف دقيق للحالة المادية للورق والحبر.
2.الأمانة في النقل: نقل النص بحذر شديد دون زيادة أو نقصان، والاكتفاء بشرح المفردات الغامضة في الهوامش.
3.التعريف بالأعلام: تميز ببراعة في الترجمة للشخصيات المغمورة التي ترد في النصوص، مستنداً إلى رصيد هائل من المعلومات التراجمية.
4.النشر الوقائي: كان يسارع لنشر الوثائق التي يخشى ضياعها أو تلفها، حتى وإن لم يستوفِ التحقيق شروطه الأكاديمية الصارمة، إيماناً منه بأن بقاء النص متاحاً للباحثين أولى من انتظاره لسنوات طويلة في غياهب الخزائن.
المكتبة البوعبدلية
تمثل المكتبة البوعبدلية ببطيوة إرثاً وطنياً لا يقدر بثمن، أسس والده نواتها الأولى في بداية القرن العشرين (حوالي 1903م)، لكن المهدي هو من حوّلها إلى خزانة عالمية كبرى.
كان يقتني خزائن كاملة من العائلات العلمية في مختلف المدن الجزائرية، ويقوم بفهرستها يدوياً بدقة متناهية.
تحتوي المكتبة على:
•مخطوطات نادرة: وثائق أصيلة باللغة العربية وأخرى مترجمة عن الفرنسية منشورة في “المجلة الإفريقية”.
•مراسلات تاريخية: رسائل نادرة من باشوات الجزائر، ومكاتبات تخص الأمير عبد القادر، ووثائق تتعلق بالثورات الشعبية.
•كناشات العلماء: منها “كناش الشيخ حميد العمالي” مفتي المالكية، الذي استعان به الدكتور أبو القاسم سعد الله في أبحاثه.
•أمانات علمية: أودع لديه العديد من العلماء كتبهم ومخطوطاتهم خشية ضياعها، مثل الشيخ بزوزو والشيخ الباش المحمودي.
هذه المكتبة كانت وجهة للباحثين وطلبة الجامعة الجزائرية الذين وجدوا فيها مصادر بكر لم تتناولها الأيدي من قبل، وهو ما جعلها ركيزة أساسية في “المدرسة التاريخية الجزائرية”.
إعادة كتابة الماضي الوطني
تنوعت مؤلفات البوعبدلي لتغطي فترات مفصلية من تاريخ الجزائر، مع التركيز بشكل خاص على العهد العثماني والمقاومة الشعبية. كان ينطلق من رؤية مفادها أن تاريخ الجزائر تعرض لتشويه لا يقل خطورة عن مضايقة اللغة العربية وتحريف الدين الإسلامي من قبل الاحتلال، حيث فكك أسطورة “الركود الثقافي” التي روّج لها المؤرخون الفرنسيون. سلط الضوء على مراكز الإشعاع في الجزائر وقسنطينة وتلمسان وتوات، وعرف بعلماء كبار مثل عبد الرحمن الأخضري وعبد الكريم الفكون.
وأثبت البوعبدلي بالوثائق أن الجزائر كانت تضم شبكة واسعة من الزوايا والمساجد والمؤسسات الوقفية التي حافظت على التوازن الاجتماعي والفكري.
وتناول في كتابه عن الشريف بوبغلة تفاصيل ثورة بلاد جرجرة عام 1851، مبرزاً أبعادها الوطنية وتكاملها مع الثورات الأخرى. أما في كتابه “تاريخ المدن الجزائرية”، فقد استعرض التطور الحضاري والسياسي للمدن عبر العصور، مع التركيز على دورها كمراكز رباط وجهاد وفداء، كما في دراساته عن وهران ومازونة.
ويعد “طبقات علماء الجزائر (المخطوط الموسوعي)” من أضخم مشاريعه العلمية، حيث يقع في 16 كراسة، ويضم تراجم لمئات العلماء الجزائريين الذين عاشوا في العهد العثماني وأوائل عصر الاحتلال. هذا المخطوط يمثل استكمالاً لسلسلة كتب الطبقات في المغرب العربي، ويهدف إلى حفظ سير الشخصيات التي ساهمت في صيانة المرجعية الفقهية واللغوية للبلاد.
أصالة التكوين وحداثة الرؤية
تميز المهدي البوعبدلي بكونه “عالماً فقيهاً برتبة مؤرخ فصيح”، ورغم عدم تلقيه تكويناً أكاديمياً في أقسام التاريخ الحديثة، إلا أنه استطاع بفضل عصاميته وتكوينه الزيتوني الرصين أن يفرض نفسه كواحد من أبرز المؤرخين الجزائريين في القرن العشرين.
ومن خصائص كتاباته المنهجية 1. الطابع التقليدي الوسيطي: حافظ في أسلوبه على تقاليد المؤلفين المسلمين القدامى، من حيث السجع أحياناً، والبدء بالحمد والثناء، والإشارة للمصادر في المتن.
2.الهدف الوطني: كان التاريخ عنده وسيلة لتعزيز “المعركة الثقافية” وصيانة الشخصية الوطنية، لذا ركز على البطولات العلمية والجهادية.
3.التوثيق بالهجري: تمسك بالتأريخ الهجري كجزء من الهوية الإسلامية، مما يعكس تشبعه بالثقافة العربية الأصيلة.
4.المزاوجة الثقافية: جمع بين الثقافة التراثية المستمدة من المخطوطات، وبين الثقافة العصرية التي اكتسبها من إتقانه للفرنسية وأسفاره المتعددة إلى الشرق والغرب.
5.الدور التوجيهي: كان البوعبدلي يلعب دور “المنبه” للباحثين الشباب، موضحاً لهم ثغرات البحث ومواطن النقص في دراسة التاريخ الوطني.
المهدي البوعبدلي في عيون أقرانه وتلامذته
حظي الشيخ المهدي بمكانة مرموقة لدى كبار علماء ومؤرخي الجزائر، حيث اعتبره الدكتور أبو القاسم سعد الله “رائداً للنهضة التاريخية” واستعان بخبرته الواسعة في المخطوطات عند كتابة موسوعته “تاريخ الجزائر الثقافي”، كما شارك الدكتور ناصر الدين سعيدوني في أعمال علمية مشتركة، منها كتاب “الجزائر في التاريخ – العهد العثماني”، الذي صدر بمناسبة الذكرى الثلاثين للثورة التحريرية.
وقد كّرم بجوائز وتبوأ مناصب هامة حيث منحت له جامعة وهران شهادة الدكتوراه الفخرية عام 1991م تقديراً لجهوده في حفظ تراث المدينة وتاريخ الجزائر، وكان عضواً بالمجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر منذ تأسيسه عام 1963م، وعضواً بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر.
وصدرت أعماله الكاملة في ثمانية مجلدات عن وزارة المجاهدين عام 2013م، مما يضمن بقاء علمه متاحاً للأجيال الجديدة.
وقد ساهم في بناء المؤسسات الثقافية والدينية في الجزائر المستقلة، واشتغل بوزارة الثقافة في “دائرة المعالم الأثرية” منتدباً من وزارة الشؤون الدينية، حيث قام برحلات استكشافية لتوثيق المساجد والزوايا والآثار الإسلامية في مختلف ولايات الوطن، كما عمل عضواً في المكتب الوطني للدراسات التاريخية، وساهم في صياغة البرامج التعليمية التي تهدف إلى “جزأرة” (جعلها جزائرية) المعرفة التاريخية وتخليصها من التبعية للمدرسة الاستعمارية.
ساهمت أسفاره المتعددة إلى دول مثل الهند، باكستان، روسيا، ألمانيا، وإسبانيا في ربط سلسلة من العلاقات مع مشاهير الفكر والمستشرقين، مما جعل منه سفيراً فوق العادة للثقافة الجزائرية، يصحح المفاهيم المغلوطة ويبرز عمق الحضارة الإسلامية في الجزائر.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
توفي الشيخ المهدي البوعبدلي في الخامس من ذي الحجة عام 1412هـ، الموافق لـ 6 جوان 1992م، ودفن في زاوية أسرته ببطيوة، مخلفاً وراءه مدرسة تاريخية قائمة بذاتها.
إن حياة البوعبدلي كانت ملحمة من الصبر والاجتهاد في طلب العلم وحفظه، حيث انتقل من دور “المتعلم” في كتاتيب الشلف ومازونة، إلى دور “المناضل الطلابي” في تونس، وصولاً إلى دور “المؤرخ المحقق” الذي أنقذ آلاف الوثائق من التلف والضياع.
يبقى المهدي البوعبدلي نموذجاً للمثقف العضوي الذي لم ينفصل عن قضايا أمته، وآمن بأن قوة الأمة تكمن في وعيها بتاريخها الصحيح. إن مكتبته ببطيوة ومؤلفاته المنشورة ستظل منبعاً لا ينضب للباحثين، وشاهداً على أن الجزائر، رغم قرن وثلث من الاستعمار، ظلت وفية لجذورها.




