تزايد الضغط العسكري والسياسي على الطغمة العسكرية الحاكمة في مالي، فلم تعد قادرة على التحكم كليا في إمدادات الطاقة والغذاء القادمة إلى العاصمة، ولم تعد كذلك قادرة على إقصاء كل تمثيل سياسي يهدد بقاءها. وستستميت هذه الطغمة الانقلابية في الحفاظ على سلطتها بتشديد القبضة الأمنية، والبحث عن بدائل لتعويض النقص في إمدادات الطاقة والغذاء.
برز في مالي تغيّران، هما: إرباك “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” الإرهابية طرق الإمداد المؤدية إلى العاصمة باماكو، خاصة منذ جوان 2025، وإعلان المعارضة عن “هيئة القوى من أجل الجمهورية” في النصف الثاني من عام 2025، لاستعادة المسار الدستوري الذي أوقفه الانقلابيون في مالي. وينتزع هذان التغيران جزءا مهمّا من قدرة الطغمة العسكرية في باماكو على ترسيخ سيطرتها، سواء بفقدانها الموارد التي تمكّنها من القيام بوظيفة ضمان المعيشة للسكان الواقعين تحت سيطرتها، أو بعجزها عن القضاء على أي بديل سياسي لحكمها.
وعلاوة على أن التغيرين، وإن كانا منفصلين، إلا أنهما عمليا يتكاملان؛ فكلما اشتد الخناق على باماكو، ساءت الأحوال المعيشية للسكان، فيزداد تذمرهم من القيادة الحاكمة، ويصبّ هذا التذمر في زيادة شعبية الهيئة المعارضة.
خنق اقتصادي عن بُعد
شرعت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” الإرهابية في مهاجمة قوافل الوقود وقطع الطرق المؤدية إلى باماكو منذ الربع الثاني من عام 2024، وخصوصا خلال الفترة من جوان إلى نوفمبر 2025، وكان الهدف خنق العاصمة باماكو عبر تكتيكات إحراق شاحنات نقل الوقود وفرض كلفة مرور مرتفعة.
وقد ركزت هذه الجماعة المتفرعة عن تنظيم “ القاعدة “الدموي على قطع مواد الطاقة والغذاء والكهرباء، ففقد الانقلابيون، بقيادة أسيمي غويتا في باماكو، التحكم في توفير أساسيات الحياة للسكان الواقعين تحت سيطرتهم. وفي المقابل، صارت جماعة نصرة الإسلام الإرهابية تتحكم عن بُعد في أنشطة حيوية لسكان العاصمة، من دون الدخول في مواجهة عسكرية مكلفة مع العسكريين.
بدت مؤشرات نجاح هذا الخنق في اتساع نطاقه إلى عدد متزايد من المدن الواقعة على المحاور المؤدية إلى العاصمة باماكو غربا وجنوبا غربيا، وكذلك في اضطراب النشاطات داخل العاصمة نفسها. فقد وردت تقارير عن طوابير طويلة، وإغلاق محطات، وحدوث شلل اقتصادي متقطع، وتعطل خدمات ناتج عن انقطاعات الكهرباء، وتوقف النقل، وارتفاع كبير في الأسعار.
ويؤكد ذلك قرار الطغمة العسكرية الحاكمة تعليق الدراسة لمدة أسبوعين، في أواخر أكتوبر 2025، بسبب نقص الوقود. وإلى جانب هذه الخسائر، تستفيد الجماعة الإرهابية من مداخيل ناتجة عن تحكمها في طرق المرور والسوق السوداء، وتوفير الحماية للقوافل، فتستثمر هذه المداخيل في توسيع عملياتها وتكثيفها لزيادة التضييق على الحكومة العسكرية في باماكو.
المعارضــة تتحــرّك
بالموازاة مع التصعيد الإرهابي والخنق الاقتصادي، أعلنت المعارضة المالية عن إنشاء “هيئة القوى من أجل الجمهورية” في النصف الثاني من عام 2025، وهي تعمل على استعادة المسار الدستوري بعد انتقال سياسي قصير يدوم 18 شهرا، من خلال المقاومة السلمية. ويعلّق دعاة عودة النظام الدستوري في مالي آمالا كبيرة على هذه الهيئة، ويتطلعون لحصولها على دعم الاتحاد الأفريقي بوصفها بديلا عن حكومة الطغمة العسكرية التي يرفض الاتحاد الاعتراف بها.
كذلك قد تحظى الهيئة بدعم القوى الغربية، خاصة فرنسا والولايات المتحدة. وقد تحظى أيضا بدعم منظمة الإيكواس التي تقودها نيجيريا، وهي منظمة لا تعترف بانقلاب مالي والحكومة العسكرية الناتجة عنه.
ضغـــط متزامــن
يتزامن ضغط “جماعة نصرة الإسلام” الإرهابية مع ضغط “هيئة القوى من أجل الجمهورية” على الطغمة العسكرية في باماكو من دون تنسيق مسبق، لكنهما قد يعززان بعضهما عمليا. فكلما قطعت الجماعة الإرهابية الإمدادات المتجهة إلى باماكو، ساءت الأوضاع المعيشية، فيزداد تذمر السكان، فتختار الحكومة العسكرية إما تشديد القبضة الأمنية للقضاء على التململ، فتستعدي السكان أكثر، أو مواجهة تصاعد شعبية الهيئة المعارضة.
وفي المقابل، إذا زاد ضغط الهيئة المعارضة من خلال تنظيم الإضرابات والاحتجاجات ونجحت في تطويق حكومة الانقلابيين عسكريا وسياسيا من الخارج، ستضطر الحكومة إلى التركيز على وقف هذه الاحتجاجات، فتنشغل عن مواجهة جماعة نصرة الإسلام الدموية، التي قد تنتهز الفرصة لتوسيع عملياتها في قطع طرق الإمداد، وقد تحاصر العاصمة باماكو نفسها، ما قد يؤدي إلى تصدع الجيش المالي.
سيناريوهــات
تُرتّب هذه التحولات السيناريوهات المحتملة تنازليا من حيث الاحتمال.
السيناريو الأول: يتمثل في تشديد القبضة الأمنية مع ازدياد الضغط، وهو السلوك الغالب على الأنظمة العسكرية المماثلة، مع محاولة معالجة أزمة الإمدادات عبر الحلفاء الإقليميين. غير أن هذا السيناريو قد لا يستمر إذا طال أمد الخنق الاقتصادي.
السيناريو الثاني: يتمثل في تصاعد الاحتجاجات والإضرابات، وفقدان حكومة الطغمة العسكرية السيطرة على العاصمة باماكو، ما قد يؤدي إلى تصدع داخلي في المؤسسة العسكرية أو انقلاب مضاد، أو بروز جناح يدفع نحو تسوية سياسية لتجنب انهيار الدولة.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على لجوء الحكومة الانقلابية إلى صفقة توافقية إذا رأت أن كلفة القمع أصبحت أعلى من كلفة التنازل، بما يضمن بقاء المؤسسة العسكرية لاعبا أساسيا في الترتيبات الجديدة.



