الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، أمّا بعدُ…
فتمرّ بنا في هذه الأيّام الذكرى السنوية الثانية لارتقاء الشيخ الدكتور الشهيد يوسف جمعة سلامة – رحمه الله – 31/ 12/ 2023م، وما زال حيًّا في قلب كلّ من عرفه، إنه رحيل مشرّف يليق بعالم عامل جليل مثله، فقد أراد الله سبحانه وتعالى به خيراً أن قدّر له هذه الخاتمة العظيمة
كان الشيخ – بإذن الله – في زمرة الشّهداء مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ليحيا حياة الخلود في جنّة عرضها السموات والأرض، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ*فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ*يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ*﴾ (آل عمران: 169-170).
ومضات من حياة الشّيخ رحمه الله
لقد كانت حياة الشيخ – رحمه الله – حافلة بالعلم والعمل والحيوية والنشاط في جميع المجالات، فيها العديد من المحطّات المضيئة التي تعدّ قدوة مُثلى ونموذجا يُحتذى ونبراساً ينير الطريق لكلّ من أراد أن يكون داعية مخلصاً إلى الله سبحانه وتعالى، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصّلت: 33).
يعدّ الشيخ – رحمه الله – مدرسة علمية متكاملة، بعلمه وأدبه وأخلاقه ودماثته وسيرته، إذا تكلّم أنار العقول والأذهان وأسر القلوب والوجدان، وإذا صمت كان لصمته أثر كبير بالهيبة والوقار، جمع بين العمق في الفهم، والإخلاص في العمل، والصدق في القول، والحكمة في الوعظ والإرشاد، كما جمع بين هيبة العظماء، وتواضع العلماء، وعفو القادرين، صفح الأقوياء، وعبادة الأتقياء.
عالم عامل وداعية مخلص
للشيخ – رحمه الله – آثار علميّة وبصمات رائدة في ميادين العلم الشرعي والدعوة الإسلامية السمحة، خير العلوم وأشرفها، كما جاء في قوله – صلّى الله عليه وسلّم – «مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ» (رواه الشيخان)، لقد وهب الشيخ حياته للعلم، فكان – رحمه الله – عالماً حكيماً وباحثاً مميّزاً وكاتباً مبدعاً، يعتكف يوميّا في مكتبته الغنية محلّقاً في سمائها بين المصادر والمراجع العلمية والكتب قارئاً لها متأمّلاً فيها محلّلا أفكارها ومعانيها، متنقّلا بين جنانها يقرأ ويتمعّن فيها ويقتبس منها، فيمتصّ رحيق علومها، ثمّ ينتج منها أفكاراً كالشهد، فيها موعظة للنفوس، وعبرة للقلوب، وغذاء للعقول، وشفاء للصدور، وبصيرة للحائرين، وملجأ للتائبين، وحصن لطالبي الحق.
واعظ حكيم وخطيب مفوّه
صَعِد الشيخ المنابر وهو في ريعان شبابه، فترجّل – رحمه الله – خطيباً لمسجد المغازي الكبير وهو في مقتبل العمر، فقضى سنيّ حياته في الوعظ والإرشاد والخطابة، فكان – رحمه الله – خطيباً مفوّهاً وواعظاً حكيماً وداعية إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، عاملاً بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ﴾ (النحل: 125).
ملك الشيخ – رحمه الله – ناصية اللغة، وزمام البلاغة، وفصاحة اللسان، وقوة الكلمة، فكانت كلماته دوماً مؤثرة تلقى آذاناً صاغية وعقولاً واعية وقلوباً راغبة، إذا قال أقنع، وإذا حدّث سُمِع له، عرفته منابر المساجد في فلسطين بصفة عامّة له فيها صولات وجولات، ومنابر المساجد في قطاع غزة بصفة خاصّة، وكذلك بعض المساجد في عواصم الدول العربية والإسلامية، يخطب الجمعة ويلقي الدروس والمواعظ في مساجد فلسطين جميعها في كثير من الأيام، وخصوصاً في أيام شهر رمضان المبارك ولياليه ما انقطع عن الخطابة فيها حتى ارتقائه شهيداً إلى العلياء.
كان الشيخ – رحمه الله – واحداً من العلماء الأجلّاء والخطباء الفصحاء الذين نالوا شرف الصعود على منبر القائد المغوار صلاح الدين الأيوبي، فحظي بأن يكون خطيب المسجد الأقصى المبارك.
الشّيخ والمسجد الأقصى المبارك والمدينة المقدّسة
يعدّ الشيخ – رحمه الله – شيخاً للمسجد الأقصى المبارك وخطيباً فذًّا من خطبائه البلغاء، نذر نفسه للدفاع عن المسجد الأقصى المبارك – أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين – والمقدّسات والمدينة المقدّسة، وانبرى – رحمه الله – مدافعاً عن الأقصى والمقدّسات في كلّ الميادين، لا تخلو كلماته وخطبه ومقالاته من ذكر المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس وحثّ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على ضرورة الذود عن قبلتهم الأولى ومسرى نبيّهم محمّد – صلّى الله عليه وسلّم – والإشادة بالمقدسيين الذين يشكلون رأس الحربة في الذود عن أقصاهم المبارك، ودورهم الرائد في الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك وعمارته بالزيارة والصلاة والاعتكاف وحضور حلقات العلم وتحفيظ القرآن الكريم فيه، ودعم حراسه وسدنته، وكان للشيخ – رحمه الله – بالإضافة إلى مقالاته وخطبه وكلماته بعض الكتب في هذا المجال، ومنها: كتاب دليل المسجد الأقصى المبارك، وكتاب إسلامية فلسطين، وكتاب فلسطين..المكان والمكانة.
الشّيخ..خادم للقرآن الكريم وأهله
لقد كان الشيخ – رحمه الله – خير خادم للقرآن الكريم وأهله، وبدا ذلك واضحاً في كل المناصب التي تولّاها، حيث وفّقه الله سبحانه وتعالى، فكان أول من نظّم مسابقة الأقصى المحلية في حفظ القرآن الكريم، ومسابقة الأقصى الدولية في حفظ القرآن الكريم، كما قام بإنشاء العديد من دور القرآن الكريم ومراكزه، وعمل على رعايتها ورفدها بالكادر البشري المؤهل من المحفّظين الأكفاء، وهيّأ لهذه المراكز القرآنية وروّادها كل سبل الدعم المادي والمعنوي، ويعدّ الشيخ أوّل من رفع شعار: فلنملأ فلسطين بحافظي كتاب الله، كما كان له الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في إنشاء أوّل إذاعة للقرآن الكريم تابعة لوزارة الأوقاف والشئون الدينية في فلسطين، وكان له – رحمه الله – قصب السبق في طباعة أوّل مصحف في تاريخ فلسطين، ألا وهو مصحف بيت المقدس.
الشّيـــــخ المؤسّــــس
أسّس الشيخ – رحمه الله – أثناء عمله وكيلاً ثمّ وزيراً للأوقاف والشئون الدينية العديد من المؤسّسات الدينية والدعوية والعلمية التابعة لوزارة الأوقاف والشئون الدينية، ومنها: مدارس الأوقاف الشرعية للبنين بغزة وللبنات بخانيونس، وكلية الدعوة الإسلامية بفرعيها في دير البلح وقلقيلية، وإذاعة القرآن الكريم، وطباعة مصحف بيت المقدس، وهو أوّل مصحف يُطبع في تاريخ فلسطين، وتسجيل أوّل مصحف مرتّل في تاريخ فلسطين بصوت الشيخ محمد رشاد الشريف – رحمه الله – مقرئ المسجد الأقصى المبارك في القدس والمسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، وإقامة أوّل مسابقة في حفظ القرآن الكريم في تاريخ فلسطين، وهي مسابقة الأقصى المحلية والدولية في حفظ القرآن الكريم.
الشّيخ..صاحب الوفاء للعلماء
لقد كان الشيخ – رحمه الله – وفيًّا مخلصاً لعلماء فلسطين ومشايخها وقرّائها الأفاضل، يقدّرهم ويجلّهم ويرفع شأنهم، كيف لا؟ وقد رفعهم الله سبحانه وتعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: 11)، وممّا يسجّل له في هذا المجال أنّه قام بإعداد سلسلة تسجّل سِيَرَهم وآثارهم؛ كي يكونوا خير قدوة لأبناء فلسطين وأجيالها، فكانت سلسلة علماء من أرض الإسراء، صدر منها كتابان، الأول: عن فضيلة الشيخ عبد الكريم الكحلوت مفتي محافظة غزة – رحمه الله -، والآخر: عن الأستاذ المتميّز في السّنة النبوية الأستاذ الدكتور / نافذ حسين حماد، بالإضافة إلى سلسة قُرّاء من أرض الإسراء، وصدر منها ثلاثة كتب، الأوّل: عن فضيلة الشيخ / حمدي سعيد مدوخ شيخ المقارئ الفلسطينية – رحمه الله – والثاني: عن فضيلة الشيخ / محمد رشاد الشريف مقرئ المسجد الأقصى المبارك – رحمه الله – والأخير: عن فضيلة الشيخ / محمد سعيد ملحس – رحمه الله – ومن الجدير بالذكر أنّ هناك أعداداً من سلسلة علماء من أرض الإسراء تحت الإعداد، وقد اصطفى الله الشيخ – رحمه الله – شهيدا قبل أن ترى النور.
إنّ الشيخ عالمٌ جليل وشيخٌ فاضل ومصلحٌ اجتماعي كبير، يُشار إليه بالبنان في كلّ الميادين، كما يُعدّ رجلَ البرّ والخير، لم يترك – رحمه الله – العمل الديني والدعوي والإصلاحي والخيري حتى ارتقائه شهيداً – رحمه الله –
رحل الشيخ ولكنّ صوته الصادع بالحقّ ما زال مجلجلاً تسمعه الآذان، ونصائحه السديدة ما زالت ملاذاً للراغبين، ووجهه الوضّاء ما زال حيًّا في الذاكرة، وابتسامته ما زالت تعلمنا رحمة العلماء وعطفهم، كان دوماً يعزّز الثقة في النفوس، ويزرع الأمل في القلوب، ويوقظ الأفكار في العقول، وما زال نجما منيراً في سمائنا هادياً ومرشداً ودليلاً لنا في ظلمات الطريق، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: 73).
هذا غيض من فيض من سيرته العطرة – رحمه الله تعالى – رحمة واسعة، وأكرم نُزُلَه، وأنزله منازل الشهداء، وجعل أعماله في خدمة الإسلام والمسلمين في ميزان حسناته يوم القيامة، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88-89).
ما ماتَ مَن زَرَعَ الفضائلَ في الورَى بل عاشَ عُمراً ثانياً تحت الثرى







