يومية الشعب الجزائرية
الأحد, 11 يناير 2026
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
يومية الشعب الجزائرية
لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
الرئيسية أعمدة ومقالات مساهمات

من إعلام “الخــبر” إلى إعلام “الفكـــر والمعرفـة”

الإعلام الثقافي وصناعة الوعي

أ . د نور الدين السد - الجزائر
السبت, 10 جانفي 2026
, مساهمات
0
الإعلام الثقافي وصناعة الوعي
مشاركة على فيسبوكمشاركة على تويتر

لم يعد الإعلام، في تحوّلاته المعاصرة، مجرّد أداة تقنية لنقل الوقائع أو وسيطا محايدا لتداول الأخبار، بل غدا بنية رمزية معقّدة، تضطلع بوظيفة أعمق وأخطر، هي إنتاج الفكر والمعرفة، وصناعة الوعي، وصياغة أنماط الإدراك التي يرى الأفراد والمجتمعات من خلالها ذواتهم والعالم من حولهم، لقد انتقل الإعلام من كونه ناقلا لما يحدث، إلى كونه فاعلا في تحديد كيف نفهم ما يحدث، وما الذي نعدّه مهما أو ثانويا، مشروعا أو هامشيا، ممكنا أو مستحيلا.

في قلب هذا التحوّل البنيوي، يبرز الإعلام الثقافي بوصفه المجال الأكثر حساسية وتأثيرا، لأنّه لا يشتغل على الحدث العابر، بل يتوغّل في طبقات الوعي العميقة، حيث تتشكّل التمثلات الجماعية، وتُبنى الذاكرة، وتُعاد صياغة الهوية، وتُنتج القيم والمعايير.
الإعلام الثّقافي لا يخاطب اللحظة، بل يخاطب الزمن الطويل، ولا يؤثّر في السلوك الظاهر فقط، بل يعيد تشكيل البنية الذهنية التي تُنتج هذا السلوك، من هنا، لم يعد السؤال المركزي هو: ماذا ينقل الإعلام الثقافي؟ لأنّ هذا السؤال يفترض مسبقا حياد الوسيط، بل أصبح السؤال الأعمق: كيف يصنع الإعلام الثقافي الوعي؟ وبأي منطق رمزي؟ ووفق أية مصالح ورهانات؟
ولذا ننطلق من هذا التحوّل الجذري في السؤال، لاقتراح مقاربة ترى في الإعلام الثقافي جهازا معرفيا ورمزيا، يعمل على إنتاج الوعي، وإعادة هندسة الحسّ المشترك، وصناعة ما يمكن تسميته بالعقل الثقافي العام داخل المجتمع.
الإعلام الثّقافي بوصفه جهازا لصناعة الوعي
إنّ الإعلام الثقافي لا يمكن فهمه من خلال مضامينه الظاهرة فقط، ولا من خلال موضوعاته المعلنة، بل يجب تحليله بوصفه نسقا خطابيا له منطقه الخاص في إنتاج المعرفة وتوجيه الإدراك الاجتماعي، فالإعلام الثقافي لا يمارس تأثيره عبر ما يقوله مباشرة، بل عبر الطريقة التي يُقال بها، والسياقات التي يُدرج فيها، والتمثلات التي يعيد إنتاجها باستمرار.
الإشكال الجوهري يتمثّل إذن في فهم الكيفية التي يتحوّل بها الإعلام الثقافي من مجرّد تغطية للأنشطة الثقافية إلى فاعل مركزي في الصراع على الوعي، كيف يشتغل هذا الإعلام على إعادة ترتيب سلّم القيم؟ كيف يمارس سلطته الرمزية دون أن يبدو خطابا سلطويا؟ وكيف تتحوّل الثقافة، عبر الإعلام، من فضاء للتحرّر النقدي إلى أداة للضبط والتوجيه الناعم؟ هذه الأسئلة لا تنتمي إلى فضاء الإعلام فقط، بل تتقاطع مع الفلسفة السياسية، والسوسيولوجيا، ونقد الخطاب، ونظريات الهيمنة.
من الحياد إلى الفعل الرّمزي
إنّ الإعلام الثقافي ليس محايدا بطبيعته، بل هو فاعل رمزي يشتغل داخل حقل اجتماعي مشحون بالصراعات على الأفكار والمعتقدات والإيديولوجيات والشرعية والتمثيل، فكل اختيار إعلامي هو في جوهره فعل إقصاء بقدر ما هو فعل إدراج، وكل خطاب ثقافي هو إعادة ترتيب للمرئي واللامرئي في الفضاء العام.
وانطلاقا من هذا الافتراض، نرى بأن وظيفة الإعلام الثقافي لا تكمن في نقل الثقافة فقط، بل في إنتاج الوعي بها، أي في تحديد كيف تُفهم الثقافة، ولمن تُنسب، وبأية لغة تُقدَّم، كما نرى أن الإعلام الثقافي يمارس شكلا من الهيمنة الناعمة، عبر إعادة تنظيم المعايير الجمالية والمعرفية، وتطبيع ذوق معيّن، وإضفاء الشرعية على أنماط فكرية دون غيرها، وبهذا المعنى، فإنّ كل مشروع ثقافي لا يسنده إعلام ثقافي واعٍ، يتحوّل إلى خطاب نخبوّي معزول، فاقد لأثره الاجتماعي والتاريخي، لأن موضوع الإعلام الثقافي وصناعة الوعي يتجاوز الحدود الصارمة للتخصّصات الأكاديمية.
ظلّ الإعلام الثقافي، في كثير من الأدبيات، محصورا في تعريف وصفي يربطه بتغطية الأنشطة الثقافية، وأخبار الكتب، والحوارات مع المثقفين، والتعريف بالفنون والآداب؛ غير أن هذا التعريف التقني يُفرغ الإعلام الثقافي من بعده المعرفي والسلطوي، ويختزله في وظيفة تزيينية داخل المنظومة الإعلامية.
بينما التعريف النقدي يرى الإعلام الثقافي بوصفه نسقا خطابيا رمزيا يعمل على إنتاج المعنى الثقافي، وتشكيل التمثلات الاجتماعية، وإعادة هندسة الوعي الجمعي، عبر آليات ظاهرة ومضمرة، وبهذا المعنى، يصبح الإعلام الثقافي منتِجا للمعرفة، لا ناقلا لها فقط، ومُعيدا لتوزيع الشرعية الثقافية، وصانعا للذوق العام، وموجّها للوعي التاريخي والرمزي داخل المجتمع.
الإعلام الثّقافي والوعي
لا يمكن فهم دور الإعلام الثقافي في صناعة الوعي دون الانطلاق من تصور فلسفي للوعي ذاته، فالوعي ليس معطى طبيعيا ولا انعكاسا آليا للواقع، بل هو بناء اجتماعي – رمزي يتشكّل عبر اللغة، والخطاب، والصورة، والسرد، فالإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له داخل منظومات دلالية متراكمة.
من هذا المنظور، لا يعكس الإعلام الواقع، بل ينتجه تمثيليا، عبر اختيار زوايا الرؤية، وتحديد السياقات، ومنح بعض الوقائع المعنى الذي يريد، وحرمان أخرى من هذا المعنى. ويشتغل الإعلام الثقافي، على وجه الخصوص، في مستويات المعنى العميق المرتبطة بالذاكرة والهوية والقيم، وهو ما يجعله أخطر من الإعلام الإخباري، لأنه يصوغ ما نعتقد أنه بديهي، وطبيعي، وغير قابل للنقاش.
الإعلام الثّقافي والهيمنة الرّمزية
يتيح مفهوم الرأسمال الرمزي، كما صاغه بيير بورديو، فهم الكيفية التي تُمارَس بها السلطة دون عنف مباشر. فالقوة الرمزية لا تُفرض، بل تُقبل، لأنها تتخفّى في صورة الذوق، والمعرفة، والشرعية الثقافية، وفي هذا السياق، يُعدّ الإعلام الثقافي أحد أهم أجهزة إنتاج هذا الرأسمال.
يمارس الإعلام الثقافي الهيمنة الرمزية من خلال تحديد ما يُعدّ ثقافة “رفيعة”، وإقصاء ثقافات الهامش، وشرعنة ذوق معيّن، وتطبيع أنماط فكرية بعينها، وهنا تتحوّل الثقافة، عبر الإعلام، من مجال للتحرّر والنقد، إلى أداة ضبط رمزي تُعيد إنتاج التراتبيات الاجتماعية تحت غطاء ثقافي ناعم.
الإعلام الثّقافي وصناعة الحسّ المشترك
يرى أنطونيو غرامشي أنّ الهيمنة لا تقوم على القسر فقط، بل على القبول، أي على تحويل قيم الفئات المهيمنة إلى حسّ مشترك يُنظر إليه بوصفه طبيعيا وبديهيا، والإعلام الثقافي هو أحد أبرز أدوات صناعة هذا الحسّ المشترك، لأنه يشتغل على مستوى التمثلات اليومية والرموز الثقافية.
من خلال التكرار، والتأطير، والانتقاء، يطبع الإعلام الثقافي القيم السائدة، ويقدّمها في صورة طبيعية، ويحوّل التاريخ إلى سردية واحدة، ويصنع إجماعا وهميا حول ما يجب التفكير فيه، وما يجب تجاهله، وهكذا، يصبح الصراع على الثقافة صراعا على الوعي ذاته.
الإعلام الثّقافي بين الوعي النّقدي والوعي الزّائف
نصل هنا إلى المفترق الحاسم الذي يحدّد القيمة التاريخية والحضارية للإعلام الثقافي، فإمّا أن يسهم في إنتاج وعي نقدي، يربط الثقافة بالأسئلة الكبرى للعدالة، والحرية، والإنسان، وإما أن يسهم في إنتاج وعي زائف يستهلك الثقافة بوصفها فرجة، ويفصلها عن شروطها الاجتماعية والسياسية.
الوعي الزائف هو وعي يعتقد أنّه حر، بينما هو موجَّه، ويظن أنه مثقّف، بينما هو مُفرَّغ من البعد النقدي، أما الوعي النقدي، فهو وعي بالسياق، وبالخطاب، وبالعلاقات الخفية التي تنتج معنى الخطاب، وهو ما يجعل من الإعلام الثقافي الواعي رهانا استراتيجيا لا مجرّد خيار مهني.
الإعلام الثّقافي كرهان حضاري
لم يعد الإعلام الثقافي ترفا فكريا، ولا هامشا تكميليا داخل المنظومة الإعلامية، بل أضحى رهانا حضاريا شاملا، يتوقف عليه شكل الوعي الذي يُنتَج داخل المجتمع، ونوعية الإنسان الذي يُعاد تشكيله عبر الزمن، فالرّهان الحقيقي اليوم لا يكمن في كثرة القنوات الثقافية، ولا في وفرة البرامج والملاحق فقط؛ بل في طبيعة الوعي الذي يصنعه هذا الإعلام، وفي المنظومة القيمية والمعرفية التي يرسّخها في العمق الاجتماعي.
إنّ الإعلام الثقافي، في صيغته العميقة، لا يشتغل على الحاضر وحده، بل على المدى الحضاري الطويل، فهو يسهم في بناء الذاكرة الجماعية، وفي صياغة العلاقة بالتاريخ، وفي تحديد صورة الذات الجماعية في مواجهة الآخر، ومن ثمّ، فإنّ أي اختلال في وظيفة الإعلام الثقافي لا ينعكس فقط على الذوق العام أو على المشهد الثقافي، بل يمتد ليصيب البنية الحضارية نفسها، عبر إضعاف الحسّ النقدي، وتشويه الوعي التاريخي، وتفريغ الثقافة من بعدها القيمي والإنساني.
من هذا المنظور، يصبح الإعلام الثقافي أحد المفاتيح الكبرى لفهم مسارات النهوض أو الانحدار الحضاري، فالمجتمعات التي تمتلك إعلاما ثقافيا واعيا، قادرة على تحويل الثقافة إلى قوة بناء، وإلى طاقة رمزية فاعلة في ترسيخ الثقة بالذات، وإنتاج الخطاب الثقافي المشترك، ومواجهة أشكال الاغتراب الثقافي والرمزي، أما المجتمعات التي يُختزل فيها الإعلام الثقافي إلى وظيفة تزيينية أو استهلاكية، فإنها تترك وعيها الجمعي عرضة للتفكك، وللهيمنة الخارجية، ولإعادة إنتاج التبعية الثقافية.
إنّ الرّهان الحضاري للإعلام الثقافي يتجلّى، أولا، في صناعة الوعي النقدي، لا بوصفه موقفا نخبويا معزولا، بل باعتباره شرطا من شروط “المواطنة الثقافية”، وأعي ما أقصد بالمواطنة الثقافية، فالوعي النقدي الذي يصنعه الإعلام الثقافي الواعي لا يهدف إلى الهدم أو التشكيك العبثي، بل إلى تمكين الفرد من أدوات الفهم، ومن القدرة على التمييز بين الخطاب الواعي الجاد الموجه، والخطاب الزائف، وبين الثقافة بوصفها أفقا لبناء الوعي الحضاري، والثقافة بوصفها أداة للتضليل الرمزي.
ويتجلّى هذا الرهان، ثانيا، في إعادة بناء العلاقة بين الثقافة والمجتمع، فالإعلام الثقافي، حين ينفصل عن الأسئلة الاجتماعية الكبرى، يتحوّل إلى خطاب نخبوي في دوائر مغلقة، ويفقد تأثيره، أما حين ينجح في ربط الثقافة بقضايا العدالة، والتنمية، والهوية، والكرامة الإنسانية، وتتاح له وسائط الترويج والانتشار فإنه يتحوّل إلى وسيط حضاري، قادر على إدماج الثقافة في مشروع مجتمعي شامل، لا في هامش ترفيهي معزول.
كما يتمثّل الرّهان الحضاري للإعلام الثقافي في قدرته على مقاومة تسليع الثقافة، ففي زمن اقتصاد الانتباه، والخوارزميات، ومنطق السوق، تتعرّض الثقافة لخطر الاختزال إلى محتوى سريع الاستهلاك، فاقد للعمق والديمومة، والإعلام الثقافي، إذا خضع كليا لهذا المنطق، ساهم في إنتاج وعي سطحي، متشظّ، عاجز عن بناء رؤية متماسكة للعالم، أما إذا وعى دوره الحضاري، فإنه يصبح فضاء لمقاومة هذا الاختزال، عبر إعادة الاعتبار لمعنى الثقافة الجادة والهادفة، وللزمن الطويل، وللقيمة الرمزية للفعل الثقافي.
ويبرز الرّهان الحضاري كذلك في إدارة التعدّد الثقافي داخل المجتمع، فالإعلام الثقافي ليس معنيا بتكريس ثقافة واحدة مهيمنة، بل بإدارة الاختلاف، وبإتاحة المجال أمام تعدّد الأصوات والتجارب، ضمن أفق وطني جامع، إن الاعتراف بالتنوّع الثقافي، وتمثيله إعلاميا بصورة عادلة، يشكّل شرطا أساسيا لبناء وعي جامع، لا يقوم على الإقصاء أو التراتبية، بل على الحوار والتكامل.
ومن زاوية استراتيجية أوسع، يشكّل الإعلام الثقافي ركيزة أساسية في بناء السيادة الرمزية، فالأمم لا تُقاس فقط بقوتها الاقتصادية أو العسكرية، بل بقدرتها على إنتاج سرديتها الخاصة، وعلى التحكم في صورتها عن ذاتها وعن تاريخها ومستقبلها، والإعلام الثقافي هو أحد أهم أدوات هذه السيادة، لأنه يحدّد أي سرديات تُروى، وأي ذاكرة تُحفظ، وأي رموز تُكرَّس في الوعي الجماعي.
الإعلام الثّقافي والاستثمار في الإنسان
إنّ الاستثمار في الإعلام الثقافي ليس استثمارا في قطاع إعلامي فحسب، بل هو استثمار في الإنسان، وفي قدرته على الفهم، والتأويل، والاختيار، إنه استثمار في وعي قادر على مقاومة التبسيط، وعلى مواجهة التضليل، وعلى تحويل الثقافة إلى قوة فعل تاريخي، لا إلى زخرفة خطابية.
في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن معركة الوعي في العصر الراهن هي، في جوهرها، معركة إعلام ثقافي، فإما إعلام ثقافي يُنتج وعيا نقديا، متجذّرا في الواقع، منفتحا على المستقبل، وإما إعلام ثقافي يُعيد إنتاج الهيمنة، ويُرسّخ الوعي الزائف، ويُفرغ الثقافة من بعدها التحرّري، وبين هذين الخيارين، يتحدّد المسار الحضاري للمجتمعات، ويتقرّر موقعها في خرائط الثقافات العالمية.
الإعلام الثّقافي والسّيادة الرّمزية
لا يُختزل الإعلام الثقافي في كونه وسيطا ناقلا للمعرفة أو مروجا للمنتج الثقافي، بل يتجاوز ذلك ليغدو فضاء استراتيجيا لإنتاج السيادة الرمزية، أي القدرة على التحكم في تمثلات الذات، وصناعة الوعي، وتوجيه التأويل الجمعي للتاريخ والهوية والقيم. فالأمم لا تُقاس اليوم فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بمدى نفوذها الرمزي، وبقوة خطابها الثقافي في تشكيل وعيها الداخلي وصورتها في العالم.
في السّياق العربي، يكتسي الإعلام الثقافي بعدا أكثر حساسية، لأنه يتحرّك داخل مجال رمزي تعرّض طويلا للتفكيك، والتشويه، والاختزال، سواء بفعل الاستعمار الثقافي المباشر، أو عبر العولمة غير المتكافئة، أو من خلال أنماط إعلامية استهلاكية أفرغت الثقافة من بعدها النقدي والحضاري، من هنا، يصبح الإعلام الثقافي رهانا على استعادة المبادرة الرمزية، لا مجرد رد فعل على خطابات وافدة أو مهيمنة.
إنّ السّيادة الرمزية لا تتحقق بالشعارات ولا بالنوستالجيا الثقافية، بل ببناء خطاب إعلامي ثقافي عقلاني، نقدي، ومنهجي، قادر على إنتاج السردية الثقافية الكبرى من داخل المرجعية الحضارية للأمة، مع الانفتاح الواعي على الكوني.
فالإعلام الثقافي السيادي هو الذي يُحوّل التراث إلى طاقة دلالية حية ومتفاعلة ومؤثرة، لا إلى أدوات متحفية جامدة، ويجعل الحداثة أفقا للحوار، لا أداة للاقتلاع.
إنّ الإعلام الثقافي عليه أن يمارس وظيفة محورية في صناعة الوعي الجمعي، عبر ما ينتقيه من موضوعات، وطرائق السرد، وأساليب التأطير، فالوعي لا يُصنع فقط بالمعلومة، بل بطريقة تقديمها، وبالمنظور الذي تُدرج فيه، ومن هنا، فإن الإعلام الثقافي القادر على البناء الحضاري هو ذاك الذي:
– يُنمّي الحس النقدي بدل الاستهلاك السلبي للخطاب.
– يربط الثقافة بالأسئلة الكبرى للمجتمع: الهوية، العدالة، اللغة، الذاكرة، المستقبل.
– يعيد الاعتبار للمثقف بوصفه فاعلا معرفيا، لا مجرد معلّق أو مزيّن للمشهد الإعلامي.
في هذا الإطار، يصبح الإعلام الثقافي مختبرا لإعادة تشكيل العلاقة بين المعرفة والمجتمع، وبين النخب والجمهور، وبين الماضي والمستقبل، بما يضمن انتقال الثقافة من الهامش إلى مركز الفعل الحضاري.
لا يمكن الحديث عن بناء حضاري دون منظومة رمزية متماسكة، والإعلام الثقافي هو أحد أعمدتها الأساسية، فالحضارة ليست تراكما ماديا فحسب، بل هي قبل ذلك نظام قيم، ورؤية للعالم، وقدرة على إنتاج المعرفة والاستمرار في الترويج لها وإدارة منجزها ليتسرب إلى العقول والأذهان والمدارك، ومن ثم، فإن الإعلام الثقافي يسهم في:
– ترسيخ الثقة في الذات الحضارية دون انغلاق أو تعصب.
– إعادة بناء السردية الكبرى بعيدا عن التبسيط والاختزال.
– مقاومة التفكيك الرمزي عبر خطاب معرفي رصين، طويل النفس.
إنّ الإعلام الثقافي، حين يُدار برؤية استراتيجية، يتحول إلى قوة ناعمة قادرة على حماية الهوية، وتوجيه التحولات، ومرافقة مشاريع التنمية الشاملة والمستدامة.
– توصيات استراتيجية عملية:
– إرساء سياسة إعلام ثقافي وطنية وعربية واضحة المعالم، تُدمج في السياسات الثقافية والتعليمية، ولا تُترك للمبادرات الفردية الظرفية.
– تكوين إعلاميين متخصصين في الثقافة، يجمعون بين الكفاءة الإعلامية والعمق المعرفي، بدل الفصل التقليدي بين الإعلام والمعرفة.
– إعادة الاعتبار للمحتوى الثقافي العميق في الفضاء السمعي البصري والرقمي، وكل الوسائط، مع تطوير أشكال جذابة وتفاعلية ومؤثرة دون تفريط في القيمة المعرفية.
– دعم الترجمة والتثاقف المتكافئ بوصفه أداة سيادية، لا استهلاكية، بما يسمح بتوطين المعرفة لا استنساخها.
– بناء منصات إعلامية ثقافية مشتركة، قادرة على إنتاج خطاب رمزي عابر للحدود، ومنافس في الفضاء الدولي.
إنّ الإعلام الثقافي ليس ملحقا ثانويا للمشهد الإعلامي، بل هو أداة سيادية بامتياز، وشرط من شروط النهوض الحضاري، وكل مشروع يسعى إلى بناء وعي مستقل، وتنمية مستدامة، وحضور فاعل في العالم، لا يمكنه أن يتجاوز سؤال الإعلام الثقافي، ولا أن يؤجله، فحيثما يُهزم الثقافة، تهزم الحضارة، وحيثما تُستعاد السيادة الرمزية للسردية الجامعة، يصنع الوعي الجمعي الجاد ويشرق المستقبل.

المقال السابق

قصّة نجاح الطّبيبة الفلسطينية سجـود الزبــون

المقال التالي

استبيـان إلكتروني حول الجودة والخـدمات الرّقميـــة

الشعب

الشعب

ذات صلة مقالات

جيوسياسية التّعليم العالي..صـراع من أجـل السّيـادة والنّفـوذ
مساهمات

جيوسياسية التّعليم العالي..صـراع من أجـل السّيـادة والنّفـوذ

10 جانفي 2026
قصّة نجاح الطّبيبة الفلسطينية سجـود الزبــون
مساهمات

مـن حصار كنيسة المهـد إلــى بيـاض المعطـــف

قصّة نجاح الطّبيبة الفلسطينية سجـود الزبــون

10 جانفي 2026
مستقبل عمل الأكاديميّين في عصر الذّكاء الاصطناعي (2)
مساهمات

أحدث التّطـوّرات وخريطـة طريـق بحثيـة

مستقبل عمل الأكاديميّين في عصر الذّكاء الاصطناعي (2)

9 جانفي 2026
مستقبل عمل الأكاديميين  في عصـر الذكـاء الاصطناعي (1)
مساهمات

أحـدث التطــورات وخريطــة طريق بحثيـة

مستقبل عمل الأكاديميين في عصـر الذكـاء الاصطناعي (1)

7 جانفي 2026
الجزائــر نحو أمّة كمومية
مساهمات

الجزائــر نحو أمّة كمومية

2 جانفي 2026
الراسي يعالـج سـؤال “الموسيقـــى العربيــة”
مساهمات

بـــين العاطفـي الشرقـــي والعقلاني الغربي ..

الراسي يعالـج سـؤال “الموسيقـــى العربيــة”

2 جانفي 2026
المقال التالي

استبيـان إلكتروني حول الجودة والخـدمات الرّقميـــة

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • الأولى
  • الحدث
  • الملفات الأسبوعية
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
  • صفحات خاصة
  • النسخة الورقية
  • أرشيف
023.46.91.87

جريدة الشعب 2025

لا توجد نتائج
عرض جميع النتائج
  • الأولى
  • الحدث
    • الوطني
    • المحلي
    • الرياضي
    • المجتمع
    • مؤشرات
    • الثقافي
    • الدولي
  • الملفات الأسبوعية
    • الشعب الدبلوماسي
    • الشعب الإقتصادي
    • الشعب الرياضي
    • الشعب المحلي
    • الشعب الثقافي
    • ملفات خاصة
  • الإفتتاحية
  • أعمدة ومقالات
    • مساهمات
    • حوارات
    • إستطلاعات وتحقيقات
  • صفحات خاصة
    • إسلاميات
    • صحة
    • ندوات
    • تاريخ
    • القوة الناعمة
    • فوانيس
    • علوم وتكنولوجيا
    • صوت الأسير
  • النسخة الورقية
    • أعداد خاصة
  • أرشيف
موقع الشعب يستخدم نظام الكوكيز. استمرارك في استخدام هذا الموقع ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط. تفضل بزيارة سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط