في عصر التّغيّرات الجذرية في موازين القوى العالمية، تطوّر التعليم العالي ليتجاوز دوره التقليدي كخدمة عمومية لنقل المعرفة. فقد أصبح اليوم سلاحا استراتيجيا أساسيا للدفاع عن سيادة الدولة، وتأكيد هويتها، وبناء قوتها. ولذلك لم يعد التعليم العالي مجرد أولوية وطنية فحسب، بل أصبح عنصرا أساسيا في استراتيجية الدول.
لقد أصبحت القدرة على توفير تعليم عال ذي جودة رهان قوّة للدول اليوم، إذ يسهم الاعتراف الدولي بجامعات دولة ما في تعزيز نفوذها على الساحة العالمية.
وفي هذا السياق ذي الاستراتيجيات المتعددة، تظهر جيوسياسية التعليم العالي بصفتها ركيزة أساسية، ذلك لأنها تحلّل كيف يصبح العلم والتعليم والتكوين موارد للسلطة والنفوذ في العلاقات الدولية.
التّعليــم العـالي كـأداة للقوّة والنّفـوذ
يعد التعليم العالي قوّة حقيقية لأي بلد، لأنّ سمعته، سواء على الصعيد الإقليمي أو العالمي، تمثّل عامل شهرة يستقطب المهندسين والمحاضرين والباحثين، فضلا عن الطلبة الدوليين. تستفيد بعض البلدان من الاعتراف الضمني بهذه الشهرة بفضل جامعاتها المرموقة (هارفارد، كامبريدج…)، بينما تتبنّى بلدان أخرى استراتيجيات القوة الناعمة (أو التأثير الناعم) لترسيخ سمعة جامعاتها وتثبيت مكانتها على الساحة العالمية.
يعد استخدام بعض البلدان للقوة الناعمة استراتيجية أساسية لجذب الطلبة إلى جامعاتها، والتي تشمل نشر الثقافة (مثل المجلس الثقافي البريطاني “British Council”، والوكالة الجامعية للفرنكوفونية…)، وبرامج المنح الدراسية (مثل برنامج إيراسموس في أوروبا…)، ومعاهد نشر اللغة والثقافة (معهد كونفوشيوس، أليانس فرانسيز “l’Alliance française”، معهد غوته)…التي تسهم بشكل مباشر في قوة وشهرة هذه البلدان.
يأتي إنشاء القطب العلمي سيدي عبد الله في الجزائر استجابة لضرورة مزدوجة، وهي تكوين رأسمال بشري رفيع المستوى، وترسيخ الاعتراف بالتعليم العالي والبحث العلمي الجزائري في المخيال الجماعي الإقليمي والدولي، بما يتيح للبلد التأثير بكل ثقله في توازن القوى العالمي. إن رأس المال البشري هو المحدد الحقيقي بالفعل للقوة على المدى الطويل، وبفضل جودة هذا الرأسمال تتبلور التوجهات الاستراتيجية الكبرى للأمم (الدفاع، والصناعة العسكرية، والتكنولوجيات المتطورة، والابتكار..).
إنّ الجامعة فاعل أساسي في الاستراتيجية الجيوسياسية، وموقعها هو ما يجعلها مركزا حقيقيا للابتكار والترويج للثقافات. إنّها المكان، الذي تتشكّل فيه النخب وتستقطب إليه. كما أنّ قدرة أي بلد على جذب أفضل النخب الدولية ترتبط ارتباطا مباشرا بنفوذه العالمي. تبذل دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين وألمانيا جهودا حثيثة لتعزيز هجرة الأدمغة من أجل دعم تطورها. وبالموازاة مع ذلك، صار ينظر للبحث العلمي الآن على أنه سلاح استراتيجي بالغ الأهمية. إنّ إتقان مجالات الـ(STEM) (العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات)، والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتكنولوجيا الحيوية والكمومية واستكشاف الفضاء وبناء السفن…يمنح تفوقا عالميا لا يمكن إنكاره.
تهيمن القوى التي أطلقت استثمارات ضخمة في أنظمة البحث والتعليم العالي على هذه المجالات حاليا.
إنّ هذه الدول تريد الاستحواذ على كل شيء لأنفسها. إنها ليست مستعدة، وكل الدلائل تشير إلى أنها لن تكون مستعدة أبدا، لمنح أي استقلالية تكنولوجية للدول الأقل تطورا. ومن أجل الحفاظ على حالة التبعية لدى الدول الناشئة أو الأقل تطورا، تقوم الدول التي تمتلك التكنولوجيات المتطورة بتنفيذ آليات للمراقبة والتدخل لضمان ألا تتمكن هذه الدول من الوصول إلا إلى الحد الأدنى الضروري من التكنولوجيا.
التّعليـم العـالي: رهــان للسّيــادة الاستراتيجيـة
يتّخذ التعليم العالي موقعا بصفته ركيزة أساسية للسيادة الوطنية لأي دولة، إذ يضمن لها السيادة الرقمية والتكنولوجية، فضلا عن الاستقلالية الاستراتيجية والأمنية. وفي هذا الصدد، وبغية تحقيق ذلك، يجب التركيز على عنصرين أساسيين في صدارة الأولويات:
أوّلا، تتطلّب السيادة الرقمية والتكنولوجية أن تتحكم الدولة بشكل كامل في أنظمتها وبناها التحتية الرقمية. فمن الضروري أن تتولى الدولة إدارة منصاتها وبياناتها بنفسها. إذ أنّ استضافة هذه البيانات على خوادم أجنبية يشكل خطرا كبيرا يتمثل في فقدان السيطرة على المعلومات، مما يهدد السرية والأمن الوطني. يأتي إنشاء “مركز البحث في الإعلام العلمي والتقني” (CERIST) في الجزائر ضمن هذا الإطار لضمان التحكم في إنتاج واستخدام ونشر البيانات. تماما كما هو الحال بالنسبة لـ “سلطة ضبط البريد والاتصالات الإلكترونية” (ARPCE)، ومراكز البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، وغيرها.
ثانيا، يهيمن تطوير الذكاء الاصطناعي على سباق الابتكار حاليا. لذا يتعين على الدول أن تستثمر بشكل كبير لتصميم وامتلاك وتشغيل أدواتها الخاصة. إنّ السماح للتكنولوجيات التعليمية الأجنبية بفرض أساليب التعلم أو التقييم أو حتى التوجيه، يعرض البلاد لتبعية تكنولوجية خطيرة، وذلك بسبب القيم والتحيزات التي تنقلها هذه الأنظمة. في الجزائر، يسهم إنشاء المدارس العليا للذكاء الاصطناعي والرياضيات المتخصصة في تكوين إطارات عالية المستوى في المجالات المذكورة، بالإضافة إلى إنشاء المجلس الوطني الذي يحمل الاسم نفسه، في سياق تحقيق فكرة التحكم في هذا التخصص ذي الآفاق الواعدة جدا. ولذلك، فإنّ ضمان السيادة الاستراتيجية يعني التأكد من أن المستقبل الفكري والعلمي والاقتصادي للأمة لا يملى من قبل جهات أجنبية. يتطلّب ذلك، بطبيعة الحال، رؤية طويلة الأمد واستثمارات ضخمة وإنشاء فرع صناعي وطني.
تقدّم السياسات الوطنية في كل من رواندا وإثيوبيا والجزائر، على وجه الخصوص، نموذجا للسيادة الاقتصادية والسيطرة على الموارد الاستراتيجية في أفريقيا.
الجزائــــر ذات السّيــادة
لطالما عُدّت استقلالية الجزائر في اتخاذ القرار مسألة تتعلق بالسيادة الوطنية. وقد تجسّدت هذه الاستقلالية من خلال سياسات ملموسة تهدف إلى التحكم في الموارد الأساسية، وإنشاء مؤسسات جامعية رفيعة المستوى. ومن أجل التحكم في هذه المسألة، قامت الجزائر بعدة إجراءات ضخمة، من بينها الاستثمار في تطوير شبكة وطنية للألياف البصرية، وشبكات الجيل الرابع (4G) والخامس (5G) في جميع أنحاء البلاد.
تعد شبكة الألياف البصرية في الجزائر الأكبر من نوعها في أفريقيا، حيث تضم ثلاثة ملايين مشترك، وستمتد تدريجيا لتشمل كل سكان الجزائر. كما أسهم وسم “صنع في الجزائر” (Made in Algeria) في تقليص جزء من سلسلة القيمة الرقمية، والحد من استيراد المنتجات النهائية من خلال إرساء سياسة تنموية تحفز الإنتاج المحلي.
تستثمر البلاد في مصانع تحلية المياه لضمان موارد مائية وفيرة لسكان شمال البلاد مع التوسع نحو المناطق النائية. أما في المجال الفلاحي، فقد حقّقت الجزائر الاكتفاء الذاتي، بل وتوجّهت نحو تصدير عديد من المنتجات الزراعية. وفي مجال الطاقة، استثمرت البلاد في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر.
أمّا قطاع الصّحة فقد وفّر تغطية صحية شاملة في كل أنحاء الوطن.
يمثل الفوسفات أيضا إحدى ثروات البلاد، إذ يعد ركيزة استراتيجية على المستوى العالمي تعزز الاستقلال المالي للبلاد من خلال ضمان مصدر دخل مستقر إلى جانب الثروات الأحفورية الأخرى. يجمع مشروع غارا جبيلات، الذي تمت هيكلته في ولاية تندوف، بين استغلال منجم حديد ضخم وبناء خط سكة حديدية بين تندوف وبشار لنقل هذا المعدن واستغلاله وتسويقه.
تعد شركات النقل بالسكك الحديدية والخطوط الجوية من بين الأكثر تطورا على المستوى الإقليمي، حيث تغطي شركة النقل الجوي العمومية Air Algérie، بأسطولها الحديث، أكثر من 35 دولة مع التركيز على أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى خطوط إلى آسيا والأمريكيتين. يتجه مطار الجزائر العاصمة إلى أن يصبح محورا دوليا، هذا وتضمن الشركة تغطية كاملة لكل مناطق البلاد.
إنّ البلاد مكتفية ذاتيا في مجال الأغذية والأجهزة الكهرومنزلية والإلكترونيات ومنتجات المحروقات والمناجم، وبشكل جزئي في مجال المنتجات الصيدلانية…إلخ.
الجزائـر..مهــــد البحـث العلمــي العالمـي
تتجلّى المساهمة العلمية للكفاءات الجزائرية في العالم من خلال المساهمات العلمية للباحثين المقيمين في الجزائر، فضلا عن الجالية الجزائرية المقيمة، بشكل أساسي، في الدول الغربية.
تتفوّق هذه الكفاءات الجزائرية، التي تلقّت تكوينها في الداخل والخارج على حد سواء، في مجالات استراتيجية وتشغل مناصب ذات مسؤوليات كبرى في مجال الأبحاث المتطورة في الرياضيات والحوسبة والكمومية والذكاء الاصطناعي وعلوم النانو وتكنولوجيا النانو والاتصالات البصرية، وكذلك الحال في الطب والطب الحيوي والهندسة والعلوم الاقتصادية والإنسانية والاجتماعية والسياسية.
كما أنّهم يتفوّقون في مجال الابتكار والتكنولوجيا العميقة من خلال إنشاء شركات ناشئة، ودمج الروبوتات الصناعية وما إلى ذلك، وهم معترف بهم ومصنفون من بين الباحثين الأكثر تأثيرا في العالم وفقا لتصنيفات مثل تصنيف جامعة ستانفورد.
في الواقع، يتم قياس مساهمة الباحثين الجزائريين من خلال تأثيرهم ومنشوراتهم. يتزايد عدد الباحثين الجزائريين المصنفين من بين الأكثر تأثيرا في العالم باستمرار. تشير الأرقام الحديثة (2025) إلى وجود حوالي 80 باحثا جزائريا مميزا (مقيمين في الخارج أو في الجزائر) في تصنيف جامعة ستانفورد، الذي يحدّد 2 ٪ من الباحثين الأكثر استشهادا بأعمالهم في العالم. من ناحية أخرى، يحظى الباحثون العاملون في البلاد باعتراف دولي.
تحتل بعض الهيئات العمومية مراتب مشرفة على الصعيدين العربي والأفريقي مثل مركز البحث في الإعلام العلمي والتقني (CERIST)، ومركز تنمية التكنولوجيات المتقدمة (CDTA)، وهو ما يدل على مصداقية متزايدة للبحث العلمي الوطني.
ومن أجل تعبئة هذه الكفاءات لخدمة التنمية الوطنية، يتم بذل جهود لتنظيم هذه الجالية حتى تسهم بشكل مباشر في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية للبلاد، خاصة من خلال نقل الخبرات والمعارف والمشاركة في مشاريع استراتيجية.
تعكس الأرقام التالية أهمية الجالية الجزائرية في البحث العلمي العالمي.
في الواقع، يقدّر عدد النخب والخبراء والمتخصّصين والباحثين بنحو 25000 مواطن جزائري في الخارج، دون احتساب عدد المخترعين الذين يقدر عددهم بنحو 600 شخص، والذين أودعوا أكثر من 3000 اختراع مسجل يسهم في تقدم واقتصاد دول أخرى.
في المحصلة، تمثّل الكفاءات الجزائرية قوّة علمية مشتّتة، غير أنّها قوة معترف بها، ومساهمتها ضرورية سواء للابتكار العالمي أو لإمكانات التطوير التكنولوجي في الجزائر.
التّعليـم في استراتيجيات القــوى العظمـى
يعد التّعليم ركيزة أساسية في استراتيجيات التأثير التي تتبعها القوى العظمى في العالم. وبفضل تميّز التعليم العالي في الولايات المتحدة، تحافظ هذه الأخيرة على هيمنتها التي تجسّدها مؤسسات ذات شهرة عالمية مثل هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وستانفورد…تتعزّز هذه الهيمنة بفضل بيئة تكنولوجية ديناميكية وجذابة، غير أن ذلك يتم أيضا بفضل التمويل الهائل للبحث والتطوير (R&D) في مجالات (STEM)، أي مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والتي غالبا ما تتم بالشراكة بين القطاعين الخاص والدفاعي. وهذا ما يضمن للولايات المتحدة الأمريكية تقدّما مستمرّا في مجال الابتكار الاستراتيجي.
لا تقل الصين شأنا في مواجهة الولايات المتحدة في هذا المجال، إذ أن هدفها واضح وهو تحويل الاكتشافات الأكاديمية إلى قوة اقتصادية وجيوسياسية، وليس من قبيل الصدفة أن الصين، إلى جانب استراتيجيتها الطموحة التي تتميز باستثمارات ضخمة في جامعاتها، تعزز مشاركتها وشراكاتها التعليمية في أفريقيا وآسيا. كما يحظى قطاع البحث والتطوير (R&D) في الصين بالتزام قوي بزيادة الإنفاق لضمان استقلالية علمية متنامية وتقليل الاعتماد على التكنولوجيات الأجنبية. تجدر الإشارة إلى أنّ الصين تواجه هجرة للأدمغة، غير أن هؤلاء، خلافا للبلدان الأقل تطورا، يشاركون بسخاء، حتى عن بعد، في تنمية بلدهم. نذكر أنّ كل مقال علمي ينشر في العالم يرسل إلى الصين على الفور من جاليتها في الخارج.
يراهن الاتحاد الأوروبي على مسار بولونيا لتنسيق أنظمته التعليمية ونشر برامج دراسية وبرامج حركية من قبيلErasmus بصفته أداة كبرى للقوة الناعمة في نشر الثقافة واللغة وممارسة دور ريادي. تفعل الصين الشيء ذاته من خلال برنامج كونفوشيوس. وفي مجال البحث، يدعم الاتحاد الأوروبي برامج تعاونية على شاكلة “أفق أوروبا” “Horizon Europe”، والتي تسعى إلى توحيد قوى دوله الأعضاء للحفاظ على قدرته التنافسية العلمية والتكنولوجية في مواجهة الولايات المتحدة والصين.
يعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية نقطة تحوّل رئيسة رسّخت البلاد كقوة تجارية عالمية، وعزّزت نموذجها التصديري ومكانتها في سلاسل القيمة العالمية. في وقت لاحق، حوّل شعار “صنع في الصين” البلاد إلى رائد تكنولوجي في عشرة قطاعات من بينها الروبوتات، والسيارات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي…ومؤخرا، تم إطلاق خطة “الحزام المزدوج” لتأمين إمداداتها ومنافذها التجارية من خلال تطوير روابط برية وبحرية في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. يشير مفهوم “الحزام المزدوج” إلى أرخبيل كل من اليابان، والفلبين، وإندونيسيا، التي تعيق وصول الصين إلى البحار المفتوحة، وهو ما تسعى بكين لتجاوزه.
وباختصار، انتقلت الصين خلافا للدول المنافسة الأخرى، من نموذج الاقتصاد الماوي المخطط إلى نموذج رأسمالية الدولة شديد الرقابة، الذي يميل لأن يصبح رائدا عالميا في الابتكار والقوة الجيوسياسية.
الانقسامات التّعليمية العالمية: عدم المساواة وهجرة الأدمغة
من جهة، يواجه جنوب العالم ضغطا ديموغرافيا هائلا على التعليم العالي، الذي تعجز الأنظمة الوطنية عن تلبيته؛ ومن جهة أخرى، يضم شمال العالم معظم الجامعات القوية التي تجد، للمفارقة، صعوبة في استقطاب المرشحين.
لذلك يتّجه الشمال إلى استقطاب الطلبة والكفاءات الأجنبية، التي يجذبها من خلال توفر فرص اقتصادية وتكنولوجية أفضل من أجل تطوره الذاتي. وهذا ما له تكلفة على بلدانهم الأصلية، حيث يتحوّل إلى خسارة صافية في رأس المال البشري والاقتصادي والتكنولوجي.
يقدّر البنك الدولي خسارة البلدان الأصلية من رأس المال البشري بسبب هجرة هذا الأخير بمئات المليارات من الدولارات سنويا. من المتوقع أن تخسر الهند عدة مئات من ملايين الدولارات في عام 2025، وكذلك الحال مع نيجيريا، غير أنّ الهند تستعيد عائدا ماليا ضخما من “الأدمغة” نفسها.
أمّا الجزائر، فقد تخسر حوالي 31 مليون دولار عن كل طالب يهاجر البلاد بعد أن تم تكوينه في الجزائر. تمنح هذه المعطيات الدول المستفيدة من الهجرة مليارات من العائدات المباشرة، وخلق فرص العمل، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي (PIB) من خلال الضرائب والاستهلاك المحلي، واحتفاظها بالكفاءات للابتكار بأقل تكلفة.
أما بالنسبة للدول المتضرّرة من الهجرة، فهي النقيض من ذلك، إذ تمثّل هجرة الأدمغة خسارة مالية مباشرة في تكاليف التكوين والاستثمارات العامة غير المستردة، ونمو اقتصادي أقل إذا لم يعد أصحاب الكفاءات، وإضعاف قطاعات رئيسة (مثل الصحة والبحث والتكنولوجيا العميقة وغيرها).
على الصّعيد العالمي، يقدّر الأثر الاقتصادي للطلبة الدوليين بنحو 300 مليار دولار سنويا. ففي عام 2023، أسهم الطلبة الدوليون في الولايات المتحدة الأمريكية بمبلغ 43.8 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي ودعموا أكثر من 378 ألف وظيفة (من خلال الإنفاق على الرسوم الدراسية، والإقامة، والاستهلاك…).
أمّا في المملكة المتحدة، فقد بلغ هذا الإسهام 39 مليار دولار، وفي ألمانيا 7 مليارات دولار، وفي فرنسا ما بين 4 إلى 5 مليارات دولار. وفي هولندا، يمكن لكل طالب من خارج الاتحاد الأوروبي أن يولد ما يصل إلى 100 ألف أورو للاقتصاد المحلي خلال فترة الدراسة، وذلك بسبب ارتفاع الرسوم الدراسية للطلبة من خارج الاتحاد الأوروبي وارتفاع تكلفة المعيشة (الإقامة، والإطعام، والنقل). تشير التقديرات إلى أن الرسوم الدراسية وحدها في طور الماستر لمدة سنتين في إحدى الجامعات الهولندية تصل إلى 40 ألف أورو.
أما في الجزائر، فهناك نموذج فكري مختلف يحكم استقطاب الطلبة الدوليين، وهو برنامج “أدرس في الجزائر” “Study in Algeria”، الذي تم إطلاقه في 2024-2025. لا يقوم هذا البرنامج على هدف ربحي؛ بل على العكس، فمن أجل الوفاء بالتزاماتها الدولية، وضعت الجزائر هذا البرنامج لتمكين المرشّحين من الاستفادة من تكوين عالي المستوى في المجالات المتقدمة بتكلفة منخفضة. وإلى جانب هذا، يواصل برنامج السيد رئيس الجمهورية الخاص بمنح آلاف المنح الدراسية على نفقة الدولة الجزائرية العمل في تناغم مع برنامج “أدرس في الجزائر” “Study in Algeria”.
الخاتمـة
من خلال هذا العرض، نلاحظ أنّ جيوسياسية التعليم العالي تظهر أن المعرفة ليست محايدة، فهي في الوقت نفسه أداة قوة، ورافعة اقتصادية، وووسيلة دبلوماسية، ورهان نفوذ وسيادة. وهذا ما لا يجعل التعليم العالي مجرد مسألة تكوين فحسب، بل ساحة معركة استراتيجية ضرورية لتنافسية البلاد.
لقد أصبحت الجامعات حاضنات استراتيجية تكون الجيل القادم من الفاعلين الاقتصاديين، والقادة، والمهندسين، والباحثين، والديبلوماسيين.
وقد تجاوز التعليم العالي دوره الأكاديمي ليتحول إلى مراكز حقيقية للقوة التكنولوجية، التي تلعب دورا محوريا في التوازنات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.
إنّ الجزائر، القوية برأس مالها البشري سواء داخل البلاد أو خارجها، ومع التركيز على البحث والابتكار، تواصل المضي قدما في هذا المسار الذي يؤدّي إلى بلوغ النموذج الأرقى في التعليم العالي.







