تجسيـد الجـزء الأكــبر مـن 1900 مشـروع استثماري..هـذا العـــام
تعــــاون عمومـي – خــاص مـن أجــل تركيبـة اقتصاديــة متماسكة
في ظل حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي في الفترة الأخيرة، وتداعيات عدم استقرار الأسعار، حرصت الجزائر من خلال استراتيجية حمائية على تأمين اقتصادها الوطني، من خلال تنويعه وتأمين مصادر دخله، بعيدا عن الاحتكام إلى عائدات المحروقات، ولأجل ذلك باشرت الجزائر ضمن مقاربة اقتصادية أقرّها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، ببعث مشاريع استثمارية كبرى، موزعة بشكل متوازن عبر كامل التراب الوطني. مقاربة ترجمت نجاعتها اليوم في تسجيل 1900 مشروع استثماري على مستوى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، ما يشكّل موردا معتبرا للثروة ومناصب الشغل، وخط دفاع متينا ضد التذبذب الاقتصادي العالمي.
سجّل الخبير في الاقتصاد والمالية الدولية، البروفيسور محمد حيمران، أنّ الاقتصاد الجزائري حقّق خلال السنوات الخمس الأخيرة مؤشرات نمو وتحسّن ملحوظ في التوازنات الكبرى، مرجعا ذلك إلى الخيار الاستراتيجي الذي أقرّه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بالتوجه نحو تنويع الاقتصاد الوطني والاستثمار في القطاعات الحيوية خارج المحروقات، علما أنّ هذا الخيار ضرورة سيادية وأمنية في عالم يعيش على وقع الأزمات المتتالية من حروب مفتوحة في الشرق الأوسط وتوتّرات جيو-استراتيجية بأوروبا، وأزمات اقتصادية خانقة بأمريكا اللاتينية، أعادت هندسة الخارطة الاقتصادية العالمية، ما جعل الاعتماد على عائدات المحروقات كمصدر وحيد للمداخيل خطرا محدقا، في ظل تذبذبات أسعاره، تصدّت له الجزائر بالتوجه نحو تنويع مصادرها من العملة الصعبة، وتنويع اقتصادها ببعث استثمارات كبرى سواء عبر متعاملين اقتصاديين محليين من القطاعين العمومي والخاص، أو عبر شراكات دولية.
رهانــــات كـــبرى
وفي ظل هذه التّحوّلات العامة كجملة من التحديات، يرى حيمران أن الجزائر قد نجحت فعليا في تجاوزها، حيث رفعت الدولة الجزائرية رهانات كبرى خاصة عام 2025 التي أجمع الملاحظون والمتتبّعون أنّه كان اقتصاديا بامتياز من خلال بعث مشاريع استراتيجية كبرى، وتنويع الإنتاج الوطني والرفع من صادرات الجزائر خارج المحروقات، مؤكّدا – في السياق – أنّ طموح الجزائر الاقتصادي يتعدّى بكثير الوقوف عند تحقيق معدل نمو 5 بالمائة خارج قطاع المحروقات، بل يتعداها إلى تحقيق تغطية كاملة من الاحتياجات الوطنية من المواد الغذائية.
وهنا ألحّ حيمران على ضرورة الاحتكام إلى الرقمنة والدقة في تحديد منتجات المؤسسات الاقتصادية ومدى قدرتها على الاستجابة لمتطلبات السوق الوطنية.
مـن التّصــوّر والتّخطيـط إلـى الإنجــاز
واستكمالا للحديث حول تنويع الاقتصاد الوطني وتحريره من التبعية للمحروقات وتبعات تذبذب أسعارها، أكّد حيمران أنّ مناخ الاستثمار الوطني شهد خلال الفترة الأخيرة حركية ملموسة، تجلت من خلال عدد المشاريع المسجلة على مستوى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، حيث بلغ عددها خلال سنة 2025 وحدها 7.511 مشروعا استثماريا، منها 3.833 مشروعا جديدا، و3.562 مشروع توسعة، والباقي مشاريع إعادة تأهيل – حسب معطيات لذات الوكالة التي استدل بها الخبير الاقتصادي – وهو ما يرفع إجمالي المشاريع المسجلة منذ بداية العمل بالأحكام الجديدة للاستثمار، في الفاتح من نوفمبر 2022، إلى 18.712 مشروعا، بمبلغ إجمالي مصرح به يقدر بـ 8.049 دج مليار دينار، مع توقع خلق ما يفوق 454.800 منصب عمل مباشر. وهو ما يدفع للتفاؤل بقدرة الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، على رفع التحدي من خلال تحويل هذه المشاريع إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع، وهو ما يتحقق فعليا بالنظر إلى الوتيرة المتسارعة التي تعرفها المشاريع التي دخلت مرحلة الإنجاز، وكذا تلك التي شرعت في مرحلة الاستغلال.
تعزيـــز الخارطــة الاستثماريـــة
وقال حيمران إنّ هذه الحركية المتزايدة تجعل من الضروري تكثيف الجهود لتوفير يد عاملة مؤهّلة، قادرة على الاستجابة لمتطلبات المؤسسات الاقتصادية، ومتكيّفة مع التطور التكنولوجي والابتكار في مختلف القطاعات، لاسيما وأنّ المنظومة الجديدة للاستثمار تعطي الأولوية للمشاريع القادرة على خلق أكبر عدد ممكن من فرص العمل، وتخلق توازنا بين الشمال والجنوب، من خلال توزيع عادل للمشاريع الاستثمارية حسب الحاجيات الوطنية والخصوصية الجغرافية لمناطق النشاط، وهو التزام تعهّد به رئيس الجمهورية وتجسّدت نتائجه اليوم في مشاريع كبرى بالجنوب الكبير مشتقات الحليب، مع الشريك القطري في أدرار، والبقوليات مع الشريك الإيطالي بتميمون، وغيرها من المشاريع التي أعطت دفعا قويا للاقتصاد الوطني، وأكسبته مناعة ضد التقلبات العالمية.
في هذا الصدد، اغتنم حيمران فرصة الحديث للإشادة بالجهود المبذولة من طرف المتعاملين الاقتصاديين، الذين حرصوا بكل جدية على نجاح تجسيد المشاريع الاستثمارية، ورفع إنتاجية مؤسّساتهم الاقتصادية، وربط رأس المال البشري بالفرص الاستثمارية المتاحة من أجل رفع الرهان، وتحقيق السيادة الاقتصادية التي ستتعزّز بشكل أقوى بعد استكمال الخارطة الاستثمارية للبلاد، وهنا ركّز حيمران خاصة على المشاريع الكبرى المهيكلة التي ستنطلق في المستقبل القريب، على غرار المشروع الأضخم في قطاع المناجم، الذي وصفه حيمران بالمغيب سابقا، حيث ستحتفل الجزائر قريبا بنقل أول شحنة حديد من غارا جبيلات بتندوف إلى مصنع الحديد “توسيالي” بوهران.
رهانــات اقتصاديــــة
في السّياق، أكّد حيمران أنّ نجاح هذا النهج الاستثماري من شأنه إرساء آليات مستدامة للارتقاء بمستوى الكفاءات المحلية، ودعم نمو المشاريع الاستثمارية، وتعزيز التنمية الاقتصادية الشاملة والمتوازنة عبر مختلف الأقاليم، إلى جانب توسيع جاذبية الاستثمار، وتحقيق تنمية إقليمية متوازنة، وتحفيز النشاط الاقتصادي. فبناءً على المكتسبات الاقتصادية المحققة خلال السنوات الماضية، يرى المتحدّث أنّ المؤسسات الاقتصادية الجزائرية قد ساهمت بشكل كبير، مدعومة بإرادة سياسية حقيقية، في توازن المؤشّرات الاقتصادية، وخفض معدّلات التضخم من 9 بالمائة سنة 2022، إلى 2 بالمائة متوقّعة سنة 2026، وتحقيق 4.1 معدل نمو خلال السنوات الثلاث المقبلة، حسب قانون المالية لسنة 2026، ما يعكس تماسكا في تركيبة الاقتصاد الوطني، يتوقع الخبير أن تشمل جميع القطاعات الحيوية مستقبلا.




